الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التوحيد: الشيخ حماد الأنصاري ـ يرحكم الله ـ الرحلة في طلاب العلم سِمَةٌ من سمات طلبة العلم، فهل لكم أن تحدثونا عن رحلتك في طلب العلم؟
ج يقول فضيلة الشيخ حماد الأنصاري: إن الرحلةَ في طلب العلم طويلة، وخاصة أنني من أفريقيا، ورحلتي في طلب العلم أقصُّها لكم؛ وقد سأل سائلٌ الإمامَ مالكًا في درسه في المدينة المنورة: من أين لك هذا العلم يا أبا عبد الله؟، قال: هذا علم ما شاء الله، فقيل له: وما علم ما شاء الله؟، فقال لهم: أنا ما بدأتُ درساً إلا وأقول: ما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ وهذا معنى علم ما شاء الله.
الأعداء يتربّصون بالإسلام
وأنا كما أخبرتكم أنني من أفريقيا السوداء؛ فنحنُ من دولة بني نصر الذين هم آخر دولة في الأندلس، وقضت عليها أسبانيا المجرمة عندما وجدت بينهم الاختلافات على الرئاسة، ووجدت تلك الفرصة، فهجت على الجميع وقضت على الإسلام، وهكذا العدو؛ فالعدو يتربّص بالمسلمين؛ فهنا لما أخذوا البلاد وقضت على تلك الدولة، وهذه آخر دولة للأنصار وعملوا محاكم التفتيش، وكان محاكم التفتيش هذه يخيّرون كل من بقي في هذين البدلين بين واحدٍ من ثلاث: إما أن يتَنَصَّر، وإما أن يخرج من البلد لا يحملُ شيئًا حتى اللباس، وإما أن يُقتل؛ وكنا ممن وقع عليهم الاختيار الثاني؛ وكان ذلك سبب خروجِنا من البلاد.
وخرجنا حتى وصلنا إلى المغرب وجلسنا فيه، ولكن وجدنا فتنًا كثيرة لم تكن أقلَّ من الفتن الموجودة في الأندلس، فخرجنا جميعًا إلى السودان والسنغال، ولما وصلنا إلى السنغلا لم نجد استقرارًا أيضًا؛ فخرجنا حتى وصلنا إلى تنبكتوا ـ والتي يسمونها مالي حاليًّا ـ، وهناك وجدنًا استقرارًا، ووجدنا بلادًا يحتاجون إلى من يوجههم، وكنا نعيشُ في قرية تابعة لتنبكتوا؛ وكان طلبة العلم يتجمعون
في هذه القرية؛ وكان ذلك في عام 1364هـ، وبقينا في تلك القرية حتى قاتلنا الفرنسيون؛ فقد هجموا على تلك القرية التي كنا فيها بالدبابات بعد صلاة الفجر في هذه السنة ودكّوها دكًّا، ولم يسلم إلاّ من هرب برجليه؛ وكان ذلك آخر وجود لأسرتنا بعد أن جاءت فرنسا إلى تلك البلاد.
وكانت الدراسة عندنا في هذه البلاد حلقات؛ حيث لا توجد مدارسُ نظامية، وكان المشايخ يجلسون في المسجد، هذا يدرِّس القرآن، وهذا يدرِّس النحو، وهذا يدرّس في اللغة، وهذا يدرس في الفقه، وهذا يدرس في الحديث، وهذا يدرِّس المصطلح؛ فدخلتُ في هذه الحلقات، وكنتُ في ذلك الوقت ابن عشر سنوات، دخلت حلقة القرآن حتى حفظت القرآن، وكنت عند خلي لأنني يتيم؛ فقد توفي والدي رحمه الله وأنا ابنُ ثماني سنوات، فأخذني خالي بعد وفاة أبي، وأنا في الحقيقة في أفريقيا درستُ العلوم التي تدرس هناك سنة 1358هـ.
وفي تلك السنة جاءنا الشيخ محمد عبد الله التنبكتي المدني، والذي كان إمامًا في الحرم النبوي؛ لأنّ أباه المحمود لما جاءت فرسنا إلينا من المغرب والجزائر هرب بعد أن تغلّب الفرنسيون واحتلّوا البلاد إلى الصحراء هو وتلامذته؛ واجتمع مجموعةٌ من العلماء منن مختلف البلاد: السيوطي من القاهرة، عبد الكريم من أرتيريا، محمود البغدادي من العراق، محمد بن يوسف الأنصاري من تادا مكة؛ كلُّ هؤلاء العلماء جمعهم الله من بلادٍ متباعدة في بلدةٍ في النيجر والتي تسمى (آير) ؛ ولما اجتمعوا في هذه البلدة كانوا لا يعرفون بعضَهم من قبل.