المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌9 - باب البيان والشعر - المفاتيح في شرح المصابيح - جـ ٥

[مظهر الدين الزيداني]

فهرس الكتاب

- ‌20 - كِتَابُ اللِّبَاسِ

- ‌1 - باب

- ‌2 - باب الخاتَمِ

- ‌3 - باب النَّعَال

- ‌4 - باب التَّرجيلِ

- ‌5 - باب التَّصاويرِ

- ‌21 - كِتابُ الطَّبَّ وَالرُّقى

- ‌2 - باب الفَأْلِ والطِّيرَةِ

- ‌3 - باب الكهَانَةِ

- ‌22 - كِتَابُ الرُّؤيَا

- ‌23 - كِتَابُ الآدَابِ

- ‌1 - باب السَّلامِ

- ‌2 - باب الاسْتِئْذَانِ

- ‌3 - باب المُصافحَةِ والمُعانَقَةِ

- ‌4 - باب القِيَام

- ‌5 - باب الجُلوُسِ والنَّومِ والمَشْيِ

- ‌6 - باب العُطَاسِ والتَّثَاؤُبِ

- ‌7 - باب الضَّحِكِ

- ‌8 - باب الأَسَامِي

- ‌9 - باب البَيانِ والشَّعرِ

- ‌10 - باب حِفْظِ اللِّسانِ والغِيْبةِ والشَّتمِ

- ‌11 - باب الوَعْدِ

- ‌12 - باب المُزَاحِ

- ‌13 - باب المُفاخَرَةِ والعَصَبيَّةِ

- ‌14 - باب البرِّ والصِّلَةِ

- ‌15 - باب الشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ على الخَلْقِ

- ‌16 - باب الحُبِّ في الله والبُغْضِ في الله

- ‌17 - باب ما يُنهَى من التَّهاجُرِ والتَّقاطُعِ واتباعِ العَوْراتِ

- ‌18 - باب الحذَرِ والتَّأَنَّي في الأُمورِ

- ‌19 - باب الرفق والحياء وحسن الخلق

- ‌20 - باب الغضب والكبر

- ‌21 - باب الظُّلمِ

- ‌22 - باب الأمر بالمعروف

- ‌24 - كِتابُ الرَّقَاقِ

- ‌2 - باب فضلِ الفُقَراءِ وما كانَ من عَيْشِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌3 - باب الأَمَلِ والحِرْصِ

- ‌4 - باب استِحبابِ المالِ والعُمُرِ للطَّاعةِ

- ‌5 - باب التَّوَكلِ والصَّبرِ

- ‌6 - باب الرِّياءِ والسُّمْعَةِ

- ‌7 - باب البُكاءِ والخَوْفِ

- ‌8 - باب تَغيُّرِ النَّاسِ

- ‌9 - باب

- ‌25 - كِتابُ الفِتَنِ

- ‌2 - باب المَلاحِمِ

- ‌تَتِمَّة المَفَاتِيح فِي شَرْحِ المَصَابِيْحِ

- ‌3 - باب أَشْراطِ السَّاعَةِ

- ‌4 - باب العلاماتِ بين يَدَي السَّاعةِ، وذِكْرُ الدَّجَّالِ

- ‌5 - باب قِصَّةِ ابن الصَّيَّادِ

- ‌6 - باب نزولِ عيسى عليه السلام

- ‌7 - باب قُرْبِ السَّاعَة وأنَّ مَنْ ماتَ فقد قامَتْ قيامَتُه

- ‌8 - باب لا تقومُ السَّاعةُ إلا على الشِّرارِ

- ‌1 - باب النَّفْخِ في الصُّورِ

- ‌2 - باب الحَشْرِ

- ‌3 - باب الحِسَابِ والقِصَاصِ والمِيْزانِ

- ‌4 - باب الحَوْضِ والشَّفاعَةِ

الفصل: ‌9 - باب البيان والشعر

ولم يعلموا صِحَّتَه، يقولون: زعموا أن القضية كيت وكيت، أو زعم فلانٌ أنه سمع كذا، أو رأى كذا، وما أشبهَ ذلك، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتكلَّمُوا بكلامٍ لم يَعلَمُوا صِحَّتَه.

