المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فوائد هامة تتعلق بالسترة: - المساجد بيوت الله

[أيمن إسماعيل]

فهرس الكتاب

- ‌ التعريف بالمسجد:

- ‌فضائل المساجد:

- ‌خير المساجد على الأرض

- ‌وممَّا ورد في فضل المساجد الثلاثة:

- ‌1 - مضاعفة أجر الصلوات:

- ‌وممَّا ورد في فضيلة هذه المساجد الثلاثة:

- ‌كذلك ممَّا ورد في فضيلة المسجد النبوي:

- ‌تنبيه هام:

- ‌ومن المساجد التي نص الشرع على فضيلتها، مسجد قباء:

- ‌1 - مسجد قباء قد أُسس على التقوى:

- ‌2 - الصلاة في مسجد قباء كأجر عمرة:

- ‌لطيفة:

- ‌فضيلة بناء المساجد:

- ‌وقد ورد في فضل بناء المساجد جملة من الأخبار:

- ‌فضائل تعمير المساجد:

- ‌1 - تعمير المساجد من علامات الإيمان:

- ‌2 - الثانية: أنَّه بملازمة المرء لبيت الله - تعالى - فهذا من أعظم الأسباب التي تجلب الهداية للمسلم

- ‌3 - تعمير المساجد من صفات الرجال:

- ‌4 - تعمير المساجد من أسباب الظلال:

- ‌5 - تعمير المساجد نورٌ في ظلمات الآخرة:

- ‌6 - عمَّار المساجد من المبشَرين بالجنَّة:

- ‌7 - عمَّار المساجد هم أهل المكرمات والدرجات:

- ‌8 - عمَّار المساجد في صلاةٍ ذهاباً وعودةً:

- ‌وهؤلاء هم رجال المسجد:

- ‌مع الساجدين حتي اليقين

- ‌حضور صلاة الفجر ليلة الزواج:

- ‌واحذر من هذه الخديعة الشيطانية:

- ‌أما آداب التوجه إلى المسجد

- ‌1 - أنْ يعدِّد النوايا وهو في طريقه إلى المسجد:

- ‌2 - الأدب الثاني: التطَّهر والوضوء في البيت:

- ‌3 - الأدب الثالث: احتساب الخطى إلى المسجد:

- ‌4 - الأدب الرابع: أدعية الخروج إلى المسجد:

- ‌آداب دخول المسجد:

- ‌أن يدخل المسجد برجله اليمنى، ويخرج برجله اليسرى

- ‌2 - الدخول باليمنى والخروج اليسرى والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الله العصمة من الشيطان، وسؤال الله فضله عند الخروج

- ‌فضائل المكث في المسجد:

- ‌آداب وفضائل ترديد الأذان:

- ‌ أن يردد الأذان

- ‌الذكر بعد الأذان:

- ‌ يسن الدعاء بعد الفراغ من هذه الأذكار:

- ‌ومن جملة الأخطاء التي تتعلق بركعتي تحية المسجد:

- ‌ويمكن أنْ نلخِّص هذا المسألة فيما يلي:

- ‌1 - الحالة الأولى: من دخل المسجد يوم الجمعة قبل الأذان فله أن يصلي ما شاء من النفل المطلق، حتى يصعد الخطيب على المنبر

- ‌2 - الحالة الثانية: أن يدخل المسجد والمؤذن يؤذن للجمعة

- ‌3 - الحالة الثالثة: أن يدخل المسجد والخطيب على المنبر فإنه يصلى ركعتي تحية المسجد ويتجوَّز فيهما

- ‌ومن الفوائد التي تتعلق بركعتي تحية المسجد:

- ‌من جملة أداب انتظار الصلاة في المسجد:

- ‌الدعاء بين الأذان والإقامة:

- ‌مسألة: - حكم التنفل إذا أقيمت الصلاة:

- ‌توطُّن الأماكن في المساجد:

- ‌ وللنهي الوراد في هذا الحديث جملة من العلل منها:

