الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع الرابع والعشرون
علم ما نزل موافقاً لقول قائل
النوع الرابع والعشرون
علم ما نزل موافقاً لقول قائل
والأصل في ذلك موافقات عمر رضي الله عنه.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: ما اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء فقالوا وقال عمر، إلا نزل القرآن كما قال عمر. أخرجه ابن وركان.
وعن علي رضي الله عنه: إن عمر ليقول القول فينزل القرآن بتصديقه.
فمما نزل على لسانه، ما أخرجه البخاري عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت:(واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)[البقرة: 125].
وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن يتحجبن، فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في العسر، فقلت:(عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن)[التحريم: 5].
فنزلت كذلك. انتهى. فهذه ثلاثة.
والرابعة: في أسارى بدر، فإنه أشار بضرب أعناقهم - كما في " صحيح مسلم " - وامتنع عليه السلام من ذلك، فأنزل الله جل شأنه:(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة)[الأنفال: 67]. وهي موافقة معنوية لا لفظية.
الخامسة: في قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) الآية [المؤمنون: 12]، فلما نزلت قال عمر:(فتبارك الله أحسن الخالقين)[المؤمنون: 14] فنزلت.
وفي رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تزيد في القرآن يا عمر "، فنزل جبريل بها، وقال: إنها من تمام الآية.
السادسة: في قوله تعالى: (من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين)[البقرة: 98].
أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن يهودياً لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا، فقال عمر:(من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) فنزلت.
وعن علي رضي الله عنه أن عمر انطلق إلى اليهود فقال: إني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون وصف محمد صلى الله عليه وسلم في كتابكم؟ فقالوا: نعم. فقال: ما يمنعكم من اتباعه؟ قالوا إن الله تعالى لم يبعث رسولاً إلا كان له من الملائكة كفيلاً، وإن جبريل هو الذي يكفل محمداً صلى الله عليه وسلم، وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا، فلو كان هو الذي يأتيه، اتبعناه.
قال: فإني أشهد أنه كلن ميكائيل ليعادي سلم جبريل، وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل.
فمر النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب. فقام إليه وقد أنزل عليه: (قل من كان عدواً لجبريل) إلى قوله: (فإن الله عدو للكافرين)[البقرة: 98]، أخرجه ابن السمان في (الموافقة).
وأخرج أبو الفرج معناه " أسباب النزول " وزاد، فقلت: والذي بعثك بالحق، ما جئت إلا لأخبرك بقول اليهود، فإذا اللطيف الخبير قد سبقني. ذكره الواحدي في تفسيره (الوسيط). وعلى هذا الحديث فيكون موافقة عمر في هذه الآية معنوية لا لفظية، كما تقدم.
السابعة: في قوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين)[التحريم: 4]. قال عمر: يا رسول الله إن كنت طلقت نساءك،
فإن الله معك وجبريل وأنا وأبو بكر والمؤمنون. فأنزل الله عز وجل: (وإن تظاهرا عليه) الآية. أخرجه أبو حاتم من حديث طويل.
الثامنة: في قوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) الآية [التوبة: 84]. عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول، دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبي ابن سلول وقد قال يوم كذا كذا وكذا؟ ! قال: أعدد عليه قوله. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " أخر عني يا عمر "، فلما أكثرت عليه قال:" أما أنا خيرت فاخترت، لو أعلم إني إن زدت على السبعين له لزدت عليها ".
قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة:(ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره) إلى قوله: (وهم فاسقون)[براءة: 84 - 85].الحديث أخرجه البخاري. وهذه موافقة معنوية أيضاً.
التاسعة: في قوله تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم)[المنافقون: 6].
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)[التوبة: 80] قال: " لأ زيدن على السبعين ". وأخذ في الاستغفار، فقال عمر: يا رسول الله، والله لا يغفر الله لهم سواء استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم. فنزلت. خرجه في " الفضائل ".
