الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
توجُّعٌ وعزاء
بقلم: رياض الخليفي.
"العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهما، وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذَه أخذ بحظٍّ وافر". بهذا نطق رسولُ الله "صلى الله عليه وسلم" فيما صحّ عنه، ليؤكّد على أن من أخص سمات العلماء الإعراضُ عن الدنيا والإقبال على الآخرة، وأنهم إنما يتقربون إلى الله تعالى بإشراف العبادات، ألا وهي عبادة العلم؛ ولذلك كانت منزلتهم عند الله عالية ومقاماتهم سامية كما قال تعالى:{يَرْفَعُ اللهُ الَّذِيْنَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِيْنَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ} ؛ وأقرّ سبحانه شهادة العلماء تكريما لهم في أعظم قضايا الدين وأساس الملّة ألا وهي قضية التوحيد فقال عز وجل: {شَهِد اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَاّ هُوَ والمَلَائِكَةُ وَأُولُوا العِلْم قَائِما بالقسط} .
فالعلماء الصادقون الناصحون هم مصابيح الدجى، ومنارات الهدى بهم يهتدي السالكون إلى فهم شريعة الله والعمل بها {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ؛ وبهم يفتح الله قلوبا غُلفا وأعينا عميا وآذانا صمًّا؛ هم ركن الملة، وعضد الدين، وحرّاس شريعة رب العالمين؛ حفظ الله بهم القرآن، وصان بهم سنة خير الأنام.
ولَكَمْ كان خبرًا مفزعا ذلك الذي نعى إلينا أفول كوكبٍ ساطع في
السماء معدود من العلماء الأتقياء وبقية السلف الأذكياء؛ بوفاة العلامة المحدث حماد بن محمد الأنصاري.
فو الله إن القلبَ ليحزن، وإن العينَ لتدمع على فوات أولئك الأعلام؛ فبالأمس القريب فجع العالم الإسلامي بوفاة علمين جليلين هما: شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق، وفضيلة الشيخ محمد الغزالي؛ وقدّر اللهُ وفاتهما في أسبوع واحد ليعظم المصاب بفقدهما؛ وقبلهما فقدت الكويت فقيهها الأول العالم الجليل محمد بن جراح؛ ثم وفي الأسابيع القليلة الماضية فقدت الأمة حامي لغة القرآن وفارس العربية وإمام البيان العلامة محمود شاكر.
وهنا نحن اليومَ نصاب بمقتل، بوفاة مسند وقتِه، ومحدّث عصره الأنصاري؛ فإذا خلت الديار من أولئك الأحبار الأخيار فمن للعلم ومَن للفقه ومَن للحديث ومَن للغة ومَن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إن عزائنا بحفظ الله لهذا الدين الذي ننتمي إليه لكبير، وإن رجاءنا في أن تنتج الأمة أمثال هؤلاء الأفذاذ لعظيم، وإن الأفق ليلوح بالبشائر والحمد لله.
وإن الواجب على الدعاة والمصلحين ألا يتخذوا من تلك النكبات عوائق، بل عليهم أن يوظفوا هذه الأقدار إلى عدة وعتاد يصنعون بها مستقبل أمتهم وينبنون أجيالاً في العلم والخلق راسخة، تحمل الأمانة وتواصل المسير بلا كلل أو سآمة؛ فلتكن سير أولئك الأعلام نماذج حية تعيش في قلوبنا ونقتدي بها في واقعنا وتشعل فينا جذوة الجلد والحرص على طلب العلم، وتوقظ فينا العزائم والهمم التي ربما ماتت لدى بعض طلاب العلم أو كادت.
إن حياة هؤلاء العلماء وتحصيلهم وصبرهم وجهادهم ثم وفاتهم لحجة قائمة على المتقاعسين الكسالى من طلاب العلم الذين طابت لهم الحياة، فركنوا إليها، وازينت لهم الدنيا فتكالبوا عليها، فلا تراهم يعبأون بضياع الأوقات، ولا
يكلفون بإهدار الجهود والطاقات فيما لا ينفع أو يجدي.
وإن مما يدعو إلى الأسى والحزن ما نراه من تغييب متعمّد لأولئك العلماء وسيرهم، بل وحتى وفاتهم عن واقع الإعلام المعاصر؛ فيا ليت شعري كيف يجازى أمثال هؤلاء الأعلام بهذا التجاهل المريب والصمت الغريب الذي ربما فاق صمت القبور في الوقت الذي توجع الأسماع وتشق الأبصار وتطمس الفضائل والآداب برسم القدوات الكافرة والشخصيات الماجنة المنح رفة وتخليد ذكراهم وسيرتهم، بل فجورهم وانحطاطهم.
أرأيتَ لو كان المتوفى مطرِبا لامعا ملأ الدنيا بفاحش القول ورخيص المعاني لوجدنا أن الإعلام الوفي لا يقرّ له قرار بل يندب ويصيح ويبدئ ويعيد في ذكراه، وربما أنفقت الأموال الطائلة من أجل السبق إلى إعداد برنامج خاص عن حياة المغني الفلاني.
أرأيت لو كان المتوفى فنانا ساقطا أو لاعبا فاشلاً في كل شيء إلا في اللعب، أو كاعباً لعوبا على أدنى المستويات هل سيبخل الإعلام بساعة أو ساعات للإشادة بهذا الفالح العظيم؟، أم هل ستبخل الصحافة بالمساحات الواسعة من أجل تغطية هذه النكبة التي تمر بها الأمة من جرّاء وفاة أحد التافهين؟.
إن هذا غيضٌ من فيض الحضارة المادية وانقلاب المفاهيم الذي نعيشُه.
فحريٌّ بنا أن نقوم بواجبنا إزاء المخلصين من أبناء أمتنا من العلماء العاملين والدعاة المصلحين، فنعطّر التاريخ بسيرهم وأخبارهم، يتداولها الصغار والكبار، وتروى ولا تُطوى، وندوّنها في سجلّ الخالدين أمثلةً طاهرة نقية، يحتذى بها على مرّ السنين.
وختاما: نسأل الله العليَّ القدير أن يتقبل الفقيد بواسع رحمته، وأن يُعلي درجته، وأن يخلف له الخير في عقبه..، وأن يلهم أهلَه الصبر والاحتساب.. و {إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} .