الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص: "إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير، وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقًا (1).
ويظهر، والله أعلم، أن هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة، إما وصف لها قبل وقوعها، فتتكون هذه الأوصاف يحسب الغالب في الرؤيا الصالحة وأنها مما يحب الرائي.
وإما أن تكون هذه الأوصاف للرؤيا الصالحة بعد وقوعها، فتكون هذه الأوصاف لحقيقة أمرها، وعلى هذا فلا إشكال في اختلاف أوصاف الرؤيا الصالحة، والله أعلم.
ثم إن القطع على الرؤيا بكونها صالحة، لا سبيل إليه، وإنما ذلك على سبيل غلبة الظن، وأما إدراك ما هو حق منها، وما هو باطل، فهذا صعب الوصول إليه، وإنما هناك علامات تفيد غلبة الظن في كون الرؤيا صالحة (2). وسوف أذكر إن شاء الله، هذه العلامات بشيء من التفصيل في المسألة الثالثة.
المسألة الثانية: أقسام الرؤيا الصالحة
يقول الإمام العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتابه "الروح": (الرؤيا الصالحة أقسام)(3) ثم عدد رحمه الله خمسة أقسام وهي:
(1) فح الباري (12/ 355).
(2)
انظر: فتاوى ابن الصلاح المطبوع ضمن مجموع الرسائل المنبرية (4/ 3).
(3)
الروح (29).
(1)
منها إلهام يلقيه الله سبحانه وتعالى في قلب العبد:
وهو الكلام يكلم به الرب عبده في المنام، كما قال عبادة بن الصامت وغيره.
وهذا القسم من الرؤيا الصالحة يمكن أن يستدل له بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الوحي هو الإعلام السريع الخفي، إما يقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح وقال عبادة ويروى مرفوعًا «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام
…
» فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومنامًا. (1)
ويقول الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم (2) رحمه الله في كتابه السنة: "باب ما ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله تعالى يكلم عبده المؤمن في منامه، ثم ذكر حديث
(1) رسالة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حول كلام الله، ضمن مجموع الفتاوى له (12/ 129).
(2)
هو الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (206 - 287هـ) محدث له مصنفات في الحديث كثيرة، منها كتاب السنة في أحاديث الصفات على طريق السلف ولي قضاء أصبهان بعد صالح ابن أحمد.
انظر: ترجمته في "سير أعلام النبلاء"(13/ 430، 439) والبداية والنهاية (11/ 58) مع ملاحظة أن كتاب السنة له المطبوع في المكتب الإسلامي الطبعة الثانية (1405هـ) وقع خطأ في اسمه على ظهر المجلد فنسب الكتاب إلى أبيه وبقيت كنيته مع وجود اسمه صحيحًا داخل الكتاب في سنده (ص6).
عبادة بن الصامت يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1) ويمكن أن يستدل أيضًا
(1) أخرجه ابن أبي عاصم في كتابه السنة (1/ 213) باب: ما ذكر*9/ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يكلم عبده المؤمن في منامه من طريقين:
الطريق الأول: عن عمرو بن عثمان، ثنا أبي، ثنا محمد بن مهاجر الأنصاري، عن جنيد بن ميمون أبي عبد الحميد، عن حمزة بن الزبير يرفع الحديث إلى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«رؤيا المؤمن من كلام يكلم به العبد ربه، تبارك وتعالى، في المنام» .
قال الألباني حفظه الله في "ظلال الجنة في تخريج السنة""إسناده ضعيف" وقال الهيثمي رحمه الله في "مجمع الزوائد"(7/ 77)"رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه" وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (12/ 354)(وذكر ابن القيم حديثًا مرفوعًا غير معزو: أن رؤيا المؤمن كلام يكلم به العبد ربه في المنام، ووجد الحديث المذكور في نوادر الأصول للترمذي من حديث عبادة بن الصامت، وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر، وهو واه جدًا وفي سنده جنيد بن ميمون عن جمرة بن الزبير عن عبادة).
وانظر: "نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول" للحكيم الترمذي (1/ 501) تحقيق الدكتور أحمد السايح والدكتور الجميلي دار الريان، الطبعة الأولى (1408هـ).