- ‌وممَّا يتعلق بالنهي عن توطُّن بقعة في المسجد مسألة هامة

- ‌فصل: تطييب المساجد وصيانتها عن الأذى:

- ‌فرع:

- ‌فوائد هامة:

- ‌ فاعتبروا يا أولي الألباب:

- ‌ومن هذا الباب نطرق مسألة أخرى:

- ‌ومن الأمورالهامة التي تتعلق بهذا الباب:

- ‌1 - حملات التبرع بالدم في المساجد:

- ‌2 - الحدث في المسجد:

- ‌فصل في: البيع في المسجد:

- ‌فوائد:

- ‌فرع: ما حكم البيع والشراء إذا تم في المسجد

- ‌فصل: حكم دخول الجنب والحائض إلى المسجد:

- ‌المسألة الثانية: دخول الجنب إلى المسجد:

- ‌1 - أما عبور الجنب للمسجد:

- ‌2 - أما المكث في المسجد:

- ‌فصل: إنشاد الضاَّلة في المسجد:

- ‌ حكم إنشاد الضاَّلة في المسجد:

- ‌(باب: القسمة وتعليق القنو في المسجد)

- ‌فصل:

- ‌فرع:

- ‌فوائد:

- ‌فصل في أحكام السترة:

- ‌سؤال: ما حكم اتخاذ السترة

- ‌ويؤيد وجوب السترة:

- ‌فوائد هامة تتعلق بالسترة:

- ‌وفى الحديث فوائد:

- ‌فصل

- ‌فصل:

- ‌اصطحاب الأطفال إلى المساجد:

- ‌فصل في: صلاة النفل في البيوت:

- ‌ الحكمة التي من أجلها شرع أداء النوافل في البيوت:

- ‌فوائد الحديث:

- ‌فرع: النوافل التي يُشرع أدائها في المساجد خاصة:

- ‌فصل: أحاديث لا تصح في "باب المساجد

- ‌الحديث الأول:

- ‌الحديث الثانى:

- ‌الحديث الثالث:

- ‌الحديث الرابع:

- ‌الحديث الخامس:

- ‌الحديث السادس:

- ‌الحديث السابع:

- ‌فصل في: سؤالات تتعلق بأحكام المساجد:

- ‌السؤال الأول: ما حكم من صلَّى في بيته، صلاة الجمعة أو الجماعة، بصلاة الإمام في المسجد

- ‌السؤال الثاني: - ما حكم النوم في المسجد

- ‌السؤال الثالث: ما حكم الصلاة بين السواري- وهي الأعمدة - في المسجد

- ‌فرع:

- ‌السؤال الرابع: - ما حكم من يصلِّي على كرسيه منفرداً في مؤخرة المسجد

- ‌ فرع: هل لمن لم يجد مكاناً في الصف لإكتماله، أنْ يجذب واحداً من الصف الأخير ليصلِّي معه

- ‌السؤال الخامس: ما حكم الفتح على الإمام

- ‌وحُكم هذه المسألة على تفصيل:

- ‌أولاً: حالات يجب فيها الفتح على الإمام:

- ‌2 ـ الحالة الثانية: حالات يشرع فيها الفتح على الإمام

- ‌السؤال السادس: حكم اتخاذ المحاريب في المساجد

- ‌السؤال السابع: يوجد إمام أحد المساجد إذا سوَّى الصفوف قال: (إنَّ الله لا ينظر إلى الصف الأعوج) فهل هذا حديث صحيح

الفصل: ‌فوائد هامة تتعلق بالسترة:

يؤيده: الإجماع على ذلك: قال ابن حزم: الْإِجْمَاعُ مُتَيَقَّنُ أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ لَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ مِنْ الْمَأْمُومِينَ اتِّخَاذَ سُتْرَةٍ أُخْرَى؛ بَلْ اكْتَفَى الْجَمِيعُ بِالْعَنَزَةِ الَّتِي كَانَ عليه السلام يُصَلِّي إلَيْهَا، فَلَمْ تَدْخُلْ أَتَانُ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ. (1)

سئل شيخ الاسلام: عَنْ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِ: هَلْ هُوَ فِي النَّهْيِ كَغَيْرِهِ مِثْلَ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ أَمْ لَا؟

فَأَجَابَ:

الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (2)

1 -

أما من كان يصلِّى إماماً أو منفرداً فإنه يلزمه أنْ يتخذ سترة ،وكذلك المسبوق فإنه يلزمه أن يتقدم إلى أقرب سترة.

