الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فضيلة بناء المساجد:
-
نقول: لأنَّ المساجد وسيلة لتحقيق الجماعة، جماعة الصلاة وجماعة الألفة والمودة بين المسلمين، لذا فإنَّ أول ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة هو بناء المسجد، حيث بنى مسجده صلى الله عليه وسلم، وهذا هو فعل الصحابة رضي الله عنهم.
والمؤمنون -بحمد الله تعالى - متفقون على أنَّ بناء المساجد من الأمور الضرورية للمسلمين.
لذا فقد أمر الشرع ببناء المساجد وحث ورغَّب في ذلك: عن عائشه رضي الله عنها قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظَّف وتطَّيب) (1)
الدور هي: المحال التي فيها الدور، والأمر هنا للوجوب، وعليه فقد نص العلماء على وجوب بناء المساجد الأحياء في السكينة.
وقد ورد في فضل بناء المساجد جملة من الأخبار:
1 -
عن عُثْمَانَ بْن عَفَّانٍ- رضي الله عنه قال: قال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ» (2)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم قال: " من بنى لله مسجداً، ولو كَمَفْحَص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة "(3) والمفحص) (: بفتح الميم والحاء) الْمَكَانَ الَّذِي تَفْحَصُ الْقَطَاةُ - وهو طائر مشهور - عَنْهُ لِتَضَعَ فِيهِ بَيْضَهَا وَتَرْقُدَ عَلَيْهِ.
(1) أخرجه أحمد (26386) أبوداود (455) وابن ماجه (759) وصححه الألباني.
(2)
أخرجه مسلم (533) والترمذي (318)
(3)
أخرجه أحمد (2157) وابن ماجه (738) وصححه الألباني
وقوله صلى الله عليه وسلم: ولو كمفحص قطاه، حَمَلَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِى تَفْحَصُهُ الْقَطَاةُ لِتَضَعَ فِيهِ بَيْضَهَا وَتَرْقُدَ عَلَيْهِ لَا يَكْفِى مِقْدَارُهُ لِلصَّلَاةِ، وَقِيلَ: هِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَزِيدُ فِي مَسْجِدٍ قَدْرًا يُحْتَاجُ إلَيْهِ تَكُونُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ هَذَا الْقَدْرَ، أَوْ يَشْتَرِكُ جَمَاعَةٌ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فَيَقَعُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْقَدْرُ. (1)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ ممَّا يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته ، علماً علَّمه ونشره ، وولداً صالحاً تركه ، ومصحفاً ورَّثه ، أو مسجداً بناه ، أو بيتاً لابن السبيل بناه ، أو نهراً أجراه ، أو صدقة أخرجها من ماله فى صحته وحياته ، يلحقه من بعد موته. (2)
(1) وانظر لسان العرب (3/ 67) ونيل الأوطار (2/ 173)
(2)
أخرجه ابن ماجه (242) وابن خزيمة (2490) وحسنه المنذريوالألباني. قوله (في صحته وحياته) أي أخرجها فى زمان كمال حاله ووفور افتقاره إلى ماله وتمكنه من الانتفاع به.
فائدة: ولكن نقول: مع الحث العظيم الذي ورد به الشرع على بناء المساجد فلا بد في ذلك من مراعاة حاجة أهل المكان إلى ذلك؛ فإنَّ المصلحة العظمى من بناء المساجد أن تعمر بالمصلَّين، وأما ما نراه كثيراً من كثرة بناء المساجد الصغيرة المتقاربة في المنطقة الواحدة، والتي يتفرق فيها جماعات المسلمين، فيصلي فيها الصف والصفان، ويحتاج كل مسجد منها إلى إقامة صلاة الجمعة، لترى الخطيب من هؤلاء يخطب فيمن لا يزيد على عدد أصابع اليدين، بل ووالله لقد رأيت زاوية من الزوايا خطيباً يخطب على المنبر وليس أمامه إلا المؤذن، وإذا تقدمتَ إليهم بالنصح أن يغلقوا هذه الزوايا في صلاة الجمعة، قرأوا عليك قول الله (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيه اسمه وسعى في خرابها)
نقول: إنَّ هذه الفرقة هذا ممَّا يخالف أصول الشرع الذي أمر بالجماعة وعدم الفرقة. وكم أُنفقت أموال على هذه الزوايا والمصلِّيات، وكان بالإمكان أن تستغل في منافع أخرى للمسلمين، كدار تحفيظ أو جمعية خيرية وما شابه ذلك.
وقد عدَّ الإمام السيوطي رحمه الله من المحدثات: كثرة المساجد في المحلة الواحدة، وذلك لما فيه من تفريق الجمع، وتشتيت شمل المصلين، وحل عروة الانضمام في العبادة، وذهاب رونق وفرة المتعبدين، وتعديد الكلمة، واختلاف المشارب، ومضادة حكمة مشروعية الجماعات، أعني اتحاد الأصوات على أداء العبادات وعودهم على بعضهم بالمنافع، والمضارة بالمسجد أو شبه المضارة أو محبة الشهرة والسمعة وصرف الأموال فيما لا ضرورة فيه. اهـ. وجاء في "الإقناع": ويحرم أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد إلا لحاجة كضيق الأول ونحوه كخوف فتنة باجتماعهم في مسجد واحد. وظاهره وإن لم يقصد المضارة.
وانظرالإقناع في فقه أحمد (1/ 333) والأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع (1/ 200) وإصلاح المساجد (1/ 96)
لطيفة تتعلق بمسألة بناء المساجد: - مسجد (كأنني أكلت):
إنه جامع صغير في منطقة "فاتح" في اسطنبول، واسمه باللغة التركية هو " صانكي يدم " أى "كأنني أكلت":
وقصته أنَّ رجلاً اسمه "خير الدين أفندي" كان يعيش في منطقة "فاتح"
وكان يمشي فى السوق وتتوق نفسه لشراء فاكهة، "أو لحم، فيقول في نفسه": صانكي يدم" يعني "كأنني أكلت" ثم يضع ثمن ذلك الطعام في صندوق له، ومضت السنوات وهو يكف نفسه عن لذائذ الأكل، ويكتفي بما يقيم بدنه فقط، وكانت النقود تزداد في صندوقه شيئاً فشيئاً، حتى استطاع بهذا المبلغ القيام ببناء مسجد في محلته، ولمَّا كان أهل المحلة يعرفون قصة هذا الشخص الورع الفقير وكيف استطاع أن يبني هذا المسجد أطلقوا على الجامع اسم جامع: "صانكي يدم"أي "كأنني أكلت". (1)
بشرى لمن أراد أن يحصل على أجر بناء مسجد، وليس معه مؤنة ذلك: عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ- رضي الله عنها-قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا، غَيْرَ فَرِيضَةٍ، إِلَّا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» . (2)
(1) من كتاب "روائع من التاريخ العثماني"للكاتب أورخان محمد على.
(2)
أخرجه مسلم (728)