الطريق الثاني: قال ابن أبي عاصم، حدثنا الحوطي، ثنا إسماعيل بن عباس، ثنا صفران بن عمرو بن حميد بن عبد الرحمن أن رجلا سأل عبادة عن قوله تعالى:{لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فقال عبادة: سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو يُرى له، وهو كلام يكلم به ربك عبده في المنام» قال الألباني حفظه الله عن هذا الحديث (1/ 214) إسناده صحيح إن كان في الأصل حميد بن عبد الرحمن محفوظًا، وهو حميد بن عبد الرحمن من رجال الشيخين ثم قال: لكني في شك من ذلك لأمور:
1 -
أن ابن عبد الرحمن هذا لم يذكروه في شيوخ صفوان بن عمرو.
2 -
أن السيوطي أورده في "الدر المنثور"(3/ 313) من رواية الحكيم الترمذي وابن مردويه عن حميد بن عبد الله.
3 -
أن حميد بن عبد الله المدني لما ترجمه ابن أبي حاتم (1/ 2/244) ذكره في الرواة عنه صفوان بن عمرو، ولم يذكره في الرواة عن حميد بن عبد الرحمن.
4 -
أن ابن جرير الطبراني أخرجه (11/ 94) من طريق عمر بن عمرو بن عبد الله الأحموسي بن عبد الله المزني قال: أتى رجل عبادة بن الصامت
…
الحديث، دون قوله (هو من كلام) ثم أخرجه (ص96) من طريق أبي المغيرة قال: ثنا صفوان قال: ثنا حميد بن عبد الله أن رجلاً سأل عبادة بن الصامت الحديث دون زيادة.
قال الألباني: فهذا كان يؤكد أن الراوي لهذا الحديث إنما هو حميد بن عبد الله، وأن حميد بن عبد الرحمن خطأ من ناسخ الكتاب، ثم قال الألباني:(وإذا كان كذلك فما حال ابن عبد الله هذا؟ فذكر ما قيل فيه، ثم قال: وجملة القول: أن الرجل مستور الحال، والنفس تطمئن للاحتجاج بحديث أمثاله من مستور التابعين، وعلى ذلك جرى كثير من المحققين لكن في النفس شيء من ثبوت الزيادة المذكورة لعدم ورودها في طريق الأحموسي، ولا في طريق أخرى للحديث عن عبادة بن الصامت، وقد أخرجها ابن جرير وغيره، وكذلك لم ترد في حديث غيره من الصحابة، وقد خرجته في الصحيحة (1786).
قلت: ومع تقديري واحترامي للعلامة الألباني حفظه الله إلا أن هذا التشكيك في الحديث فيه نظر لما يلي.
أولا: إن كان الراوي في الإسناد هو حميد بن عبد الرحمن فقد صحح الشيخ الألباني إسناده؛ لأن حميد بن عبد الرحمن ثقة من رجال الشيخين.
ثانيًا: إن كان الراوي هو حميد بن عبد الله، فالشيخ الألباني يحتج بحديثه لأنه عنده من مستوري التابعين.
ثالثًا: عدم ورود الزيادة في طرق الحديث الأولى، هذا ليس بقدح لأنها زيادة من ثقة، وزيادة الثقاة يحتج بها.
رابعًا: أن الأمور التي ذكرت في التشكيك في حميد بن عبد الرحمن في ظني أنها لا تقوم، لما يلي:
1 -
كونهم لم يذكروا حميد بن عبد الرحمن في شيوخ صفوان بن عمرو، هذا ليس بشرط لأنهم لم يريدوا الحصر.
2 -
أن السيوطي أورد الحديث من رواية الحكيم الترمذي وابن مردويه عن حميد بن عبد الله، وذكر هذه الزيادة الدر المنثور (4/ 377).
3 -
كونهم لم يذكروا صفوان بن عمرو في تلاميذ حميد بن عبد الرحمن، فهذا ليس بشرط أيضًا لأنهم لم يريدوا الحصر.
4 -
كون ابن جرير أخرج الحديث من طريق حميد بن عبد الله، دون الزيادة، فهذا كذلك ليس بقادح في حديث حميد بن عبد الرحمن، والله أعلم بالصواب.