‌فوائد هامة تتعلق بالسترة:

-

1 -

يسن الدنو من السترة لقوله صلى الله عليه وسلم: إذا صلَّى أحدكم فليصلِّ إلى سترة ،وليدن منها. (3)

(1) وانظر المحلي (2/ 325) وتحفة الأحوذي (2/ 253) وطرح التثريب (4/ 349) والفقه على المذاهب الأربعة (1/ 209)

(2)

وانظرمجموع الفتاوى (22/ 626) وشرح السنة (2/ 166)

(3)

سبق تخرجه

ص: 125

فيستحب الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود ،وهو قول الجمهور، قالوا أنَّ المصلِّي يقرب من سترته قدر ثلاثة أذرع فأقل من ابتداء قدميه. (1)

وقد ورد في السنة قدر المسافة بين المصلِّي وسترته كما في حديث بلال - رضى الله عنه - أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فصلى وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع. (2)

أما عن قدر ارتفاع السترة: -

فعن طلحه بن عبيد الله رضي الله عنه مرفوعاً (مثل مؤخرة الرَحل يكون بين يدي أحدكم ثم لا يضره ما مر بين يديه.)(3)

سؤال: هل يجزىء في ذلك أنْ يخط المرء خطَّاً على الأرض يجعله سترة له؟ ؟

(1) وانظر شرح السنة (2/ 172) ونيل الأوطار (3/ 4) وعون المعبود (2/ 92) والفقه الإسلامي وأدلته (2/ 945)

(2)

أخرجه أحمد (23894) والبخاري (506) ومسلم (665)

فائدة: طول الذراع المرسلة: (46.2 سم) وعليه فإنَّ الثلاثة أذرع تعادل تقريباً "متر وربع "

(3)

سبق تخريجه، فائدة: ومؤخرة الرحل: الخشبة التي يستند إليها راكب البعير، وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع، وهو قول الجمهور، وهو ما يعادل:(32 سم تقريباً) وعليه نقول أنَّ من يجعل "الفوطة "سترة فإنها لا تجزئه.

ص: 126

الجواب: قد ورد في ذلك حديث رُوى مرفوعاً (فإنْ لم يكن معه عصاً فليخط خطَّاً) وهو حديث ضعيف ،لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. (1)

(1) أخرجه أحمد (7386) وأبوداود (690) وابن حبان (2361) وابن ماجه (943) قال ابن عيينه: لم نجد شيئا نشد به هذا الحديث ،قال البيهقى: توقّف الشافعى فى الحديث لاضطرابه ،وقد ذكر ابن الصلاح فى علومه هذا الحديث مثالاً للحديث المضطرب، وقال انه موجب لضعف الحديث ، وقال مالك في "المدونة":"الخط باطل". والحديث قد ضعفه النووي والعراقي والدارقطني وابن الجوزي والبغوي والمنذري وأحمد شاكر والألباني، ونقل الحافظ في "التهذيب" عن أحمد أنه قال:"الخط ضعيف ".ففى الحديث علتان: الأولي: جهالة راويين في اسناده وهما أبو عمرو بن محمد بن حريث وجده؛ ففي " التهذيب ": " قال الطحاوي: أبو عمرو وجده مجهولان، ليس لهما ذكر في غير هذا الحديث ". وقال الذهبي: " أبو عمرو بن محمد بن حريث لا يُعْرفُ " .. الثانية: والإضطراب في إسناده اضطراباً شديداً، لِاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ فِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: فَقِيلَ: هَكَذَا، وَقِيلَ: عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، لذا حكم الذهبي على الحديث بالاضطراب، قال الألباني: أما قول البيهقي: "لا بأس بالحديث في هذا الحكم" فكأنه يذهب إلى أن الحديث في فضائل الأعمال فلا بأس بالحديث فيها، وكأنَّ هذا هو مستند النووي في قوله في "المجموع":"المختار استحباب الخط لأنه وإن لم يثبت الحديث ففيه تحصيل حريم للمصلي وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون الحلال والحرام وهذا من نحو فضائل الأعمال " قلت: ويرد عليه وعلى البيهقي قول الشافعي المنقول عن "التهذيب" فإنه صريح بأنه رضي الله عنه لا يرى مشروعية الخط إلا أن يثبت الحديث وهذا يدل على أحد أمرين: إما أنه يرى أن الحديث ليس في فضائل الأعمال بل في الأحكام وهذا هو الظاهر من كلامه، وإما أنه لا يرى العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وهذا هو الحق الذي لا شك فيه. ا. هـ

