الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسط مدريد، فبتنا فيه ليلة الاثنين الموافق 13/3/1398هـ.
وفي الصباح الساعة التاسعة من يوم الاثنين توجهنا إلى مكتبة اسكوريال.
الاسكوريال:
تقع هذه المدينة غرب مدريد العاصمة، وبينهما خمسون كيلو، وهي مدينة على سفح جبل تنزل عليه الثلوج، وفي غربها واد يسمى وادي الرما، فالجبل في شرقها والوادي في غربها، وفي الطريق إليها تعلو بنا حافلتنا وتهبط بنا تارة أخرى، وذلك لأن الطريق إليها عبارة عن كثبان تشقها أودية تجري فيها المياه الوسخة وعلى جنبات الطريق إليها غابات من الأشجار المنشقة الجميلة التي إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على ما امتاز به الأندلس من جمال الطبيعة.
ولما وصلنا إلى الاسكوريال دخلنا في تلك المكتبة الواقعة في جناح كنيسة ضخمة، واستقبلنا فيها مديرُها وهو رجلٌ أسباني لبق ملمٌّ باللغة العربية إلماما ضعيفا، وقد خيّرنا بين أن يتكلّم معنا بالانجليزية وبين أن يتكلم بالعربية التي تعلّمها إبان إقامته بتونس منذ ثلاث سنوات على ما يزعم، فاخترنا أن يتكلم معنا باللغة العربية المكسّرة مهما كانت، مع أن في صحبتنا الدكتور عبد المنعم وهو يحسن عدة لغات منها اللغة الانجليزية، فشرع الرجلُ يذكر لنا أصل مكتبة اسكوريال وعدد ما فيها من المخطوطات العربية البالغ عددها ألفي مخطوط، فاستعرضنا بعضها فاستفدنا أن المكتبة غنية بمهمات المخطوطات وقد أبرمنا اتفاقا بيننا وبين مديرها الأسباني حاصله ما يأتي:
1-
أن يصور لنا تلك الفهارس بكل ما تكلف، فوافق على أن يصورها في ظرف ثلاثة أيّام، وبالفعل تمّ تصوير الفهرس بأجزائه الثلاثة.
2-
إذا انتقينا منها ما نحتاج من المخطوطات يصورها كذلك، فالتزم على
أن يصورها في أسبوعين أو ثلاثة.
وفي الساعة الواحد نهارًا بالتوقيت الأسباني دقّت ساعة الانصراف، فرجعنا إلى العاصمة لنطلع على المكتبة الوطنية فيها، حيث ذكر لنا أن فيها مخطوطات عربية، ولكن مع الأسف وجدناها قد أغلق القسم العربي منها إلى نهاية الأسبوع على ما يزعمون، فلذا بتنا ليلة الثلاثاء فيها العاصمة، إلاّ أننا استطعنا الحصول على فهرسة المكتبة المذكورة من المعهد المصري للدراسات الإسلامية، حيث قاموا بتصويره وتسليمه لنا مشكورين، وقد قمنا بتصفحه ولم نجد شيئا يذكر في نفس الوقت، وفي يوم الثلاثاء الموافق 14/3/1398هـ الساعة العاشرة صباحاً توجهنا في حافلتنا إلى قرطبة ثم غرناطة.
وفي طريقنا إلى قرطبة مررنا على نفوذ وأراض مغطاة بأشجار الزيتون مع قرى نموذجية على نمط واحد يروق الناظر إليها، وبحد ما قطعنا محافظة قتشالة التي حاليا (كستليا) دخلنا إلى مدخل الأندلس وهو جبال ووديان مكسوة بأشجار الزيتون والعنب وغيرها ويتخللها الوادي الكبير الذي يجري فيها، وعلى يمينها نهر (التاج)، ويمتد من مادريد شمالاً إلى المحيط غربا حتى صبّ في المحيط عن طريق البرتغال نصعد ونهبط وديانا حتى وصولنا قرطبة قرب مغرب ليلة الأربعاء الموافق: 15/3/1398هـ، وبينها وبين مدريد ثلاثمائة وستون كيلو، وقد مررنا في طريقنا إليها على محافظة طليطلة التي تقع في النفود الحاجزة بين العاصمة مدريد ومدخل الأندلس جنوبا.
ومن حين وصولنا إلى قرطبة نزلنا في فندق في سُرَّة البلد وهو تابع لفندق مدريد، وبتنا فيه إلى صباح يوم الأربعاء الموافق: 15/3/1398هـ.