وانظر: أعلام الموقعين (1/ 195) ومدارج السالكين (1/ 63) والروح (29،30، 32) وشرح السنة (12/ 211) وأحكام القرآن (3/ 1074).
........................................................................
لهذا النوع من الرؤيا الصالحة، بقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي قتادة رضي الله عنه:«الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» وغيره من الأحاديث التي تبين أن هناك نوعًا من الرؤيا يكون من الله.
(2)
ومنها: مثل يضربه له ملك الرؤيا الموكل بها:
أما كون الرؤيا عبارة عن أمثال: فقد سبق لنا بيان ذلك عند الحديث عن حقيقة الرؤيا.
أما مسألة ملك الرؤيا الموكل بها، فقد قال به جماعة من العلماء من المتقدمين والمتأخرين.
يقول عياض رحمه الله: "وقال كثير من العلماء إن للرؤيا ملكًا وكل بها يرى الرائي من ذلك ما فيه تنبيه على ما يكون له أو يقدر عليه من خير أو شر (1).
وكذا ذكرها ابن القيم رحمه الله في أكثر من كتاب وابن العربي وابن حجر رحمهم الله (2).
ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: "رؤيا المؤمن تقع صادقة لأنها أمثال يضربها الملك للرائي
…
(3).
ويرى بعض أهل العلم التوقف في إثبات ملك الرؤيا؛ لأنه يحتاج إلى دليل شرعي كما قال القرطبي رحمه الله (4).
(1) فتح الباري (12/ 353).
(2)
وانظر: أعلام الموقعين (1/ 195) ومدارج السالكين (1/ 63) والروح (29، 30، 32) وشرح السنة (12/ 2119 وأحكام القرآن (3/ 10074).
(3)
المجموع الثمين في فتاوى ابن عثيمين (2/ 205).
(4)
المفهم (4/ 1217).
ويمكن أن يستدل للقائلين بوجود ملك موكل رؤيا بالنصوص العامة التي ثبت حفظ الملائكة لنبي آدم، وأن للملك لمة وهي إيعاد الخير، فمن ذلك.
(أ) ما أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان وابن جرير (1) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد الشر، وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك، فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قرأ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [البقرة: 268]» الآية.
(ب) أخرج الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه والدارمي في سننه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من
(1) جامع الترمذي في التفسير (2991) وقال حديث حسن غريب، وفي بعض النسخ، حسن صحيح غريب، والنسائي في الكبرى (6/ 305) وموارد الظمآن في زوائد ابن حبان (40) وابن جرير في تفسيره (6170) من قول ابن مسعود موقوفًا وسند الطبري صحيح وانظر تخريج زاد المعاد (2/ 460).
وضعفه الألباني كما في مشكاة المصابيح (74) وضعيف الجامع الصغير (1963) وفي سنده عطاء بن السائب وقد رُمي بالاختلاط في آخر عمره فمن سمع منه قديمًا فحديثه صحيح وقد استظهر أحمد شاكر رحمه الله من مجموع كلام أئمة الجرح والتعديل أن اختلاطه كان من حين قدم البصرة، وعطاء كوفي والراوي عنه في هذا الحديث أبو الأحوص كوفي أيضًا، فالظاهر أنه سمع منه قبل الاختلاط، وانظر الكواكب النيرات (ص61) والتهذيب (7/ 203) وجامع الأصول (2/ 58).
الملائكة» قال: يا رسول الله وإياك؟ قال: «وإياي إلا إن الله أعانني عليه فأسلم (1) فلا يأمرني إلا بخير» (2).
(3)
ومنها: التقاء روح النائم بأرواح الموتى من أهله وأقاربه وأصحابه وغيرهم:
كما ذكرنا (3).
وقد ذكرت ذلك بحمد لله، في مسألة تلاقي أرواح الأحياء والأموات، وأقوال أهل العلم في هذه المسألة.
