الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نجم غاب عن سماء طيبة
.
بقلم: عبد الرحمن محمد الأنصاري.
جريدة "المدينة": العدد (12616) السنة الثالثة والستون. الأربعاء: 28 جمادى الآخرة عام 1418هـ. الموافق: 29 أكتوبر 1997م.
ودّعت مدينة المصطفى "صلى الله عليه وسلم" فضيلة الأستاذ الشيخ أبا عبد اللطيف حماد بن محمد الأنصاري الذي كتب الله له شرف الانضمام إلى أفضل جيرة "جيرة الأخيار الأبرار الذين يضمهم بقيع الغرقد من الصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا".
فقد انتقل إلى جوار ربه بعد معاناة مع المرض والغيبوبة التي استمرت معه زهاء تسعة أشهر نتيجة لخطأ طبّي.. إذْ أُصيب بتجلّط في الدم في أوردة إحدى ساقيه، فكان التشخيص لحالته أنها إصابة لتجلّط في الرأس، فأعطي علاجًا لتسييل الدم في شرايين المخ، فَقَدَ بعد تعاطيه وعيَه، وتم نقلُه بعد ذلك بأمرٍ من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز "حفظه الله" بطائرة الإخلاء الطبي من المدينة المنورة إلى مستشفى الملك فيصل التخصّصي بالرياض الذي تم فيه اكتشاف التشخيص الخاطئ الذي تم من قبل لحالته.
ومكث في المستشفى تسعة شهور، إلى أن استقر الرأي والقرار على إعادته إلى المدينة المنورة بين أهلِه وذويه، ليلقى ربَّه صبيحةَ يوم الأربعاء 21/6/1418هـ عن 74 سنة؛ وصلي عليه في المسجد النبوي الشريف، ودُفن جثمانُه في بقيع الغرقد.
لم يكن فضيلة الأستاذ الشيخ حماد بن محمد الأنصاري الخزرجي عالمًا عاديًّا كالكثيرين من أقرانه الذين يقف بهم طلب العلم عند حدّ معيّن، أو يقفون عند حدود بعينِها في إبلاغ وتعليم ما علموه؛ فلم يكن عند الشيخ حدّ يقف عنده في الاستزادة من مناهل العلم والمعرفة، والعبّ من صافي نميرها العذب.
عرف عن فضيلة الشيخ عند السواد الأعظم من طلاّب العلم أنه أحد الذين يُشار إليهم بالبنان في الحديث النبوي الشريف وعلومِه، ولكنه ما إن
يخوضَ في أيّ فن من علوم الشريعة الأخرى واللغة وفقهها ونحوها وصرفها إلا ويتوهّم السامع أنه لا يعرف سوى هذا الفن، من كثرة ما يورد من دقائقه التي قد تستعصي حتى على المختصين فيه.
بل وإن الأمر قد بلغ به شأوًا أبعدَ من ذلك: فقد أستطيعُ أن أزعم أنه ما من فنّ من الفنون إلاّ وله فيه مشاركات محمودة.
أما حبُّه لطلبة العلم وتفانيه في الأخذ بأيديهم ومساعدتهم فذلك أمرٌ حدِّث عنه ولا حرج، ولاينبئك عنه مثل خبير؛ وهم طلبتُه الذين يستقبلهم في مكتبته العامرة من ساعات الصباح الأولى حتى صلاة الظهر، ومن بعد صلاة العصر حتى صلاة العشاء؛ وكان ذلك دأبُه لا ينقطع عنه إلا لعارضٍ خارج عن الإرادة.
أما كرمُه فأمرٌ حدّث عنه ولا حرج: فليس له شيء من متاع الدنيا يستأثر به لنفسه عن طالبيه، وما من يوم إلا وله فيه ضيوف يكرمهم ببشره وطلعته البهية مثلما يكرمهم بِوَفَرِه.
أما الشيءُ الذي أفنى الشيخُ حياتَه في جمعه إلى جانب العلم الذي أودعه الله ما بين جنبيه فهو: الكتب؛ فقد خلّف مكتبةً من أندر وأجمع وأشمل المكتبات الخاصة؛ ففيها ما أبلغني ابنُه عبد الباري أكثر من خمسة آلاف عنوان، والآلاف من المجلدات، ومثلها من المخطوطات النادرة.
ومن حسن الطالع وبديع الاتفاق أن يكون هذا العلم الذي خلّفه الشيخ والمتمثل في هذه المكتبة القيِّمة ومؤلفاته العديدة والعشرات من الذين تلقوا عليه العلم؛ من حسن الطالع أنه مقرونٌ بأبناء بررة، جهد الشيخُ في تنشئتهم على المحجة البيضاء، ومنهم من يحذوا حذوَ أبيه ويقفو آثاره من منهجه العلمي؛ وهم جميعًا "إن شاء الله تعالى" خير خلفٍ لخير سلف؛ وجملتهم ثمانية من الأبناء
الذكور وثلاث إناث؛ فأما الذكور فهم: عبد اللطيف، وعبد الحليم، وأحمد، وعبد الباري، وعبد الغني، وعبد الأول، وعبد الإله، وعاصم.
وهم جميعًا أشقّاء من زوجته الفاضلة أم عبد اللطيف بنت محمد الحسن الهاشمي، التي كان الشيخُ كثيرًا ما يثني عليها خيرًا بما هيأته له من أجواء التفرُّغ للعلم.
وبعد.. فإن ما تقدم لا يمثّل إلا خواطر مقتضبَة عن الحياة الحافلة للشيخ حماد الأنصاري "رحمه الله"؛ إذ لم يكن ترجمة له ولا شبيهًا بها؛ ولذلك فإني لم أتحدّث عن مولده ونشأته، ولا عن دراسته وعن من أخذ العلم، ومن تلقّاه منه، ولا كذلك عن مؤلفاته؛ ولم أضرب الصفح عن كل ذلك بسبب الشحّ في المعلومات، بل لأمرين اثنين: أحدهما: أن الحَيِّز لا يسع كل ذلك، والآخر: أن الحديث عن أية جزئية من تلك الجزئيات يستدعي الحديث عن أخواتِها.
وقد بلغني أنّ أحد تلامذة الشيخ قد أعدّ ترجمةً وافية له عنونها بـ"إتحاف السامع والقاري بترجمة المحدث الأنصاري" فلعل ما يتطلع قارئ هذه الزاوية إلى معرفته عن الشيخ ولم يجده فيها يجده بتفاصيله في الترجمة المذكورة.
رحم اللهُ الفقيدَ الغالي، وأحسنَ عزاء آله وطلاّبه وسائر محبّيه، وأجزل للجميع المثوبة فيه {إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} .