سُمِّيَ التكلُّم بـ (زعَمُوا) مطيةً؛ لأن الرجلَ يتوصَّلَ بهذا الكلام إلى مقصوده من إثبات شيءٍ، كما أنَّ الرجلَ يتوصَّلُ إلى بلدٍ بواسطة مطيتهِ.

* * *

3713 -

وعَنْ حُذيْفَةَ عَنِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تَقَوُلُوا: مَا شَاءَ الله وشَاءَ فُلَانٌ، وَقُولُوا: مَا شَاءَ الله ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ".

قوله: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان"، وعلةُ النهي عن هذا الكلامِ أنه يلزم من هذا الكلامِ الاشتراكُ بين الله وبين العباد في المشيئَة؛ لأن الواوَ للجَمْعِ والاشتراك، ويجوزُ: ثم شاء الله؛ لأن (ثُمَّ) للتراخي؛ يعني: شاء الله، ثم بعد مشيئةِ الله يشاءُ فلانٌ.

* * *

‌9 - باب البَيانِ والشَّعرِ

(باب البيان والشعر)

مِنَ الصِّحَاحِ:

3719 -

عَنِ ابن عُمرَ رضي الله عنهما قَال: قَدِمَ رَجُلانِ مِنَ المَشْرقِ فخطَبا فعَجِبَ النَّاسُ لِبيَانِهِما، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا".

قوله: "إن من البيان لسحرًا"، (البيانُ): الفصاحة، و (السحرُ): صَرْفُ

ص: 159

الشيء من جهةٍ إلى جهة، أو حالٍ إلى حال.

و (السحرُ): فعلُ الشيءِ يخيَّلُ للناظر أنه قد فعلَ الشيء الفلانيَّ وما فعلَه، ويخيَّلُ إليه أنه قتلَ فلانًا وما قتلَه، وما أشبهَ ذلك.

يعني: قد يزينُ الرجلُ كلامَه بأنواعِ البلاغةِ بحيثُ يحسَبُه المستمعُ حقًا وصدقًا، ولم يكنْ كذلك، كما أنَّ الساحرَ يغيرُ الأشياءَ في نظر الناظر، ولم تكنْ في الحقيقة مغيَّرَةً؛ يعني: كما أنَّ السَّحْرَ حرامٌ، فكذلك تزيينُ الكلام حرامٌ.

* * *

3720 -

وقَالَ: "إنَّ مِنَ الشِّعرِ حِكْمَةً".

قوله: "إن مِنَ الشِّعْر لحكمةً"، الشِّعْرُ المَذْمُومُ هو الذي فيه كلامٌ قبيح، فأما الشعر الذي هو موعظةٌ وثناءٌ على الله وعلى رسوله، والنصيحةُ للمسلمين، وتحبيبُ الآخرة في قلوب المسلمين، وإهانةُ الدنيا في نظرهم، وما أشبهَ ذلك = فهو محمود.

و (مِن) في هذين الحديثين: للتبعيض.

روى هذا الحديثَ أُبَيُّ بن كعب.

* * *

3721 -

وقَالَ: "هلَكَ المُتَنَطَّعُونَ"، قَالَهَا ثَلاثًا.

قوله: "هلكَ المُتَنَطَّعُون"، (المُتنطَّعُ): الذي يُوْقع الكلامَ في نِطْعِ الفَم، وهو الغار الأعلى من الطبقةِ العُلْيا إلى أقصى الفم؛ يعني: لمن صوتُه من قَعْرِ حَلْقه، ويردَّدُه في فمه من الرُّعونة، وإنما هلكَ المتنطَّعُ؛ أي: فات عنه الثوابُ؛

ص: 160

لأنه يتكلَّمُ رياءً وفخرًا، وإظهارًا لفصاحته، وفضلهِ على غيره، ومَنْ كانت هذه صفتُه لا يكونُ له إخلاصٌ.

