الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
رؤية الملائكة في المنام
الملائكة: جمع ملك قال الكسائي، أصله مألك بتقديم الهمزة، من الألوكة وهي الرسالة (1).
وهم عالم غيبي، مخلوقون من نور، لا يأكلون، ولا يشربون بل عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (2).
قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [فاطر: 1].
وقال تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} [الرعد: 23].
وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمونَ فِي غَمَرَاتِ الْموتِ وَالمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيدِيهِم أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُم} [الأنعام: 93]
وقال تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ الليْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19، 20].
أما كونهم لا يأكلون ولا يشربون، فيدل على ذلك ما جاء في قصة إبراهيم عليه السلام قال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ
(1) لسان العرب (10/ 496).
(2)
انظر: شرح أصول الإيمان للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص (27، 31).
دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات: 24 - 28].
وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا يستمعون الذكر» (1).
وفي صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (2).
وهل للبشر رؤية الملائكة في اليقظة؟
أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد رأى جبريل مرتين وله ستمائة جناح (3).
أما غير النبي صلى الله عليه وسلم فلا يمكن أن يرى الملك على هيئه الملكية إلا إذا تحول إلى صورة بشرية؛ فحينئذ يراه، كما حصل لمريم قال الله تعالى:{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17].
(1) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق 6 - باب ذكر الملائكة ص (3211)(2/ 425) وصحيح مسلم في كتاب الجمعة 7 - باب في فضل التهجر إلى الجمعة الحديث رقم (580)(2/ 587).
(2)
صحيح مسلم في كتاب الزهد والرقائق 10 - باب في أحاديث متفرقة (4/ 2294).
(3)
سبق تخريجه ص (205).
وكما رأى الصحابة رضي الله عنهم جبريل وهذا كثير (1).
فإذا عرفنا شيئًا من أوصاف الملائكة كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهل يمكن رؤية الملائكة في المنام؟
والجواب: أن رؤية الملائكة في المنام جائزة كما ذكر ذلك الإمام البغوي رحمه الله وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأن تلك الرؤيا حق لأن الشيطان لا يتمثل بهم (2).
ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في قصة رؤياه وقال فيها: «فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقينا ملك آخر، فقال: لم تُرَعْ» .
(1) ومن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان 37 - باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رقم (50)(1/ 33) وأخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الإيمان 1 - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان الحديث رقم (1) من حديث عمر بن الخطاب، والحديث رقم (95) من حديث أبي هريرة وقال في آخره «هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم» .
(2)
انظر شرح السنة (12/ 228) وبيان تلبيس الجهمية (1/ 73، 74).
(3)
سبق تخريجه ص (74).
قال العيني رحمه الله في شرح هذا الحديث: "وفيه رؤية الملائكة في المنام، وتحذيرهم للرائي لقوله «فرأيت ملكين أخذاني» "(1).
وقال ابن بطال رحمه الله: "يؤخذ منه الجزم بالشيء وإن كان أصله الاستدلال؛ لأن ابن عمر استدل على أنهما ملكان بأنهما وقفاه على جهنم ووعظاه بها، والشيطان لا يعظ ولا يذكر الخير".
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ويحتمل أن يكونا أخبراه بأنهما ملكان، أو اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم لما قصته عليه حفصة فاعتمد على ذلك"(2).
وإذا قلنا بجواز رؤية الملائكة في المنام كما دل عليه الحديث السابق وغيره؛ فهذا لا يعني وصف حقيقة الملائكة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أثناء حديثه عن رؤية الله في المنام: "بل نفس الجن والملائكة لا يتصورها الإنسان، ويتخيلها على حقيقتها، بل هي خلاف ما يتخيله، ويتصوره في منامه، ويقظته، وإن كان ما رآه مناسبًا ومشابها لها"(3).
(1) عمدة القاري (7/ 170).
(2)
فتح الباري (12/ 418) وقوله (اعتمد) هكذا في الفتح، ولعل الصواب: اعتد على حكم النبي.
(3)
بيان تلبيس الجهمية (1/ 73، 74).