المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه - الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين

[سهل العتيبي]

فهرس الكتاب

- ‌أصل هذا الكتاب

- ‌إهداء

- ‌المقدمة

- ‌أهمية هذا الموضوع

- ‌ صلة هذا الموضوع بالعقيدة والمذاهب المعاصرة

- ‌خطة البحث:

- ‌منهج الدراسة:

- ‌تمهيد

- ‌أهمية الرؤى في حياة الناس

- ‌الباب الأولحقيقة الرؤى وأقسامها وعلاماتهاوعلاقتها بالنبوة

- ‌الفصل الأولحقيقة الرؤى

- ‌المبحث الأولالرؤى لغة واصطلاحًا

- ‌المسألة الأولى: الرؤى في اللغة

- ‌المسألة الثانية: الرؤى اصطلاحًا

- ‌المبحث الثانيالفرق بين الرُّؤْيا والحُلُم والفرق بين الرُّؤيا والرُّؤْية

- ‌المسألة الأولى: الفرق بين الرؤيا والحلم

- ‌المسألة الثانية: الفرق بين الرؤيا والرؤية

- ‌المبحث الثالثدلالات الرؤيا

- ‌المبحث الرابعتعلُّق الرؤيا بالروح

- ‌المسألة الأولى: تعريف الروح وصفاتها وخصائصها

- ‌المسألة الثانية: هل روح النائم تفارق جسده في المنام

- ‌المسألة الثالثة: هل تتلاقى أرواح الأحياء وأرواح الأموات في المنام

- ‌المطلب الأول: تلاقي أرواح الأحياء والأموات في المنام:

- ‌المطلب الثاني: تلاقي أرواح الأحياء في المنام:

- ‌الفصل الثانيأقسام الرؤى وعلاماتها

- ‌المبحث الأولأقسام الرؤى وعلاماتها

- ‌المبحث الثانيعلامات الرؤيا الصالحة وأقسامها

- ‌المسألة الأولى: صفات الرؤيا الصالحة

- ‌المسألة الثانية: أقسام الرؤيا الصالحة

- ‌المسألة الثالثة: علامات الرؤيا الصالحة

- ‌المسألة الرابعة: رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان

- ‌المسألة الخامسة: أسباب صدق الرؤيا الصالحة:

- ‌المسألة السادسة: هل يسوغ العمل وفق الرؤيا الصالحة

- ‌المبحث الثالثأقسام الناس في الرؤى

- ‌الفصل الثالثعلاقة الرؤى بالنبوة

- ‌المبحث الأولرؤيا الأنبياء وحي

- ‌المسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه

- ‌المسألة الثانية: الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء

- ‌المسألة الثالثة: رؤيا الأنبياء في المنام وحي وحق

- ‌المبحث الثانيكون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة

- ‌المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة

- ‌المسألة الثانية: معنى كون الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة

- ‌المسألة الثالثة: مواقف العلماء من اختلاف الروايات في تحديد أجزاء النبوة

- ‌المسألة الرابعة: هل تنسب رؤيا الكافر الصادقة إلى أجزاء النبوة

- ‌الباب الثانيأقوال المخالفين في الرؤىومناقشتهم

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الأولنظريات علماء النفس في الرؤى ومناقشتهم