العاشرة: في قوله عز وجل: (سبحانك هذا بهتان عظيم)[النور: 16]. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار عمر رضي الله عنه في أمر عائشة حين قال أهل الإفك ما قالوا، فقال: يا رسول الله من زوجكها؟ فقال: " الله تعالى "، قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها! سبحانك هذا بهتان عظيم. فأنزل الله وفق ما قال عمر. نقل ذلك في " الرياض النضرة " للمحب الطبري - رحمه الله تعالى -.
الحادي عشر: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل غلاماً من الأنصار إلى عمر بن الخطاب وقت الظهر، فدخل فرأى عمر
على حالة كره عمر رؤيته عليها، فقال يا رسول الله وددت أن الله تعالى أمرنا ونهانا في حالة الاستئذان، فنزلت:(يأيها الذين ءامنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم) الآية [النور: 85]. أخرجه أبو الفرج، وخرجه " صاحب الفضائل " وقال بعد قوله: فدخل عليه وكان نائماً وقد اكشف بعض جسده فقال: اللهم حرم الدخول علينا وقت نومنا. فنزلت. وهذه موافقة معنوية.
ويمكن أن يعد من الموافقات المعنوية الثلاث الآيات التي في الخمر، فقد روي أن عمر رضي الله عنه كان حريصاً على تحريم الخمر، فكان يقول: اللهم بيّن لنا في الخمر، فإنه يذهب العقل والمال. فنزل قوله تعالى:(يسئلونك عن الخمر والميسر)[البقرة: 219] فلم يكتف عمر، فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزل:(يأيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)[النساء: 43]، فلم يكتف، ثم قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً،
فنزل: (يأيها الذين ءامنوا إنما الخمر والميسر) الآية [المائدة: 90]. فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر، فتلاها عليه، فقال عمر: انتهينا يا رب انتهينا.
فهذه ثلاثة إلى أحد عشر، فتكون أربعة عشر آية.
وروي أنه لما نزل قوله تعالى: (ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين)
[الواقعة: 13] بكى عمر رضي الله عنه، فأنزل الله تعالى:(ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين)[الواقعة: 39 - 40]، فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر وقال:" لقد أنزل الله تعالى فيما قلت، فجعل (ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين). ذكره في " الرياض النضرة ".
وأقول: إن هذا الحديث لا أصل له والله أعلم، فإن الثلة الأولى التي هي من الأولين، وقليل من الآخرين في حق السابقين، فإن الله تعالى قسم الخلق في ذلك الموقف ثلاثة أقسام، كما قال تعالى:(وكنتم أزواجاً ثلاثة) وقوله: (ثلة من الأولين. وقليل من الآخرين) في أصحاب اليمين، فكيف يصح أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: قد جعل الله (ثلة من الأولين. وثلة من الآخرين) في قسم غير القسم الذي بكى منه عمر رضي الله عنه.
وأيضاً فهذا الحديث يشير إلى النسخ، والنسخ في الأخبار الإلهية غير جائز، إنما النسخ في الأحكام وهذا خبر، فلا يصح نسخه.
فإن صح هذا الحديث فيحمل - والله أعلم - على أنه أراد عليه السلام بقوله: فجعل الله (ثلة من الأولين)، أن الله تعالى قد عوضنا حيث لم يجعل منا إلا قليلاً في السابقين فجعل منا كثيراً في أصحاب اليمين.
فإن قلت: فما وجه إنا قليل في السابقين؟ قلت: مقام السابقين مقام المقربين كما قال تعالى: (أولئك المقربون)، وغالب أهل هذا المقام هم الأنبياء ومن على قدمهم في الكمال، وكان في السابقين مائة ألف نبي، ومن على قدمهم من أمتهم، فصاروا في السابقين أكثر منا.
فهذه على صحة هذا الحديث خمسة عشر موافقة لعمر رضي الله عنه، ولم أر من أوصلها إلى هذا القدر.
ومما روي مما نزل على لسان بعض الصحابة رضي الله عنهم أيضاً، قوله تعالى:(سبحانك هذا بهتان عظيم)[النور: 16]، فقد روي ذلك عن زيد بن حارثة وأبي أيوب.
ومن ذلك ما أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر في أحد خرجن يستخبرن، فإذا رجلان مقبلان على بعير، فقالت امرأة: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالا: حي، فقالت: فلا أبالي يتخذ الله من عباده الشهداء. فنزل القرآن على ما قالت: (ويتخذ منكم شهداء).
