الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الثانية: الرؤيا الصالحة أول مبدأ الوحي للأنبياء
بوَّب الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح في الكتاب الأول منه كتابًا بعنوان كتاب بدء الوحي، ثم ذكر فيه ستة أبواب:
الباب الأول: باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول الله عز وجل ذكره {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163] (1).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ومناسبة الآية للترجمة واضح من أن صفة الوحي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم توافق صفة الوحي إلى من تقدمه من النبيين.
ومن جهة أن أول أحوال النبيين في الوحي بالرؤيا، كما رواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد حسن عن علقمة بن قيس صاحب ابن مسعود قال: إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم، ثم ينزل الوحي بعد في اليقظة (2).
ويؤيد ذلك حديث عائشة رضي الله عنها في أول ما بدئ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي حيث كانت الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
فالرؤيا الصالحة هي أول مراتب الوحي.
وهذا الحديث في بدء الوحي خرجه أئمة الحديث أصحاب الجوامع، والسنن والمسانيد، ودلائل النبوة، والمستخرجات والمصنفات ومدونو السيرة النبوية وحفاظ أحاديثها.
(1) صحيح البخاري (1/ 13).
(2)
فتح الباري (1/ 9) وقال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (3/ 4) وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله، يعني حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي.
وقد تعددت روايات هذا الحديث، وخلاصتها ما تضمنتها روايات إمام المحدثين الإمام البخاري رحمه الله في جامعه الصحيح؛ حيث ساق حديث بدء الوحي في ثلاثة مواضع من كتابه الجامع الصحيح.
الموضع الأول: في كتاب بدء الوحي، الحديث الثالث: أخرج بسنده عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ .. الحديث (1).
الموضع الثاني: في كتاب التفسير، باب {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] بلفظ: كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة في النوم .. الحديث (2).
الموضع الثالث: في كتاب التعبير، الباب الأول منه، باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة (3).
فالحاصل من هذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم بديء بالرؤيا الصادقة في أول مراتب النبوة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم بعد ذلك جاءه الوحي يقظة.
(1) صحيح البخاري مع شرح فتح الباري (1/ 23).
(2)
صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري (8/ 714، 723).
(3)
المرجع السابق (4/ 395).
ولا شك أن مجيء الملك في غار حراء كان أول مراتب الوحي في اليقظة؛ وهو وحي الرسالة الذي به بدأ نزول القرآن، ولم يرد أن وحيًا مناميًا انفرد بنزول شيء من القرآن الكريم (1).
قال السيوطي في الاتقان: "إن الملك يأتيه في النوم، وهل نزل عليه فيه قرآن أم لا؟ والأشبه أنه نزل كله يقظة (2).
والنبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: كيف يأتيك الوحي؟ في حديث الحارث بن هشام، قال صلى الله عليه وسلم:«أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» (3).
فلم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث رؤيا المنام، وهذا تصريح منه صلى الله عليه وسلم بأنه لم يتلق شيئًا من القرآن عن طريق الرؤيا.
وما ذكر من أن جبريل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ .. الحديث (4).
نقول: إن ثبت هذا الحديث فإنه لا يعارض حديث عائشة رضي الله عنها ويمكن أن يجمع بين الحديثين إن صح الأخير بأن تقول أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل في المنام قبل اليقظة توطئة وتيسيرًا عليه ورفقًا به؛ لأن أمر النبوة عظيم.
(1) انظر: كتاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم تأليف محمد الصادق عرجون (1/ 269) الطبعة الأولى (1405هـ) دار القلم دمشق.
(2)
الاتقان في علوم القرآن (1/ 23) طبعة عالم الكتب.
(3)
سبق تخريجه (204).
(4)
رواه ابن إسحاق: قال: حدثني وهب بن كيسان قال: قال عبيد، فذكر الحديث .. سيرة ابن هشام (1/ 267) تحقيق: عمر بن عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي.
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "فقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أول ما بدئ من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. يقوي ما ذكره محمد بن إسحاق بن يسار (1)، عن عبيد بن عمير الليثي (2)، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. فقلت: ما أقرأ؟ فغتَّني حتى ظننتُ أنه الموت ثم أرسلني» . وذكر نحو حديث عائشة سواء؛ فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة، وقد جاء مصرِّحًا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري، أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة (3).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وإن ثبت مرسل عبيد بن عمير أنه أوحى إليه بذلك في المنام أولًا قبل اليقظة أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة عقب ما تقدم في المنام» (4).
(1) ابن إسحاق: هو محمد بن إسحاق بن يسار، رأى أنس بن مالك بالمدينة، وحدث عنه الحمادان والثوري، وأبو عوانة وغيرهم، اختلف العلماء في توثيقه، ورمي بالتشيع والقدر وهو مدلس (80 - 152هـ) انظر ترجمته في طبقات ابن سعد (7/ 321) التاريخ الكبير (1/ 40) التهذيب (9/ 38) وسير أعلام النبلاء (7/ 33).
(2)
عبيد بن عمير بن قتادة الليثي المكي، الواعد المفسر، ولد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحدث عن عمر بن الخطاب وعلي وأبي ذر وعائشة وطائفة، وكان من ثقات التابعين وأئمتهم بمكة، كان يذكر الناس فيحضر ابنه رضي الله عنهما مجلسه، توفي قبل ابن عمر بأيام يسيرة، وقيل في سنة (74)، انظر ترجمته في طبقات ابن سعد (5/ 436)، وطبقات خليفة ص (279)، والتاريخ الكبير للبخاري (5/ 455)، وسير أعلام النبلاء (4/ 156، 157).
(3)
البداية والنهاية (3/ 4) والسيرة النبوية لابن هشام (1/ 268).
(4)
فتح الباري (1/ 23).