(4)
ومنها: عروج روحه -أي النائم- إلى الله سبحانه وخطابها له (4):
واستدل ابن القيم رحمه الله على هذا القسم من الرؤيا بحديث عمر بن
(1) قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم (17/ 157) فاسلم بضم الميم وفتحها وهما روايتان مشهورتان فمن رفع قال معناه أسلم من شره وفتنته، ومن فتح قال إن القرين أسلم من الإٍسلام وصار مؤمنًا لا يأمرني إلا بخير، واختلفوا في الأرجح منهما، فقال الخطابي: الصحيح المختار الرفع ورجح القاضي عياض الفتح وهو المختار بقوله صلى الله عليه وسلم فلا يأمرني إلا بخير، واختلفوا على رواية الفتح قيل أسلم بمعنى استسلم وانقاد وقد جاء هكذا في غير صحيح مسلم فاستسلم وقيل معناه صار مسلمًا مؤمنًا وهذا هو الظاهر قال القاضي عياض واعلم أن الأمة مجتمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه.
(2)
مسند الإمام أحمد (1/ 385، 397، 401، 460)(4/ 92)(5/ 235، 293، 306) تحقيق أحمد شاكر من حديث ابن عباس وابن مسعود، ومسلم بشرح النووي (17/ 157) من حديث ابن مسعود وعائشة رضي الله عنها والدارمي في سننه (2/ 396).
(3)
الروح لابن القيم رحمه الله (ص30) وسر الروح للبُقاعي (ص159).
(4)
الروح لابن القيم رحمه الله (ص30) وسر الروح للبقاعي (159) وقواعد الأحكام (2/ 197).
الخطاب رضي الله عنه أنه لقي عليًا فقال يا أبا الحسن ربما شهدت وغبنا، وشهدنا وغبت ثلاث أسألك عنهن فهل عندك علم؟
ثم ذكر الثالثة فقال: (والرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب، فقال نعم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد ينام يمتلئ نومًا إلا عرج بروحه إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق، والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب» (1).
قال ابن منده (2) رحمه الله هذا خبر مشهور عن صفوان بن عمرو وغيره.
وقال أبو عبد الله بن منده أيضًا: وروي عن أبي الدرداء قال: (إذا نام الإنسان خرج بروحه حتى يؤتى بها العرش قال: فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كان جنبًا لم يؤذن لها بالسجود، رواه زيد بن الحباب وغيره)(3).
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك (4/ 396) والطبراني في الأوسط والعقيلي وابن حاتم، وابن منده في كتاب الروح والنفس (شرح حديث النزول (5/ 405) قال في مجمع الزوائد: "رواه الطبراني في الأوسط وفيه أزهر بن عبد الله، قال العقيلي: حديثه غير محفوظ عن ابن عجلان وهذا حديث منكر لم يصححه المؤلف ولعل الآفة من الراوي عن ابن عجلان.
قال الحافظ في الفتح (12/ 354 أزهر بن عبد الله الأزدي الخرساني: وذكر العقيلي في ترجمته وقال: إنه غير محفوظ، ثم ذكره من طريق أخرى عن إسرائيل عن ابن إسحاق عن الحارث عن علي ببعضه، وضعفه العراقي في كتابه المغني عن حمل الأسفار (1/ 406) المطبوع مع إحياء علوم الدين وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1/ 36)(1411).
(2)
هو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيي بن منده (310 - 395هـ) صاحب كتاب الإيمان والتوحيد وغيرهما، انظر ترجمته في "سير أعلام النبلاء"(17/ 28) والبداية والنهاية (11/ 336).
(3)
نقل عنه ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه شرح حديث النزول، المطبوع ضمن مجموع الفتاوى (5/ 454) وابن القيم في كتاب الروح (ص30).
وروى البيهقي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: (تعرج الأرواح في منامها فما كان منها طاهرًا سجد أمام العرش، وما كان غير طاهر سجد قاصيًا)(1).
وفي مراسيل الحسن (2) رحمه الله قال: (إذا نام العبد وهو ساجد، باهى الله به الملائكة يقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي جسده في طاعتي وروحه عندي)(3).
وسبق البحث في أن روح النائم تفارق جسده من وجه دون وجه كما قال تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42].
لكن مسألة السجود تحت العرش وعروج روح النائم إلى الله سبحانه تحتاج إلى دليل أصح وأصرح من هذه الآثار التي يعتريها بعض الضعف.
(5)
منها: دخول روحه- أي النائم - إلى الجنة ومشاهدتها وغير ذلك (4):
وهذا القسم يمكن أن يستدل له بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل
(1) شعب الإيمان (9/ 13) وفي سنده ابن لهيعة صدوق خلط بعد احتراق كتبه.
