الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النوع السابع والعشرون
علم ما نزل مفرقاً وما نزل مجتمعاً
النوع السابع والعشرون
علم ما نزل مفرقاً وما نزل مجتمعا
الأول: غالب القرآن فإنه نزل مفرقاً على مقتضى الوقائع.
وأما ما نزل جمعاً، فمن ذلك:
سورة (الفاتحة) و (الإخلاص) و (الكوثر) و (تبت يدا) و (لم يكن) و (النصر) و (المعوذتين) و (المرسلات) و (الصف) وسورة (الأنعام) وفي سورة (الأنعام) جرى الخلاف.
فأما سورة (الأنعام)، فقد أخرج أبو عبيد، والطبراني عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: نزلت سورة (الأنعام) بمكة ليلاً جملة، حولها سبعون ألف ملك.
وأخرج الطبراني من طريق يوسف بن عطية الصفار - وهو متروك - عن ابن عون
عن نافع عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملك ".
وأخرج البيهقي في " البيهقي " - بسند فيه من لا يعرف - عن علي - كرم الله وجهه - قال: أنزل القرآن خمساً خمساً، إلا سورة (الأنعام) فإنها نزلت جملة في ألف يشيعها من كل سماء سبعون ملكاً، حتى أدوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه - مرفوعاً: " أنزلت علي سورة (الأنعام) جملة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملك ".
وأخرج عن مجاهد قال: نزلت سورة (الأنعام) كلها جملة، معها خمسمائة ملك.
وأخرج عن عطاء قال: نزلت سورة (الأنعام) جميعها ومعها سبعون ألف ملك. فهذه الشواهد يقوي بعضها بعضاً.
قال ابن الصلاح في " فتاويه ": الحديث الوارد أنها نزلت جملة، رويناه من طريق أبي بن كعب، وفي إسناده ضعف، ولم نر له إسناداً صحيحاً، وقد روي ما يخالفه، فروي أنها لم تنزل جملةً واحدةً، بل نزلت آيات منها بالمدينة، اختلفوا في عددها، فقيل: ثلاث، وثيل: ست، وقيل غير ذلك، انتهى.
أقول: من قال: إن السورة نزلت كلها، فإنما يعني - والله أعلم - الغالب، ولا يضر أن ينزل بعضها بعد ذلك، وتمامها، فإن القرآن غالبه إنما نزل مفرقاً آيات، ومثل هذه السورة العظيمة إذا نزل غالبها فيحكم لها بالكل، فإنه نادر الوقوع.
وأما سورة (الفاتحة)، فقد تقدم في علم أول ما نزل، من حديث عمرو بن شرحبيل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة - رضي الله تعالى عنها -: (إني إذا
خلوت وحدي سمعت نداء، فقد والله خشيت أن يكون هذا أمراً! ) فقالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فو الله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر رضي الله عنه ذكرت خديجة حديثه له وقالت: اذهب مع محمد إلى ورقة. فانطلقا، فقص عليه، فقال:(إذا خلوت وحدي سمعت نداءً خلفي: يا محمد يا محمد، فأنطلق هارباً في الأرض)، فقال: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقال ثم ائتني فأخبرني.
فلما خلى ناداه: يا محمد يا محمد قل: (بسم الله الرحمن الرحيم)(الحمد لله رب العالمين)، - حتى بلغ - (ولا الضالين).
وأما سورة (الإخلاص)، فقد أخرج البيهقي في " الأسماء والصفات " عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -، وابن جرير وابن المنذر عن قتادة: أن رهطاً من اليهود - منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب - جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، هذا الله الذي لا إله إلا هو، خلق الخلق، فمن خلقه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه، ثم ساورهم غضباً لربه،
فجاءه جبريل فسكنه وقال: خفض عليك جناحك، وجاءه من الله عز وجل جواب ما سألوه، فأنزل الله تبارك وتعالى:(قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد).
وأما سورة (الكوثر)، فأخرج مسلم في " صحيحه " عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالساً بين أظهرنا، إذا أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسماً فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: " أنزلت علي آنفاً سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر) ".
ومما نزل مجتمعاً أيضاً، سورة (الكافرون)، قال المفسرون: نزلت في رهط من قريش منهم: الحارث بن قيس السهمي، والعاص بن وائل،
وغيرهما. قالوا: يا محمد هلم فاتبع دينك ونشركك في أمرنا، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، - إلى آخر ما قالوا - قال:" معاذ الله أن أشرك بالله غيره "، قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك، قال:" حتى أنظر ما يأتني من عند الله "، فأنزل الله جل شأنه:(قل يا أيها الكافرون .... ) إلى آخر السورة. فقرأها عليهم حتى فرغ منها، فأيسوا منه.
ومما نزل مجتمعاً، أيضاً، (تبت يدآ). قال المفسرون: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا، فقال:" يا صباحاه! " فاجتمعت إليه قريش فقالوا له: مالك؟ قال: " أرأيتكم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أما كنتم تصدقوني؟ "، قالوا: بلى، فقال:" إني نذير لكم، بين يدي عذاب شديد ".
فقال أبو لهب: تباً لك، ألهذا دعوتنا جميعاً! ، فأنزل الله جل شأنه:(تبت يدآ أبي لهب وتب)[المسد: 1] إلى آخرها.
ومما نزل مجتمعاً أيضاً، سورتي (المعوذتين)، بسبب سحر لبيد بن الأعصم اليهودي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله جل شأنه (المعوذتين)، فقرأهما وتعوذ بهما فانحل السحر وبطل، والقضية مشهورة معلومة.
ومما نزل مجتمعاً أيضاً، سورة (المرسلات)، ففي "المستدرك " عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار، فنزلت عليه (والمرسلات عرفاً) فأخذتها من فيه، وإن فاه رطب بها، فلا أدري بأيها أختم:(فبأي حديث بعده يؤمنون)[50] أو (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون)[48].
ومما نزل مجتمعاً أيضاً، سورة (الصف)، وقد روينا مسلسلاً عن عبد الله بن سلام - رضي الله تعالى عنه - قال: قعدنا نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أقرب إلى الله لعملناه؟ فأنزل الله تعالى شأنه: (سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم. يا أيها الذين ءامنوا لم تقولون مالا تفعلون)[الصف: 1 - 2]، قال عبد الله بن سلام - رضي الله تعالى عنه -: فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا.
ومما نزل مجتمعاً أيضاً، غالب سورة (الحشر). روى الشيخان عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة (الحشر) قال: قال سورة (النضير).
انتهى. يعني أنها نزلت في شأن (بني النضير): (سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم) من أول السورة إلى قوله تعالى: (فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزؤا الظالمين)[الحشر: 1 - 17].
ومما نزل مجتمعاً أيضاً، سورة (المنافقون) فإنها نزلت في عبد الله بن أبي المنافق كما تقدم.