- ‌تمهيد

- ‌المسألة الأولى: تعريف علم النفس

- ‌المسألة الثانية: نشأة علم النفس وأطواره

- ‌المسألة الثالثة: مصادر المعرفة عند علماء النفس

- ‌المبحث الأولنظرية التحليل النفسي، ومناقشتها

- ‌المسألة الأولى: نظرية التحليل النفسي

- ‌المسألة الثانية: مناقشة هذه النظرية

- ‌المبحث الثانينظرية التنبيهات الخارجية، ومناقشتها

- ‌المسألة الأولى: نظرية التنبيهات الخارجية

- ‌المسألة الثانية: مناقشة هذه النظرية

- ‌الفصل الثانيمذهب الصوفية في الرؤىوالرد عليهم

- ‌تمهيد

- ‌المسألة الأولى: أصل التسمية

- ‌المسألة الثانية: التصوف اصطلاحًا

- ‌المسألة الثالثة: نشأة التصوف وأطواره

- ‌المسألة الرابعة: وسائل المعرفة عند الصوفية

- ‌المسألة الخامسة: كيفية اكتساب المعرفة الصوفية

- ‌المبحث الأولمذهب الصوفية في الرؤى

- ‌المسألة الأولى: تعريف الصوفية للرؤيا

- ‌المسألة الثانية: مكانة الرؤى عند الصوفية

- ‌المسألة الثالثة: الأمور التي يستمدونها من الرؤى

- ‌المسألة الرابعة: شبهاتهم في جعل الرؤى مصدرًا للتلقي والمعرفة

- ‌المبحث الثانيالرَّدُّ على شبهاتهم

- ‌الباب الثالثأحكام الرؤى وآدابها

- ‌الفصل الأولأحكام الرؤى

- ‌المبحث الأول: رؤية الله في المنام

- ‌تمهيد: رؤية الله عيانًا

- ‌المسألة الأولى: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه في المنام

- ‌المسألة الثانية: هل يرى المؤمن ربه في المنام

- ‌المبحث الثانيرؤية الملائكة في المنام

- ‌المبحث الثالثرؤية الأنبياء في المنام

- ‌المسألة الأولى: الأحاديث الواردة في رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام

- ‌المسألة الثانية: أقوال العلماء في رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام

- ‌المسألة الثالثة: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة»

- ‌المبحث الرابعرؤية الأنبياء في المنام

- ‌المبحث الخامسالكذب في الرؤيا

- ‌المسألة الأولى: تعريف الكذب

- ‌المسألة الثانية: تحريم الكذب عمومًا

- ‌المسألة الثالثة: تغليظ الكذب والافتراء على الله

- ‌المسألة الرابعة: الكذب في الرؤيا

- ‌الفصل الثانيأحكام تعبير الرؤى

- ‌تمهيدحقيقة علم التعبير

- ‌المسألة الأولى: تعريف التعبير لغة واصطلاحًا

- ‌المسألة الثانية: حقيقة علم التعبير

- ‌المسألة الثالثة: هل هذا العلم توقيفي أو لا

- ‌المسألة الرابعة: مكانة هذا العلم

- ‌المبحث الأولأقسام تأويل الرؤى وقواعده

- ‌المسألة الأولى: تعريف التأويل لغة واصطلاحًا

- ‌المسألة الثانية: الأصل في التعبير

- ‌المسألة الثالثة: أقسام تأويل الرؤيا

- ‌المسألة الرابعة: من كليات التعبير

- ‌المبحث الثانيهل الرؤيا إذا عبرت وقعت

- ‌المبحث الثالثأمثلة من تأويل الرؤى في السنة

- ‌الفصل الثالثآداب الرؤى

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأولإذا رأى ما يحب

- ‌المبحث الثانيإذا رأى ما يكره

- ‌المبحث الثالثشروط المعبر للرؤيا

- ‌المبحث الرابعآداب المعبر

- ‌الخاتمة

- ‌فهرس المراجع والمصادر

- ‌من إصدارات الصندوق الخيريلنشر البحوث والرسائل العلمية

الفصل: ‌المسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه

‌المبحث الأول

رؤيا الأنبياء وحي

وفيه ثلاث مسائل:

‌المسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه

.

المسألة الثانية: الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء.

المسألة الثالثة: رؤيا الأنبياء في المنام وحي وحق.