(2)
هو أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، من كبار التابعين توفي سنة (110هـ) انظر ترجمه في وفيات الأعيان (2/ 71، 72) سير أعلام النبلاء (4/ 563).
(3)
أخرجه الإمام أحمد في كتاب الزهد (280) بنحوه عن الحسن من كلامه ولم يرفعه وإسناده صحيح انظر: اختيار الأَوْلى (ص40).
(4)
الروح: (ص29).
عملته في الإسلام، فإني سمعت الليلة دف (1) نعليك بين يدي في الجنة» قال بلال:(ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي)(2).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قول: (عند صلاة الفجر) فيه إشارة إلى أن ذلك في المنام لأن عادته أنه كان يقص ما رآه ويعبر ما رآه أصحابه بعد صلاة الفجر (3).
وقال الكرماني: "ظاهر الحديث أن السماع المذكور وقع في النوم، لأن الجنة لا يدخلها أحد إلا بعد الموت (4)، ويحتمل أن يكون يقظة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخلها ليلة المعراج، وأما بلال فلا يلزم من هذه القصة أنه دخلها، لأن قوله (في الجنة) ظرف للسماع ويكون الدف بين يديه خارجًا عنها (5).
(1) دف: قال البخاري رحمه الله: دف نعليك، يعني تحريك" صحيح البخاري (1/ 357).
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التهجد 17 - باب فضل الطهور بالليل والنهار، وفضل الصلاة بعد الوضوء بالليل والنهار، الحديث (1149)(1/ 357) ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة 21 - باب فضائل بلال (4/ 1910) وأحمد في مسنده (2 - 333، 439).
(3)
فتح الباري (3/ 34).
(4)
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قول الكرماني: لا يدخل أحد الجنة إلا بعد موته، مع قوله إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، دخلها ليلة المعراج وكان المعراج في اليقظة على الصحيح ظاهرهما التناقض، ويمكن حمل النفي إن كان ثابتًا للأنبياء، أو يخص في الدنيا بمعنى خرج عن عالم الدنيا ودخل عالم الملكوت وهو قريب مما أجاب به السهيلي عن استعمال طست الذهب ليلة المعراج، فتح الباري (3/ 35).
(5)
فتح الباري (3/ 35).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معقبًا على كلام الكرماني: (ولا يخفى بعد هذا الاحتمال لأن السياق مشعر بإثبات فضيلة بلال، لكونه جعل كسب الذي بلغه إلى ذلك ما ذكره من ملازمة التطهر والصلاة، وإنما ثبت له الفضيلة بأن يكون رؤي داخل الجنة لا خارجًا عنها)(1).
وما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جنب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب فذكرت غيرتك فوليت مدبرًا» وعمر حين يقول ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس عنده مع القوم فبكى عمر حين سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (أعليك بأبي أنت وأمي أغار يا رسول الله)(2).
وحاصل هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذلك في المنام.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله (رأتني في الجنة) هذا وإن كان منامًا لكن رؤيا الأنبياء حق، ومن ثمَّ أعمل حكم غيرة عمر حتى امتنع من دخول
(1) فتح الباري (3/ 35).
(2)
مسند الإمام أحمد (2/ 339) وصحيح البخاري في مواضع متعددة كتاب بدء الخلق 8 - باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة الحديث (3242)(2/ 431) وكتاب فضائل الصحابة باب مناقب عمر بن الخطاب (3680)(3/ 14) وكتاب النكاح باب الغيرة الحديث (5227)(3/ 394) وكتاب التعبير 31 - باب القصر في المنام الحديث (7023)(4/ 305) 32 - باب الوضوء في المنام الحديث رقم 7025، 4/ 305 صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، 2 - باب فضائل عمر رضي الله عنه الحديث (2395)(4/ 1863).
القصر، وقد روى أحمد من حديث معاذ قال:«إن عمر في الجنة» وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ما يرى في يقظته أو نومه سواء، وأنه قال:«بينما أنا في الجنة: إذ رأيت فيها جارية، فقلت لمن هذا؟ فقيل لعمر بن الخطاب» (1).
ولهذا ذكر البخاري رحمه الله هذا الحديث في صفة الجنة (2).