قلت: فالحديث الضعيف لا يعمل به لا في الأحكام ولا في الفضائل، كما رجح ذلك ابن تيمية وابن حزم والشوكاني، قال ابن تيمية: ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجباً أو مستحباً بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع. ا. هـ

وانظرالبدر المنير (4/ 203) ومعرفة السنن (2/ 119) وميزان الإعتدال (1/ 475) وشرح مسلم للنووي (2/ 459) وتهذيب التهذيب (2/ 455) وشرح السنة (2/ 169) وتمام المنة (ص/300) والرد على القول الضعيف بأخذ الأحكام من الضعيف (ص/52).

ص: 127

ومن الفوائد في هذا الباب:

1 -

حرمة المرور بين المصلِّي - الذي يتخد سترة - وبين سترته ، لقوله صلى الله عليه وسلم: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أنْ يقف أربعين، خيرا له من أن يمر بين يديه" قال أبو النضر:"لا أدري أقال أربعين يوماً، أو أربعين شهر سنة"(1)

قال الشوكاني: والحديث يدل أنَّ المرور بين يدي المصلِّي من الكبائر الموجبة للنار. ا. هـ

(1) أخرجه أحمد (17540) والبخاري (510) ومسلم (507) قوله صلى الله عليه وسلم: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه ..... " أي من الأثم، وهذا التقدير لم يثبت في روايات الحديث، كما نص عيه ابن الصلاح وغيره، ولكن لابد من تقدير الإثم، لكون الحديث زاجراً عن المرور. وقد ترجم له البخاري بقوله (بَابُ إِثْمِ المَارِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي)

فائدة: الروايات التي ورد فيها تحديد هذه المدة، كمثل رواية "أربعين خريفاً" ورواية "مائة عام"، فهي ضعيفة، لم يصح منها شيء، والله أعلم.

ص: 128

قال ابن القيم: وَمِنْهَا_ أي ومن الكبائر - الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، وَلَوْ كَانَ صَغِيرَةً لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقِتَالِ فَاعِلِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ وُقُوفَهُ عَنْ حَوَائِجِهِ وَمَصَالِحِهِ أَرْبَعِينَ عَامًا خَيْرًا لَهُ مِنْ مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ

وكذا عدَّ ابن حجر الهيتمي أنَّ المرور بين يدي المصلِّي الذي يتخذ سترة من الكبائر، وقوله صلى الله عليه وسلم:" لكان أن يقف أربعين " هَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْأَرْبَعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِ الْأَمْرِ لَا لِخُصُوصِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ ". (1)

2 -

الفائدة الثانية: عن أبي هريرة- رضي الله عنه مرفوعاً (يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْل)(2)

(1) وانظر نيل الأوطار (3/ 7) وأعلام الموقعين (4/ 336) والزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 267) وعون المعبود (2/ 289)