روى هذا الحديثَ ابن مسعود.

* * *

3722 -

وقَالَ: "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبيدٍ:

أَلا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلا الله باطِلٌ".

قوله: "ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطِلُ"؛ يعني: ما سوى الله، وسوى ما يتعلَّقُ برضا الله، وما سوى أسمائه وصفاته وأوامرِه ونواهيه ما سوى هذه الأشياء باطلٌ.

قوله: "وكلُّ نعيمٍ لا محالَة زائلُ"، (لا محالة)؛ أي: البتَّةَ؛ يعني: كلُّ نعيمٍ الدنيا زائلٌ إلا نعيمَ الآخرة، فإنه لا يزول.

روى هذا الحديثَ أبو هريرة.

* * *

3723 -

وعَن عَمرِو بن الشَّريدِ، عَنْ أبيهِ، قال: رَدِفْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَقَالَ: "هلْ مَعَكَ مِن شِعْرِ أُمَيَّةَ بن أبي الصَّلتِ شَيءٌ؟ " قُلتُ: نَعَم، قَال:"هِيْهِ"، فأَنشدْتُه بَيْتًا، فَقَال:"هيهِ"، ثُمَّ أنشدْتُهُ بيتًا، فَقَالَ:"هِيْهِ"، حتى أَنشدتُه مئةَ بيْتٍ.

قوله: "هِيْهِ"، أصلُه (إيْهِ) بالهمزة، فقُلِبت الهمزة هاءً كما يقال: هَرَاق وأَرَاق: إذا صب الماء، ولفظُ (إيه) إذا كان بسكون الهاء أو بكسرها وتنوينها، معناها: زِدْ، وإن كان بفتح الهاء وتنوينها معناها: اكفف؛ أي: امنَعْ واتركْ.

ص: 161

هذا الحديثُ يدلُّ على استحسان قراءة شعر فيه حكمةٌ وموعظة.

* * *

3724 -

وعَنْ جُنْدَبٍ: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ في بَعْضِ المَشَاهدِ وقَد دَمِيَتْ إِصبَعُه فَقَال:

"هَلْ أنتِ إِلاّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ

وفي سَبيْلِ الله ما لَقِيتِ"

قوله: "في بعض المشاهد"؛ أي: في بعض الغزوات.

"وقد دَمِيَتْ"، الواو للحال، (دَمِيَتْ)؛ أي: تجرَّحَتْ.

فإن قيلَ: لم يَجُزْ للنبيَّ صلى الله عليه وسلم إنشاءُ الشعر، فكيف أنشأَ هذا البيتَ؟

قلنا: اختلف العلماء في أنه صلى الله عليه وسلم هل كانَ يُحْسِنُ الشعرَ أم لا؟

فقال بعضهم: يحسنُ الشعر ولكن لا يقولُه، كي لا يقولَ الكفار: إنه شاعر.

وقال بعضهم: إنه صلى الله عليه وسلم لا يحسِنُ الشعرَ وهو الأصحُّ، فقوله تعالى:{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69].

وأما إنشاؤه هذا الشعرَ وأشباهَه: فإن هذا رَجَزٌ، والرَّجَزُ ليس من الشعر في قول، وفي قول الرَّجَزُ شعرٌ، ولكن قال النبي صلى الله عليه وسلم:"هل أنتِ إلا إصبعٌ دَمِيتِ" بكسر التاء، وكذلك:"ما لَقِيْتِ" بكسر التاء من غير مدِّها؛ ليخرجَ من نَظْم الشِعر، ولم يقصِدْ بتكلُّمه صلى الله عليه وسلم بهذا أو أشباهه الشعرَ، ولكن خرَج من عامَّةِ فصاحته على نَظْمِ الشعر من غير قصدهِ الشِّعْرَ.

