الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
36 -
أبو عبد الله بن بهرام الشّافعيّ (1).
هؤلاء هم أشهر تلاميذه وكبارهم، ولا شكَّ أنّه خلّف غيرهم كثير، فدروسه العامّة والخاصّة في دمشق والقاهرة كان يؤمّها أجلّة أهل زمانه، والمبرِّزون من طلبة العلم والعلماء، فضلًا عن العامّة، الذين كانت دعوته ودروسه رحمه الله لا تستثنيهم، فقد عرفوه الخطيب المفوّه الصادع بالحق على منابر دمشق والقاهرة، وصاحب المجالس الفيَّاضة بالعلم والعطاء.
* * *
*
شعر العزّ بن عبد السلام:
يُعدُّ مجلس الإمام العز من ذوي المجالس الطيِّبة، العامرة بالفوائد العلميّة، والفوائد الغزيرة، ولم يكن يخلُ من نكتة أدبيّة، أو طُرفة علميّة، أو بيتٍ جميل من الشعر، يُزيِّن به مجلسه، غير أنَّه لم يروَ من شعر العزّ إلّا القليل، حتّى ذكر تاج الدِّين ابن السُبكيّ (2) أنّه ليس له إلَّا هذا البيت (3) الذي أنشده للطلبة وقال لهم: أجيزوه، وهو:
لو كان فيهمْ مَنْ عَراه غَرامُ
…
ما عَنَّفوني في هواهُ ولامُوا
فأجازه الشيخ شمس الدين عمر بن عبد العزيز بن الفضل الأُسْوانيّ، قاضي أُسوان، فقال:
(1)"تاريخ الإسلام" للذهبي (14/ 933).
(2)
في "طبقات الشافعية الكبرى"(8/ 246).
(3)
وهذا وهمٌ، أو مؤول بعدم وجود نظم له حتّى رواية القصة، إذ رُوي غيره كما سيأتي بيانه.
لكنَّهم جَهِلوا لَذاذَةَ حُسْنِه
…
وعَلِمْتُها ولِذا سَهِرتُ ونامُوا
لو يَعْلَمُون كما عَلِمْتُ حَقيقة
…
جَنحوا إلى ذاك الجَناب وهامُوا
أو لو بَدَتْ أنوارُه لِعُيُونهمْ
…
خَرُّوا ولم تثبُتْ لهم أقدامُ
فَبقيتُ أنْظُرُه بكلّ مُصوَّرٍ
…
وبكلّ ملفوظٍ به استِعْجام
وأراه في صافي الجداول إنْ جَرَتْ
…
وأراه إنْ جاد الرّياضَ غَمامُ
لم يَثْنِني عَمَّنْ أُحِبُّ ذوابِ
…
سُمْرٌ وأبيضُ صارمٌ صَمْصَامُ
مولاي عزَّ الدين عزَّ بك العلا
…
فَخْرًا فدونَ حِذاك منه الهامُ
لما رأينا منك علمًا لم يكنْ
…
في الدَّرْس قلنا إنّه إلهام
جاوزتَ حدَّ المدحِ حتى لم يُطِقْ
…
نظْمًا لِفَضْلِك في الوَرَى النَّظَّامُ
فَعَليْكَ يا عبدَ العزيزِ تحيَّة
…
وعليك يا عبدَ العزيزِ سلامُ
وأنشد الأبيات كُلَّها للشيخ عزّ الدين في مجلس الدرس، وهو يستمع إليها، ولما قضاها قال له:"أنت إذًا فقيه شاعر"(1).
وعندما تولّى العزُّ القضاء بمصر حيث استمرّ على نهجه الأول الذي اتبعه في دمشق، من المجاهرة بالحق ومحاربة الفساد، فاتفق أن جاءه بعضُ أصحابه فلامه وعتب عليه، فرفع إليه رأسه وأنشده:
يا ذا الذي يُؤْلمُني عتْبُهُ
…
أَنَسِيتَ ما قدَّر في الماضي
إنَّ الذي ساقك لي واعظًا
…
هو الذي صيَّرني قاضِي
(1)"طبقات الشافعية الكبرى" لابن السُّبكيّ (8/ 247).