الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال أيضًا: ثم إن من شأن عالم الرسوم في الذب عن نفسه أن يجهل من يقول فهمني ربي، ويرى أنه أفضل منه، وأنه صاحب العلم، إذ يقول من هو أهل الله، إن الله ألقى في سري مراده بهذا الحكم في هذه الآية، أو يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في واقعتي فأعلمني بصحة هذا الخبر المروي عنه وبحكمه عنده، قال أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه في هذا المقام وصحته يخاطب علماء الرسوم:
أخذتم علمكم ميتًا عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. يقول أمثالنا: حدثني قلبي عن ربي، وأنتم تقولون حدثني فلان وأين هو؟
قالوا: مات عن فلان، وأين هو؟ قالوا: مات.
وكان الشيخ أبو مدين رحمه الله إذا قيل له قال فلان عن فلان عن فلان يقول: ما نريد نأكل قديدًا هاتوا ائتوني بلحم طري، يرفع همم أصحابه، هذا قول فلان أي شيء قلت، أنت ما خصك الله به من عطاياه من علمه اللدني، أي حدثوا عن ربكم واتركوا فلانا وفلانًا، فإن أولئك أكلوه لحمًا طريًا والواهب لم يمت، وهو أقرب إليكم من حبل الوريد (1).
وهذا الكلام وأمثاله، وأيم الله إنه الذي أرداهم إلى الحضيض فضلوا الصراط المستقيم.
المسألة الخامسة: كيفية اكتساب المعرفة الصوفية
ما ذكروه من الباطل والهذيان في وسائل المعرفة عندهم أخذوا يبررون اكتسابهم لهذه المعرفة بباطل آخر.
(1) الفتوحات المكية (1/ 280).
فقالوا: إن العلم الذي له تعلق بالقراءة والكتابة هو من شأن علم العوام دون الخواص.
أما علمهم، فلا يمكن تعلمه ولا شرحه ولا الاستدلال عليه، وإما هي حالة يعيشها السالك فحسب، ومن أراد أن يصل إليها، فعليه أن يأخذ نفسه بآداب الطريقة وتعاليمها حتى يكون أهلا للعلم اللدني (1).
ولهذا يذكر الغزالي أن القلب مستعد لأن تتجلى فيه حقيقة الحق ومعرفة علوم اللوح المحفوظ الذي نقش فيه جميع ما قضى الله به إلى يوم القيامة، وإنما يحول دون القلب من الحجب ما يمنع تحقيق هذه المعرفة، لكن قد تهب رياح الألطاف فتكشف الحجب عن أعين القلوب، فينجلي فيها بعض ما هو مسطور في اللوح المحفوظ، ويكون ذلك تارة في المنام، فيعلم به ما يكون في المستقبل، وفي اليقظة، فيرتفع الحجاب بلطف خفي من الله تعالى، فيلمع في القلوب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم، تارة كالبرق من الخاطف، وأخرى كالتوالي إلى حد ما، ودوامه غاية الندور.
ويدعي الغزالي أيضًا، أن الطرق إلى العلم اللدني لا يكون عن طريق تحصيل العلم، والنظر في المصنفات، والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة بل عن طريق المجاهدة، ومحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والاستعداد بالتصفية المجردة، وقطع الهمة عن الأهل والمال والد والوطن، وعن العلم والولاية والجاه، بل حتى يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه، ثم يخلو بنفسه في زاوية في خلوة (2).
(1) انظر: التعرف لمذهب أهل التصوف (ص87).
(2)
انظر: إحياء علوم الدين (3/ 18، 19، 76).
وفي هذه الخلوة يقتصر السالك على الفرائض والرواتب، ويجلس فارغ القلب مجموع الهم، غير مفرق فكره بقراءة القرآن!! ولا بالتأمل في تفسيره!! ولا بالنظر في كتب الحديث!! ولا غير ذلك بل يجتهد ألا يخطر بباله شيء سوى الله فلا يزال إلى حالة يترك فيها تحريك اللسان، ويرى كأن الكلمة تجري على لسانه ثم يمحي أثرها على اللسان، فيواظب على الذكر بقلبه حتى يمحى عن القلب صورة اللفظ وحروفه وهيئة الكلمة، حتى يبقى معنى الكلمة حاجزًا في قلبه ملازمًا له لا يفارقه فيصير متعرضًا لرحمة الله، منتظرًا ما يفتح الله به من الرحمة، كما فتحها على الأنبياء والأولياء (1).
فالحاصل أن علوم الصوفية تستفاد من غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل يرون أن الاشتغال بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يتعارض مع مصالح الناس.
ولا شك أن من اعتقد أن لأحد طريقًا إلى الله لا يحتاج فيه إلى كتاب الله ولا إلى هدي رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر زنديق.
وبذلك يتبين أن الخلاف بيننا وبين الصوفية ليس خلاف المولد وكيفية الذكر وأنواع الأوراد والتوسل الذي أطالوا وأطنبوا فيه، وليس في تعريف البدعة بل الخلاف بيننا وبين دين الصوفية، خلاف بين الإسلام وبين ديانة وثنية فلسفية خلاف في الربوبية والألوهية؛ ولهذا يجعلون هناك من يتصرف في الكون من دون الله، لمن يسمونهم بالأولياء، وهذا شرك أكبر، ولم يكتفوا بصرف الألوهية لهؤلاء، بل صرفوها للزنادقة والدجالين وللكهان.
(1) إحياء علوم الدين (3/ 19، 20) وانظر: الرسالة اللدنية (ص113، 118) ونظرية الاتصال عند الصوفية (ص176 - 199) في بيان العلم اللدني عند الصوفية.
ولهذا يقولون في حلق الذكر عندهم. عبد القادر يا جيلاني (1) يا مصرف الأكوان نعوذ بالله من شركهم، فإذا كان هذا الجيلاني متصرف في الأكوان فماذا بقي لله سبحانه؟!
بل يذكرون أن منهم من يخاطب الله ويراه في الدنيا ويأخذ عنه الحلال والحرام.
لذلك فإن معرفة منهج الصوفية في المعرفة هو من أهم الردود عليهم، ولهذا فصلت في ذلك ليكون منطلقا للرد عليهم في غلوهم في الرؤى.
(1) هو عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله (471 - 561هـ) شيخ الطريقة القادرية، من مؤلفاته: فتوح الغيب، والغنية لطالب طريق الحق، وينسب له أشياء كثيرة لا تصح عنه كما قال الذهبي رحمه الله.
انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (20/ 439 - 451) وطبقات الشعراني (1/ 126 - 132).