المسألة الأولى: تعريف الوحي وأقسامه

وفيه مطلبان

المطلب الأول: تعريف الوحي:

قال الجوهري في الصحاح: "الوَحْيُ: الكتابُ: والإشارةُ، والكِتَابَةُ، والرِسَّالةُ، والإِلْهامُ، والكَلامُ الخَفِيُّ، وكُلُّ ما أَلقيتَهُ إلى غَيْرِكَ، يقال: وَحَيْتُ إليه الكلامَ وأوْحَيْتُ، وهو أن تكلِّمه بكلام تخفيه، وَوَحَيّتُ إليه بخبرِ كذا، أي أشرت وصَوَّتُ به رويدًا (1).

والوحي أيضًا: الكْتُبُ، والصَّوتُ يكون في الناس وغيرهم، وأوْحَى إليه، بَعَثَهُ وأَلَهَمَهُ (2).

وأَوْحى ووَحى أيضًا: كتب (3).

(1) الصحاح (6/ 2519 - 2520) مادة وحي.

(2)

القاموس المحيط (ص1729) الطبعة الثانية (1407) هـ مؤسسة الرسالة.

(3)

الصحاح (6/ 2520).

ص: 195

وقال ابن منظور: "قال أبو إسحاق، وأصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء ولذلك صار الإلهام يسمى وحيًا".

وقال الأزهري: وكذلك الإشارة والإيماء يسمى وحيًا والكتابة تسمى وحيًا (1).

وقال الراغب الأصفهاني: أصل الوحي الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة، قيل أمر وحي وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض (2).

وهذه كلها إطلاقات الوحي في اللغة، أما في الشرع فإذا اطلق الوحي فإنه يخص من جهة مصدره وهو الله سبحانه وتعالى، ومن جهة الموحى إليهم وهم الأنبياء.

قال ابن منظور في كتابه لسان العرب: "والوحي: ما يوحيه الله إلى أنبيائه.

قال ابن الأنباري في قولهم: أنا مؤمن بوحي الله، قال: سمي وحيًا لأن الملك أسرَّه على الخلق وخصَّ به النبي صلى الله عليه وسلم المبعوث إليه.

قال الله عز وجل: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112] معناه: يسر بعضهم إلى بعض، فهذا أصل الحرف ثم قصر الوحي للإلهام، ويكون للأمر، ويكون للإشارة.

وقال الزجاج في قوله تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 112] قال بعضهم ألهمتهم، كما قال عز وجل:{وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68].

(1) لسان العرب (15/ 382) مادة وحي.

(2)

معجم مفردات ألفاظ القرآن (ص552).

ص: 196

وقال ابن كثير رحمه الله في قوله عز وجل:

{وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام كما قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7] وهو وحي إلهام بلا خلاف وكما قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية: {إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} أي: ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا (1).

فهذا وحي من الله بمعنى الإلهام وهو وحي عام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وليس كل من أوحي إليه الوحي العام يكون نبيًا فإنه قد يوحى إلى غير الناس، قال تعالى {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ})(2).

قال ابن منظور: وقال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الشورى: 51] معناه: إلا أن يوحي إليه وحيًا فيعلمه بما يعلم البشر أنه أعلمه، إما إلهامًا أو رؤيا، وإما أن ينزل عليه كتابًا كما أنزل على موسى، أو قرآنا يتلى كما أنزله على سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل هذا إعلام. وإن اختلفت أسباب الإعلام فيها (3).

(1) تفسير القرآن العظيم (2/ 115) دار المعرفة بيروت.

(2)

النبوات (272).

(3)

لسان العرب (15/ 380، 381).

ص: 197

والقرآن الكريم قد استخدم إطلاقات كلمة الوحي كما وردت في اللغة، وهذا وحي عام للناس وغيرهم (1)، كما استعملها بالمعنى الخاص بالرسل، وهو إعلام خاص خفي من الله تعالى لرسله وأنبيائه، وهذا المعنى للوحي في الشرع أخص منه في اللغة من جهة مصدره وهو الله تعالى ومن جهة الموحى إليهم وهم الرسل (2).

