الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع السادس
علم كيفية استعجال النبي صلى الله عليه وسلم
بحفظ الوحي قبل أن يتممه جبريل،
ونهي الله تعالى له عن ذلك
النوع السادس
علم كيفية استعجال النبي صلى الله عليه وسلم
بحفظ الوحي قبل أن يتممه جبريل،
ونهي الله تعالى له عن ذلك
ولم يذكر هذا النوع أيضاً الحافظ السيوطي - رحمه الله تعالى -.
قال الله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به. أن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه)[القيامة: 16 - 19].
أخرج البخاري في صحيحه في باب بدء الوحي: عن سعيد بن جبير، عن ابن عبا س رضي الله عنهما في قوله تعالى:" لا تحرك به لسانك لتعجل به "[القيامة: 16]، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه. قال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما.
وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى:(لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه)[القيامة: 16، 17]. قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه.
(فإذا قرأناه فاتبع قرآنه)، قال: فاستمع له وأنصت. (ثم إن علينا
بيانه)، ثم إن علينا أن تقرأه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأ. انتهى.
والمعنى: " لا تحرك " يا محمد به - أي القرآن - لسانك قبل أن يتم وحيه. (لتعجل): لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت. (إن علينا جمعه) في صدرك (وقرءآنه) وإثبات قراءته في لسانك، (فإذا قرأناه) بلسان جبريل عليك، (فاتبع قرءانه) قراءته وتكرر فيه حتى يرسخ في ذهنك. (إن علينا بيانه): ببيان ما أشكل عليك من معانيه.
فإن قلت: كيف عاد ضمير (لتعجل به) على القرآن، وليس القرآن مذكوراً فيما تقدم، والضمير لا يعود إلا على مذكور سابق؟
قلت: إنما جاز ذلك لدلالة آخر الكلام، وهو قوله:(إن علينا جمعه وقرءآنه)، ودلالة السياق كدلالة السباق. فكأنه من فحوى الكلام ومشاهد الحال، ظهر أن الضمير يعود على القرآن لا على غيره، فلم يكن اشتباه.
فإن قلت: كيف قيل: (فإذا قرأناه) وإنما القارئ جبريل؟ قلت: لما كان
بأمر الله تعالى، نسب إليه، كما يقال: قتل الأمير فلاناً، إذا أمر بقتله.
وقيل في معنى الآية: (لا تحرك به لسانك): خطاب للإنسان المذكور في قوله تعالى: (بل الإنسان على نفسه بصيرة. ولو ألقى معاذيره. لا تحرك به لسانك لتعجل به)[القيامة: 4 - 16].
والمعنى: أنه يؤتى كتابه فيتلجلج لسانه من سرعة قراءته خوفاً، فيقال: لا تحرك به لسانك لتعجل به، فإن علينا بمقتضى الوعد جمع ما فيه من أعمالك وقرءاته، (فإذا قرأناه فاتبع قرءانه) بالإقرار والتأمل فيه، ثم إن علينا بيان أمره بالجزاء عليه.
وقيل في قوله تعالى: (فاتبع قرءانه): أي اعمل به، واتبع حلاله وحرامه.
والحاصل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لشدة رغبته في حفظ القرآن وحرصه على أن لا يضيع شيء منه، كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن، يكرر ويردد ما يلقيه إليه قبل تمامه وكماله، خشية نسيان شيء منه، فأمره الله تعالى بأن يستمع لما يلقيه، وينصت له ولا يشتغل بالحفظ والتكرار، ويكفل له بأن لا يضيع ولا يذهب شيء منه، وأنه إذا فرغ جبريل من الإلقاء يجمع له في صدره، وينطق به لسانه على أحسن وجه وأتمه، ولا ينسيه منه شيئاً إلا ما شاء أن ينسيه إياه.
قال تعالى: (سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى)[الأعلى: 7، 6](سنقرئك): أي نعلمك القراءة على لسان جبريل، أو بطريق من طرق الوحي المشهورة، فلا تنسى ما تقرؤه. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل جبريل بالوحي لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها مخافة أن ينساها، فأنزل الله تعالى:(سنقرئك فلا تنسى) فلم ينس شيئاً بعد ذلك، إلا ما شاء الله أن ينساه، وهو مانسخ تلاوته من القرآن ورفع.
وقيل: إلا ما شاء الله أن تنساه لحكمة، ثم تذكره.
وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقرأ في الليل سورة، فقال:
" يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها من سورة كذا " وفي رواية: " أسقطتهن من سورة كذا " أخرجاه في الصحيحين بمعناه.
وقيل: هذا الاستثناء لم يقع، ولم ينسه الله شيئاً.
(إنه يعلم الجهر وما يخفى)[الأعلى: 7]، أي: جهرك بالقراءة مع جبريل، وما دعاك إليه مخافة النسيان، فيعلم ما فيه صلاحك من إبقاء وإنساء.
(ونيسرك لليسرى)[الأعلى: 9]، أي: نهون عليك الوحي حتى تحفظه ولا تنساه.
(فذكر)، أي: فعظ بالقرآن.
(إن نفعت الذكرى)[الأعلى: 9]، أي: إن نفعت الموعظة والتذكير.
وفي الكلام حذف يدل عليه ما بعد ذلك من السياق، والمحذوف:(فذكر إن نفعت الذكرى) أو لم تنفع، فما عليك إلا البلاغ، فأما من خشي الله، فإنه يذكر وأما الأشقى فيتجنب الذكرى ولايتعظ ولا يقبل ولا يصغى.
فإن قلت: هل يجوز نسيان شيء من الوحي على الأنبياء عليهم السلام أو سهو عنه؟
قلت: الصحيح أنه لا يجوز قبل التبليغ والإيصال إلى الخلق، وأما بعد التبليغ فيجوز.
وقال بعضهم: لا يجوز النسيان على الأنبياء، لا قبل التبليغ ولا بعده. وقد ورد في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني ".
فإن قلت: هل بين النسيان والسهو فرق؟
قلت: قال بعضهم: ليس بيهما فرق. والصحيح أن النسيان أعم من السهو، فإن السهو أدون رتية من النسيان، فإن النسيان أشد غفلة عن الشيء، والسهو ما يتنبه الغافل له بأدنى تنبه، ويقع على السهو نسيان ولا يسمى النسيان سهواً. والله سبحانه أعلم.