(2)

أخرجه مسلم (511) وهنا فوائد: الأولى: وقد ورد رواية أبي داود (المرأة الحائض) فحَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ ذلك على الْمَرْأَةِ في وقت الحيض خاصة، وَعَلَّلَهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ فِي الْحَائِضِ بِمَا تَسْتَصْحِبُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ، كما أنه أطلق الكلب عن وصفه بالأسود في الحديث، وقيد به في الحديث الآخر، فيحمل المطلق على المقيد، وقالوا: لا يقطع إلا الأسود، فتعين في المرأة الحائض حمل المطلق على المقيد.

والصحيح -والله أعلم - أنَّ المقصود بها المرأة التى بلغت سن المحيض ،وليس المقصود المرأة فى فترة الحيض ،فإنَّ لفظة "حائض" تطلق أحياناً ويراد بها البلوغ، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)، ومن حيث المعنى: فقد خصت الحائض -أي: المرأة البالغة- في الحديث لأن الفتنة تكون في المرأة التي قد بلغت، فيحصل التشويش في فكر الإنسان وهو في صلاته عندما تمر به امرأة بين يديه فينشغل بها أو يفتتن بها، ومثل هذا المعنى متحقق في الحائض وغير الحائض كما ذكره وأيده (ابن خزيمة) في صحيحه [2/ 22]- فإنَّ هذا لا يمكن أنْ تأتي به الشريعة لاستحالة العلم به على المرأة المارَّة.

الثانية: مرور الجارية الصغيرة التي لم تحض لايقطع الصلاة؛ لأنَّ الحديث قد نص على المرأة، والجارية الصغيرة لا يقال لها امرأة، ولرواية يقطع الصلاةَ: المرأةُ الحائضُ والكلب " أخرجها أبو داود بسند صحيح، "وَقد سُئِلَ قَتَادَةُ: هَلْ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْجَارِيَةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ؟ قَالَ: لا. أخرجه عبد الرزاق (2356) وسنده صحيح، وانظر تنقيح التحقيق (2/ 315) وطرح التثريب (2/ 391) وصحيح فقه السنة (1/ 343)

ص: 129

والمراد - والله أعلم - بقطع الصلاة في هذا الحديث هو إبطالها ، وقد ذهب إلى هذا من الصحابة أبو هريرة وأنس وابن عباس في رواية عنه، وابن عمر وأبو ذر رضي الله عنهم وهو رواية عن أحمد، وهو قول ابن تيمية وأهل الظاهر والصنعاني وابن حزم وابن العربي والشوكاني، وهوا ختيار ابن باز وابن العثيمين والألباني، وعليه فتوى اللجنة الدائمة. . (1)

قال شيخ الاسلام ابن تيمية: وَالَّذِينَ خَالَفُوا أَحَادِيثَ الْقَطْعِ لِلصَّلَاةِ لَمْ يُعَارِضُوهَا إِلَّا بِتَضْعِيفِ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ تَضْعِيفُ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْحَدِيثَ كَمَا ذَكَرَ أَصْحَابُهُ، أَوْ بِأَنْ عَارَضُوهَا بِرِوَايَاتٍ ضَعِيفَةٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:«لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ» ، أَوْ بِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ مُخْتَلِفِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ بِرَأْيٍ ضَعِيفٍ لَوْ صَحَّ لَمْ يُقَاوِمْ هَذِهِ الْحُجَّةَ. ا. هـ (2).