المطلب الثاني: أقسام الوحي:

قد بين الله في كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم أقسام الوحي، فقال تعالى:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51].

ففي هذه الآية ذكر الله سبحانه أنواع التكليم العالم وهو بمعنى الوحي العام، كما ذكر ذلك عن السلف في تفسير هذه الآية.

سئل ابن شهاب (3) رحمه الله عن هذه الآية فقال: "نزلت هذه الآية تعم من أوحى الله إليه من النبيين.

فالكلام كلام الله الذي كلم به موسى من وراء حجاب، والوحي ما يوحي الله به إلى النبي من أنبيائه عليهم السلام، فيثبت الله عز وجل ما أراد من وحيه في قلب النبي، فيكلم به النبي عليه الصلاة والسلام وبينه، وهو كلام الله ووحيه.

(1) انظر: كتاب النبوات لشيخ الإٍسلام ابن تيمية (ص272، 273).

(2)

انظر: النهاية في غريب الحديث (5/ 163) وكتاب وحي الله لحسن ضياء الدين عتر (ص90).

(3)

هو الإمام العلم حفاظ زمانه، أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، روى عن ابن عمر وجابر بن عبد الله (50 - 124) هـ.

انظر ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري (1/ 220) وسير أعلام النبلاء (5/ 226).

ص: 198

ومنه ما يكون بين الله ورسله، لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدًا من الناس ولكنه سر غيب بين الله ورسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد، ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يحدثون به الناس حديثا، ويبنون لهم أن الله أمرهم أن يبينوه للناس، ويبلغوهم إياه.

ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء من الملائكة فيوحون به وحيا في قلوب من يشاء من رسله (1).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان هذه الأقسام الثلاثة:

القسم الأول: الوحي وهو الإعلام السريع الخفي:

إما في اليقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح.

وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه ويروى مرفوعًا: (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام)(2).

وكذلك في اليقظة، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«قد كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكون في أمتي فعمر» .

وفي رواية في الصحيح «مكلمون» (3).

(1) الأسماء والصفات للبيهقي (ص196) مطبعة السعادة، مصر.

(2)

سبق تخريجه.

(3)

أخرجه البخاري في صحيحه من حدث أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم 6 باب مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحديث رقم (3689)(3/ 16) ومسلم في صحيحه (4/ 1864) من حديث عائشة رضي الله عنها.

والمحدث هو الملهم، وهو الرجل الصادق الذي ألقي في قلبه الشيء، فيجري الصواب على لسانه انظر: مدارج السالكين لابن القيم (1/ 39) وشرح مسلم للنووي (15/ 166) وفتح الباري (7/ 50).

ص: 199

وقد قال تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} .

وقال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} .

بل قال تعالى: {وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 12] وقال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء ويكون يقظة ومنامًا (1).

ويقول الإمام البغوي رحمه الله في تفسير قول الله عز وجل {إِلَّا وَحْيًا} يوحى إليه في المنام أو بالإلهام (2).

ويقول ابن الجوزي رحمه الله: والمراد بالوحي ههنا: الوحي في المنام (3)، ولم يذكر غيره.

ووجه تفسير الآية بذلك بدليل مقابلة هذا القسم بالقسمين بعده، فلا بد أن يكون هذا الوحي في المنام أو الإلهام في اليقظة.

والآية لا شك أنها واردة في أقسام وحي الله إلى أنبيائه، أما تسمية الرؤيا الصالحة والإلهام في اليقظة اللذين يكونان لآحاد الناس، تسمية ذلك وحيا بهذا المعنى مما يشكل عند بعض الناس.

لكن قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فهذا الوحي يكون لغير الأنبياء، ويكون يقظة ومنامًا، استنادًا للآيات والأحاديث الواردة في ذلك.

(1) رسالة في كلام الله بعنوان: قاعدة في القرآن كلام الله، لشيخ الإٍسلام ابن تيمية، مطبوعة ضمن الفتاوى له (12/ 397، 398).