وروى ابن سعد في " الطبقات " بسنده: أن مصعب بن عمير كان يقول: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم "[آل عمران: 144] حتى قتل. قال محمد بن شرحبيل رضي الله عنه راوي
الحديث -: وما نزلت هذه الآية: (وما محمد إلا رسول) يومئذ حتى نزلت بعد.
ومن ذلك ما روى الشيخان والبيهقي واللفظ له، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء .... الحديث، وما نزلت بيعة النساء إلا في عام الحديبية أو بعده. وهذه المبايعة التي ذكرها عبادة يعني بيعة العقبة في أول الإسلام، فيكون بيعته عليه السلام إياهم على وفق ما أنزل عليه بعد.
ومن الموافقات المعنوية، ما روى ابن إسحاق عن كعب بن مالك أن البراء بن معرور قال: يا هؤلاء إني رأيت رؤيا، والله ما أدري توافقوني عليها أم لا؟ .
قلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني - يعني الكعبة - وأن أصلي إليها.
قالوا: فقلنا والله ما بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه. قال: فقال: إني مصل إليها. فقلنا له: لكنا لا نفعل.
وفي الحديث: فلما قدمنا مكة وسأل النبي صلى الله عليه وسلم قال له: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى معنا إلى الشام، فنزلت بعد ذلك:(فول وجهك شطر المسجد الحرام) الآية: [البقرة: 144].
ومن الموافقات المعنوية أيضاً، ما روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلموا فنجعل لنا يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى، ونصلي ونشكره، فجعلوا يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله جل شأنه بعد ذلك:(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) الآية [الجمعة: 9].
فإن قلت: أما الموافقات المعنوية فلا إشكال فيها، وأما الموافقات اللفظية فهي مشكلة على ما تقرر أن القرآن العزيز معجز تحدى النبي صلى الله عليه وسلم فيه فلم يقدر أفصح اللحناء وأبلغ البلغاء أن يأتي بآية مثله، فكيف نطق بآية هي عين القرآن؟
قلت: الجواب عن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كشف هذا الإشكال بقوله: " إنه كان في الأمم السالفة محدثون، وإن يكن في أمتي أحد فمعمر ".
فموافقة عمر رضي الله عنه للقرآن ليس من ملكيته ولا من قريحته، وإنما هي إلقاء إلهي، وتحدث رباني يجده العبد في بعض الأوقات من غير تفعل ولا روية، فينطق به على وفق ما وقع له، وهذا نوع من الوحي، وهو الوحي الإلهامي
الذي قال فيه تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى)[الأعراف: 117]. وهو التحديث الذي أشار إليه عليه السلام، وليس هذا مخصوص بالأنبياء عليهم السلام، بل هو لهم ولغيرهم من المؤمنين.
فبما تقرر ظهر أن ما نطق به عمر أو غيره موافقاً للفظ القرآن فليس منه، إنما هو إلقاء إلهي أراد الله به إظهار كرامته إلى من ألقاه إليه، حتى إذا نزل القرآن الذي هو أيضاً إلقاء إلهي إلا أنه بكيفية أخرى وهي إلقاء إلى الرسول بواسطة الملك، المأمون فيها التلبس، بخلاف غير النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ليس بمأمون فيها التلبس، فإن الخواطر الواردة على الإنسان كما حققه أهل
المعرفة بذلك أربعة: خاطر نفسي، وخاطر شيطاني، وخاطر ملكي، وخاطر رباني. والمحمود منها الأخيرين.
فما نطق به عمر على وفق القرآن، فقد بين النزول أنه قرآن، ويدل لهذا المعنى ما روي عن علي رضي الله عنه: كنا في القرآن لكلاماً من كلامه، ورأياً من رأيه. أخرجه ابن السمان في " الموافقة ".
وعنه أيضاٌ: وكنا نرى ونحن متوافرون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن السكينة تنطق على لسان عمر. أخرجه ابن السمان، والحافظ أبو الفرج في " منهاج الإصابة في محبة الصحابة ".
فبما تقرر زال الإشكال.