(1) أما قول الشافعى: أنَّ معنى القطع ليس البطلان إنما هو قطع الشغل بها ،قال وقضى الله أن لا تزر وازرة وزر أخرى ،فلا يبطل عمل رجل عمل غيره، نقول: أن الشرع أمر باتخاذ السترة على العموم؛ وذلك لئلا ينشغل المصلِّى بمن يمر أمامه، فلو كانت هذه الثلاثة المذكورة في الحديث تشغل المصلي فقط كغيرها، وليس فيها قطع للصلاة، لما كان في تخصيص هذه الثلاثة فائدة، فتأمل، وانظر المحلى (4/ 12) وسبل السلام (1/ 284) وصحيح فقه السنة (1/ 342) وكشف المشكل (1/ 369) ومعرفة السنن والآثار (2/ 142) والفتح الرباني (4/ 78)

(2)

ذكره في القواعد النورانية (1/ 31)

ص: 130

قلت: ويؤيد أنَّ معنى القطع بطلان الصلاة: عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كُنْت أُصَلِّي إلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَدَخَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ - يُرِيدُ جَرْوًا - فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيَّ فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا أَنْتَ فَأَعِدْ الصَّلَاةَ؛ وَأَمَّا أَنَا فَلَا أُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيَّ. (1)

(1) أخرجه ابن المنذر في الأوسط (5/ 101) وابن جرير في تهذيب الآثار (1/ 307) وابن حزم في المحلى (4/ 12) وصححه ابن حزم، وهو كما قال، وانظرتحقه الأحوذى (2/ 260) ونيل الأوطار (3/ 16)

فائدة: وقد ذهب الجمهور أنَّ الصلاة لا يبطلها مرور مثل هذه الأشياء، وإنما المراد بالقطع في الحديث هو نقصان أجر المصلي؛ وذلك لحديث ابن عباس حينما مر على حمار بين الصفوف، ولحديث عائشة: حينما صلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي مضطجعة على السرير. نقول: والراجح أنَّ المقصود بالقطع هو البطلان لما ذكرنا أعلاه، أما حديث ابن عباس فالجواب عليه: أنه مر أمام المأمومين، ولاشيء في ذلك؛ لأنَّ الإمام سترة لهم، أما حديث عائشة: فنحن نفرق بين المار والقار، فالذي يبطل صلاة الرجل هم مرور المرأة لا استقرارها، ؛ وذلك لقوله- صلى الله عليه وسلم " لو يعلم المار بين يدي المصلِّي ........ " فمفهومه التفريق بين المار وغيره، والله أعلم، وانظر التمهيد (2/ 342) والإعلام لابن الملقن (3/ 301)

ص: 131

فإن قيل: قد رُوى مرفوعاً (لا يقطع الصلاة شيء)

فالجواب: أنه حديث ضعيف، لا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. (1)

فإن قيل: ما الحكمة في أنَّ المرأة تقطع صلاة الرجل؟ ؟

الحمد لله أولاً: الواجب على المسلم التسليم لأحكام الشرع، سواء فهم الحكمة منها أم لم يفهمها.

ثانياً: المرأة ليست نجسة، ولكن قد التمس بعض العلماء علة لقطع المرأة للصلاة، وهي: أن المرأة تفتن الرجل، فيحصل بذلك التشويش وانشغال القلب من المصلِّي. (2)

فإن قيل: هل تقطع المرأة صلاة المرأة؟

الصحيح -والله أعلم- أنَّ مرور المرأة أمام المرأة لا يقطع صلاتها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ: الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ وَالْمَرْأَةُ» فخص الحكم بقطع صلاة الرجل دون المرأة، قال قتادة: لا تقطع المرأة صلاة المرأة " (3)، وهو قول ابن حزم.

ومن الفوائد المهمة:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلَّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحره، فإنْ أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان. (4)

(1) أخرجه أبوداود (719) وفى سنده مجالد بن سعيد،، وقد ضعَّفه الجمهور؛ حيث أنه قد اختلط بآخره، كما نص على ذلك الحافظ في التقريب (5/ 371). وضعَّف الحديث ابن حجر وابن حزم والنووى، وانظر طرح التثريب (2/ 349) وبلوغ المرام (253) والتحديث بما لم يصح فيه حديث (ص/ 64)

(2)

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (17/ 12)

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (2356) وسنده صحيح.

(4)

أخرجه أحمد (11607) والبخاري (509) ومسلم (259) وأبوداود (700)

ص: 132