(2)

تفسير البغوي (4/ 132).

(3)

زاد المسير (7/ 297).

ص: 200

فقوله عز وجل: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} فهذا سماه الله وحيا وهو إلهام في اليقظة، لأن الحواريين ليسوا بأنبياء، ومثل ذلك يقال في وحيه لأم موسى.

واستدل رحمه الله على تسمية الرؤيا الصالحة لآحاد الناس وحيًا، بقوله صلى الله عليه وسلم:«رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» .

وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام» فهذا الحديث إن صح جاز تسمية الرؤيا الصالحة وحيا، وتسميتها كلامًا بالمعنى العام.

ويقول رحمه الله في تفسير المعوذتين: وإذا كان ما يوحيه الله إلى عبادة تارة يكون بواسطة ملك، وتارة بغير واسطة، فهذا للمؤمنين كلهم مطلقًا لا يختص به الأنبياء قال تعالى:{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7].

وقال تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111].

وإذا كان قد قال: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} [النحل: 68] فذكر أنه يوحي إليهم، فإلى الإنسان أولى.

وقال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7، 8] فهو سبحانه يلهم الفجور والتقوى للنفس، والفجور يكون بواسطة الشيطان، وهو إلهام

ص: 201

وسواس، والتقوى بواسطة ملك، وهو إلهام وحي، هذا أمر بالفجور، وهذا أمر بالتقوى، والأمر لا بد أن يقترن به خبر.

وهذه الآية مما تدل على أنه يفرق بين إلهام الوحي والوسوسة، فالمأمور به إن كان تقوى الله فهو إلهام الوحي، وإن كان من الفجور فهو من وسوسة الشيطان.

إلى أن قال رحمه الله: لكن ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في اليقظة ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك، فإن الوسواس غالب على الناس، والله أعلم (1).

ويقول أيضا رحمه الله في كتاب النبوات:

وقوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا} [الشورى: 51] يتناول وحي الأنبياء وغيرهم كالمحدثين الملهمين كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم» .

وقال عبادة بن الصامت: رؤيا المؤمن كلام الرب عنده في منامه فهؤلاء المحدثون الملهمون المخاطبون يوحي إليهم هذا الحديث الذي هو لهم خطاب وإلهام وليسوا بأنبياء معصومين مصدقين في كل ما يقع لهم؛ فإنه قد يوسوس لهم الشيطان بأشياء لا تكون من إيحاء الرب بل من إيحاء الشيطان، وإنما يحصل الفرقان بما جاءت به الأنبياء؛ فهم الذين يفرقون بين وحي الرحمن ووحي الشيطان (2).

(1) تفسير المعوذتين (ص32، 35) تحقيق: موفق عبد الله العوض، الطبعة الأولى، (1407 هـ) دار طيبة الرياض.

(2)

النبوات: (273).

ص: 202

وبذلك يرد على من يمنع تسمية الإلهام "التحديث" والرؤيا الصالحة وحيًا وإلهامًا إلهيًا، وحجة هؤلاء هو الرد على المبتدعة من مدعي النبوة وغيرهم من المتصوفة (1).

ويقال لهم:

أولاً: إن الأدلة من الكتاب والسنة دلت على تسمية الإلهام والرؤيا الصالحة وحيًا كما أوحى الله إلى الحواريين وإلى مريم.

ثانيًا: أن القول بأن هذه الأمور إلهام إلهي هذا لا يعني أنها مصادر التشريع والتلقي.

ثالثًا: ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في اليقظة ولا في المنام إلا بدليل يدل على ذلك؛ لأن الوسواس غالب على الناس.

القسم الثاني: التكليم من وراء حجاب:

كما كلَّم الله موسى عليه السلام، ولهذا سمى الله هذا نداء فقال تعالى:{وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم: 52].

وقال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه: 11 - 13].