وقد وصلنا قرطبة عاصمة الإسلام الأولى في الأندلس قرب غروب الشمس، وكان الغروب عندهم في تمام الساعة السابعة بتوقيتهم، وبتنا ليلة
الأربعاء الموافق 15/3، بتنا في فندق تابع لفندق مدريد العاصمة وبعد أن وضعنا حقائبنا صلينا المغرب جماعةً رغم أنا لم يتيسر لنا في مدريد أن نصلي جماعة لعدم وجود مكان نصلي فيه جماعة، بل كل اثنين أو واحد يصليان في غرفتهما.
وفي الصباح توجهنا بحافلتنا إلى قصر الزهراء بقرطبة، وهو يبعدُ مسافة ثلاثة كيلو متر عن المدينة، فوجدناه قصرًا يبكي بدموع الدماء على ما عانى من الأعداء من تدمير وإهانة غيظا على الإسلام وأهلِه، وهو يقولُ بلسان حالِه:(أيها المسلمون انظروا إلى ما أصابني فإنه عاقبة الخروج عن أوامر الله وشرعه)، وكأنه يقرأ على الزوّار آية سورة هود:{يا قوم لا يجرمنّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود} ، ويثني بالآية التي قبلها:{فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجّيل منضود * مسوّمة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد} . هكذا يقول لسان حال قصر الزهراء لمن زار، يحذِّر من مغبّة المعاصي، أولئك الذين يسدرون في غيِّهم، ويعمهون في ضلالتهم، ولا يفكِّرون في عاقبة الأمور.
ثم رجعنا من الزهراء إلى قرطبة قاصدين الجامع الواسع بأعمدته الرخامية وسقوفه المتنوعة من الخشب في جهة ومن الرخام في جهة أخرى، وله محراب واسع مكتوب عليه هذه الآية على يمين الواقف فيه:{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} ، ولكن مع الأسف حول الجانب اليميني منه وجعل كنيسة ممثلة بتصاوير مجسمة، وفيما بقي من الجامع كذلك تماثيل وصور مجسمة ملصقة ببعض سواريه، وقد بقي من أبوابه خمسة عشر بابا وقد كانت أيام الإسلام
23 بابا، هكذا مصير التمرد على الله أن يسلب المسلم مجده وعزه وكرامته إذا لم يشكر نعمة الله، قال الله عز وجل:{وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} وفي الحديث الإسرائيلي عن الفضيل بن عياض: "إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني".
وعند انتهائنا من التجول والطواف بجانب ما تبقّى من هذا الجامع الكبير ختمنا الطواف بصلاة ركعتين عند محرابه الواسع الجميل المكلل بالفسيفساء عند مدخله، وقد صمم هذا المحراب تصميما فنيا بحيث إذا قرأ القارئ فيه سمعه من كان خارج المسجد وفي منتصفه قطع من الأحجار مرصوفة رصفا رائعا وفائدتها امتصاص الصدى التي قد يحدث من تراجع الصوت من أرجاء المسجد إلى المحراب، وقد تفائلنا بعد الصلاة بدخول الإسلام ثانية إلى هذه الأقطار التي خرج منها بسبب الخروج عن تعاليم الإسلام.
وبعد الصلاة في جامع قرطبة توجهنا بحافلتنا ودليلنا (الأُريقطي) ، وهذه النسبة نسبة إلى عبد الله بن الأريقط الذي كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته، ودليلنا السوري وهو الأخ زهير من الشباب المسلم الذي يدرس في مدريد في مجال الطب، توجهنا إلى غرناطة في شرقي قرطبة، ولم تزل حافلتنا المريحة تهملج بنا في أرض صفصف مكسوة بالخضرة والأزهار إلى أن قطعنا منطقة قرطبة عند صلاة الظهر، ثم دخلنا في منطقة أخرى تسمى (حائن) ، وهي (جيان) باللغة العربية، وبعد صلاة الظهر والعصر جمعًا وقصرًا في هذه المحافظة تابعنا سيرَنا إلى غرناطة، فإذا نحنُ بجبال تتخلّلها أودية خرّراة بالمياه مثل تلك الجبال التي واجهتنا في طريقنا إلى قرطبة بعدما قطعنا محافظة مدريد العاصمة، وهي جبال شامخة مكسوة بأشجار الزيتون بشكل لم أر له مثيلاً حتى في تونس الخضراء.
فلم تزل حافلتنا الأسبانية الصنع تعلو بنا أنجاد تارة وتهبط بنا في أغوار