الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسمعته من بعيد فجلست في حلقته، وكانت أول حلقة أجلسُ فيها في الحرم وأنا شاب صغير، وكان عمري لا يتعدّى الثانية والعشرين، وسمعت الدرس، وكان الدرسُ في تفسير آيات التوحيد؛ وبعدما انتهى الدرس وصلينا العشاء جاءنا شخصٌ صوري لا أتذكّر اسمَه الآن وقال للشيخ: أنا أريكم أن تشربوا القهوة عندي، فقال له الشيخ: ومن معي، قال له الرجل: احضر مَن شئت، وكان هذه أول مرة أرى فيها الشيخ، على الرغم أنني سمعت عنه كثيرًا؛ لأن شيخي كان تلميذ الشيخ حامد الفقي.
الشيخ حامد الفقي وقصته مع الفلاّح
وذهبنا إلى بيت الأخ السوري، وعندما وصلنا إلى البيت وجلسنا قال لنا: أنا أريد أن أسلم لكم سيوفًا من الخشب، وسلم الأخ السوري كل واحدٍ سيفًا من الخشب، وقال لنا: تعالوا نتسايف أولاً، وبعد ذلك نشرب القهوة حتى نطبق النونين اللتين تركز عليهما الإسلام؛ وأخذ كلُّ واحدٍ
منها سيفَه وأخذَ مع صاحبه يتجاولان، حتى انتهينا من المجاولة جلسنا وشربنا القهوة؛ وقلت
للشيخ حامد الفقي "رحمه الله": يا شيخ أنا عندي سؤال، فقال: ما هو سؤالك يا ولدي؟، فقلت له: كيفَ صرتَ موحدًا وأنت درست في الأزهر؟، وأنا أُريدُ أن أستفيد والناس يسمعون.
فقال الشيخ: والله إن سؤالك وجيه. قال: أنا درست في جامعة الأزهر، ودرست عقيدة المتكلمين التي يدرِّسونَها، وأخذت شهادة الليسانس وذهبت إلى بلدي لكي يفرحون بنجاحي، وفي الطريق مررتُ على فلاّح يفلح الأرض، ولما وصلت عندَه قال: يا ولدي اجلس على الدكّة، وكان عندَه دكة إذا انتهى من العمل يجلس عليها، وجلستُ على الدكة وهو يشتغل، ووجدت بجاني على
طرف الدكة كتاب، فأخذت الكتاب ونظرت إليه، فإذا هو كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية" لابن القيم، فأخذت الكتاب أتسلى به؛ ولما رآني أخذت الكتاب وبدأت أقرأُ فيه، تأخّر عني، حتى قدّر من الوقت الذي آخذ فيه فكرة عن الكتاب؛ وبعد فترة من الوقت وهو يعمل في حقله وأنا أقرأُ في الكتاب جاء الفلاّح وقال: السلام عليك يا ولدي، كيف حالُك، ومن أين جئت؟، فأجبتُه عن سؤاله، فقال لي: والله أنت شاطر، لأنك تدرجت في طلب العلم حتى توصلت إلى هذه المرحلة، ولكن يا ولدي أنا عندي وصية، فقلت: ما هي؟، قال الفلاّح: أنت عندك شهادة تعيشك في كل الدنيا في أوروبا في أمريكا، في أيِّ مكان، ولكنها ما علمتك الشيء الذي يجب أن تتعمله أولاً، قلت: ما هو؟، قال: ما علمتك التوحيد، قلت له: ما هو التوحيد، قال الفلاّح: توحيد السلف، قلت له: وما هو توحيد السلف؟، قال له: انظر كيف عرف الفلاّح الذي أمامَك توحيد السلف، قال له: هي هذه الكتب: كتاب (السنة) للإمام أحمد الكبير، وكتاب (السنة) للإمام أحمد الصغير، وكتاب (التوحيد) لابن خزيمة، وكتاب (خلْق أفعال العباد) للبخاري، وكتاب (اعتقاد أهل السنة) للحافظ اللالكائي؛ وعدَّ له كثيرًا من كتب التوحيد، وذكر الفلاّح كتب التوحيد للمتأخرين، وبعد ذلك ذكر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيِّم؛ وقال له: أنا أدلك على هذه الكتب إذا وصلت إلى قريتك ورأوك وفرحوا بنجاحك لا تتأخّر ارجع رأسًا إلى القاهرة، فإذا وصلت إلى القاهرة، ادخل (دار الكتب المصرية) ستجد كل هذه الكتب التي ذكرتُها كلها فيها؛ ولكنها مكدّسٌ عليها الغبار، وأنا أريدُك أن تنفض ما عليها من الغبار وتنشرها.
وكانت تلك الكلمات من الفلاّح البسيط الفقيه قد أخذت طريقَها إلى قلب الشيخ حامد الفقي؛ لأنها جاءت من مخلِص.
كيف عرف الفلاّح طريق التوحيد؟
يواصل الشيخ حماد حكايتَه مع الشيخ حامد الفقي فيقول:
إنني استوقفت الشيخ وسألتُه: كيف عرف الفلاّح كل ذلك؟.
قال الشيخ حامد: لقد عرفه من أستاذه (الرمالي) ، هل تسمعون بالرمالي؟، قلت له: أنا لا أعرف الرمالي هذا، ما هي قصتُه؟، قال: الرمالي كان يفتش عن كتب سلفه، ولمّا وجد ما وجد منها بدأ بجمع العمال والكنّاسين وقام يدرّس لهم، وكان لا يُسمح له أن يدرّس ذلك علانية، وكان من جملتهم هذا الفلاّح؛ وهذا الفلاّح يصلح أن يكون إمامًا من الأئمة، ولكنه هناك في الفلاحة، فمن الذي يصلح أن يتعلم؟. ولكن ما زال الخيرُ موجودًا في كلّ بلد حتى تقوم الساعة.
ولما رجعتُ إلى قريتي في مصر وذهبت إلى القاهرة ووقفت على الكتب التي ذكرها لي الفلاّح الفقيه كلها ما عدا كتاب واحد ما وقفت عليه إلاّ فترة كبيرة.
وبعد ذلك انتهينا من الجلسة وذهب الشيخ حامد الفقي؛ وكان يأتي إلى السعودية ونستقبله ضمن البعثة المصرية أيّام الملك فاروق كل عام؛ وكانت هذه القصة هي إجابة للسؤال الذي سألتُه للشيخ حامد في مجلس الرجل السوري.
التوحيد: وعندها سألت الشيخ حماد: ومن يكون شيخك؟.
ج قال: شيخي أنا في إفريقيا تلميذ الشيخ حامد الفقي، اسمه الشيخ محمد عبد الله المدني التنبكتي.