وهذا التكليم مختص ببعض الرسل كما قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ} [البقرة: 253].

(1) انظر: كتاب عقيدة ختم النبوة، تأليف: أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي (121 - 130) وكتاب العقيدة السلفية، تأليف: عبد الله بن يوسف الجديع (8).

ص: 203

وقال تعالى بعد ذكر إيحائه إلى الأنبياء: {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]؛ فهذا تكليم خاص من وراء حجاب بلا واسطة.

القسم الثالث: التكليم بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم:

ودل على ذلك قوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} ، فهذا إيحاء الرسول الذي هو جبريل، وهذا غير الوحي الأول من الله الذي هو أحد أقسام التكليم العام.

وهذا القسم من أقسام الوحي أنواع كثيرة:

1 -

أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس، وكان هذا النوع أشد الأنواع على الرسول صلى الله عليه وسلم فيتلبس به الملك، حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها.

كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ قال: «أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيعلمني فأعي ما يقول» (1).

2 -

أن يتمثل له الملك رجلاً يكلمه، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا، كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يا عمر أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» (2) وكما تمثلت الملائكة لإبراهيم ولوط في صورة الآدميين، كما أخبر الله بذلك في غير موضع.

(1) صحيح البخاري كتاب بدء الوحي (1/ 13) وصحيح مسلم (2333).

(2)

أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (8).

ص: 204

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد سمى الله كلا النوعين إلقاء الملك وخطابه وحيًا؛ لما في ذلك من الخفاء، فإنه إذا رآه يحتاج أن يعلم أنه ملك، وإذا جاء في مثل صلصلة الجرس يحتاج إلى فهم ما في الصوت (1).

3 -

أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما يشاء الله أن يوحيه، وهذا وقع لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم مرتين.

كما قال تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [النجم: 13، 14].

وأخرج مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لم أره - يعني جبريل - على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، ورأيته منهبطًا من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض» (2).

وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يريه على صورته التي خلق عليها، والثانية عند المعراج (3).

وأخرج الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «لم ير محمد جبريل في صورته إلا مرتين، مرة عند سدرة المنتهى، ومرة في أجياد» (4).

ومما ينبغي التنبيه عليه دفعًا لما قد يشكل في إطلاق لفظ الوحي ولفظ التكليم في مواضع من كتاب الله تعالى ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية

(1) رسالة شيخ الإسلام حول القرآن كلام الله مطبوع ضمن الفتاوى (12/ 401).

(2)

صحيح مسلم الحديث (177).

(3)

المسند (1/ 394، 395، 407، 418).

(4)

المسند (6/ 236، 241) وجامع الترمذي (5/ 395).

ص: 205

رحمه الله بقوله: "وقد دل كتاب الله على أن اسم الوحي والكلام في كتاب الله فيها عموم وخصوص، فإذا كان أحدهما عاما اندرج فيه الآخر، كما اندرج الوحي في التكليم العام في هذه الآية؛ يعني قوله عز وجل:{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى: 51].

واندرج التكليم في الوحي العام؛ حيث قال تعالى: {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه: 13].

وأما التكليم الخاص الكامل فلا يدخل فيه الوحي الخاص الخفي الذي يشترك فيه الأنبياء وغيرهم.

كما أن الوحي المشترك الخاص لا يدخل فيه التكليم الخاص الكامل؛ كما قال تعالى لزكريا: {ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} .

ثم قال تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} [مريم: 10، 11]؛ فالإيحاء ليس بتكليم ولا يناقض الكلام.

وقوله تعالى في الآية الأخرى: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران: 41]: إن جعل معنى الاستثناء منقطعًا اتفق معنى التكليم في الآيتين، وإن جعل متصلاً كان التكليم مثل التكليم في سورة الشورى، وهو التكليم العام (1).

(1) رسالة لشيخ الإسلام حول كلام الله، مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى (12/ 129، 402، 403).

ص: 206