وقال الحافظ: قوله «تتوضأ» يحتمل أن يكون على ظاهره ولا ينكر كونها تتوضأ حقيقة لأن الرؤيا وقعت في زمن التكليف، والجنة وإن كان لا تكليف فيها فذلك في زمن الاستقرار، بل ظاهر قوله «تتوضأ جانب القصر» أنها تتوضأ خارجة منه، أو هو على غير حقيقة، ورؤيا المنام لا تحتمل على الحقيقة بل تحتمل التأويل دائمًا، وقد ترجم عليه البخاري في كتاب التعبير باب الوضوء في المنام (3).
وأخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث بريدة رضي الله عنه قال: (أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالاً فقال: «يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة، ما دخلت الجنة قط، إلا سمعت خشخشتك (4) أمامي، وإني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك فأتيت على قصر من ذهب مرتفع مشرف، فقل: لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب، قلت: أنا عربي، لمن هذا القصر، قالوا لرجل
من المسلمين من أمة محمد، قلت: فأنا محمد. لمن هذا القصر؟ قالوا:
(1) فتح الباري (6/ 323) والحديث في مسند الإمام أحمد (5/ 245).
(2)
صحيح البخاري (4/ 305).
(3)
فتح الباري (7/ 45) وانظر: كذلك (3/ 35)(12/ 416).
(4)
قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (2/ 33) الخشخشة حركة لها صوت كصوت السلاح.
لعمر بن الخطاب» فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر» فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، وقال لبلال:«بم سبقتني إلى الجنة» قال: ما أحدثت إلا وتوضأت وصليت ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «بهذا» (1).
قال الترمذي: "ومعنى هذا الحديث؛ أني دخلت البارحة الجنة، ويعني في المنام كأني دخلت الجنة، هكذا روي في بعض الأحاديث، ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال صلى الله عليه وسلم:«رؤيا الأنبياء وحي» (2).
ويؤيد كون هذا الدخول وقع في منام، ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث جابر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة، وسمعت خَشْفة (3) فقلت، من هذا فقال: هذا بلال
…
» الحديث (4).
(1) مسند الإمام أحمد (5/ 354، 360) وهذا لفظ إحدى الروايتين عنده وجامع الترمذي (5/ 620) كتاب المناقب (18) باب في مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه (3689).
وقال الترمذي: وفي الباب عن جابر، ومعاذ، وأنس، وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:«رأيت في الجنة قصرًا من ذهب، فقلت لمن هذا؟ فقيل لعمر بن الخطاب» وقال الترمذي هذا الحديث حسن صحيح غريب.
(2)
جامع الترمذي (5/ 620) وأثر ابن عباس سوف يأتي تخريجه إن شاء الله.
(3)
الخشفة: الصوت ليس بالشديد، وانظر: غريب الحديث لأبي عبيد القاسم (1/ 145) دار الكتاب العربي (1396 هـ).
(4)
مسند الإمام أحمد (3/ 372) وصحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب (3679)(3/ 14).
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «دخلت الجنة، أو أتيت الجنة، فأبصرت قصرًا، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر بن الخطاب» الحديث (1).
وما أخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لشاب من قريش
…
» الحديث (2).
وما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فقلت: ما هذا؟ قالوا: الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك» (3).
وما أخرجه الإمام أحمد ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «نمت فرأيتني في الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت: من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان» فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «كذلك البر، كذلك البر» وكان أبر الناس بأمه (4).
(1) مسند الإمام أحمد (3/ 309) والبخاري في موضعين، كتاب النكاح 107 - باب الغيرة الحديث (5226)(3/ 394) كتاب التعبير 31 - باب القصر في المنام، الحديث (7024)(4/ 305) وصحيح مسلم (4/ 1862).
(2)
مسند الإمام أحمد (3/ 107، 191، 163) وجامع الترمذي، كتاب المناقب 18 - باب في مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الحديث رقم (3688)(5/ 619) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
(3)
مسند الإمام أحمد (3/ 106، 125، 239، 268) صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة 19 - باب من فضائل أم سليم، (2456)(4/ 1908).
(4)
مسند الإمام أحمد (6/ 36، 151، 167) وأخرجه الحاكم في مستدركه (3/ 52) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.