* * *

3725 -

وعَنِ البَراءِ بن عَازِبٍ رضي الله عنه قَال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يومَ قُرَيْظَةَ لِحَسَّانَ بن ثابتٍ: "اهْجُ المُشْرِكينَ، فإنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ".

ص: 162

قوله: "اهْجُ المشركين"؛ أي: اذكر عيوبَهم ومساوِئهم وقِلَّةِ عقولِهم في عبادتهم للأصنام. وهجوُ الكفار جائزٌ.

* * *

3726 -

وكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم يقُولُ لِحَسَّانَ: "أَجِبْ عنِّي، اللهمَّ! أَيدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ".

"أَجِبْ عني"؛ أي: اهْجُهم، فإني لا أُحْسِنُ الشعرَ حتى أهجوَهم.

* * *

3727 -

وعَنْ عَائِشةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: "اهْجُوا قُرَيْشًا، فإنَّه أَشَدُّ عَليْهِم مِن رَشْقِ النَّبلِ".

وقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ لِحَسَّانَ: "إنَّ رُوحَ القُدُسِ لا يَزالُ يُؤَيدُكَ ما نافَختَ عَنِ الله ورَسُولِه".

وقالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ: "هَجاهُم حَسَّانُ فَشَفَى واشْتَفَى".

قوله: "من رَشْق النَّبْل"؛ أي: من رمي النبل.

قوله: "إن رُوح القُدُس"؛ أي: إن جبريل عليه السلام "لا يزالَ"؛ أي: أبدًا، "يؤيدك"؛ أي: يقوَّيكَ ويعينك "ما نافَحْتَ"؛ أي: ما دُمْتَ تدفعُ المشركين عن عباد الله ورسوله بأن تهجوَهم وتذكر مساوئهم.

قوله: "فشفى"؛ أي: شَفى المسلمين، "واشتفى"؛ أي: وجدَ هو الشفاءَ بأن هجا المشركين.

* * *

3728 -

عَنِ البَراءِ قَال: كانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم ينقُلُ التُّرابَ يومَ الخَنْدقِ حتَّى اغبَرَّ بطْنُهُ ويَقُولُ:

ص: 163

"والله لَوْلا الله ما اهتَدَيْنَا

ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّينَا

فأَنْزِلَنْ سَكِيَنةً عَلَيْنَا

وَثَبت الأَقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا

إنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا

إذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

يَرْفَعُ بِها صَوْتَه: أَبَيْنا، أَبَيْنا".

قوله: "ينقُلُ الترابَ يومَ الخندقِ"، يوم اتفقَ قبائلُ العربِ على محاربةِ النبي صلى الله عليه وسلم، وجاؤوا حتى نَزَلُوا حولَ المدينة ليحارِبُوا، فقيل للنبي: طريقُ دَفْعِهم بأن يحفِرُوا حولَ المدينة خندقًا كي لا يقدِرُوا أن يتجاوزوا الخندقَ، فلا يَصِلُون إلينا، فإنهم أكثرُ من أن نَقْدِرَ على مقاومتهم، فاشتغلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه بحفْرِ الخندقِ حتى فاتت عنهم صلاةُ العَصْر، فأرسلَ الله على الكُفَّارِ ريحًا شديدًا، وهي ريح الصَّبَا، فقَلَعَتْ خيامَهم، وكسرتْ قدورَهم، ورمتِ الترابَ على وجوههم، وأُلْقِيَ في قلوبهم الخوفُ فهربوا، وسَلَّمَ الله نبيَّه والمؤمنين مِن شرِّ الكفار.

قوله: "حتى اغبرَّ بطنُه"؛ أي: حتى صار ذا غبارٍ؛ أي: وقعَ عليه الغبارُ حتى سَتَرَ الغبارُ لونَ بشرته.

"لولا الله"؛ أي: لولا فضلُ الله علينا بأن هدانا إلى الإسلام.

"إن لاقينا"؛ يعني: إن لاقينا الكفارَ ثَبَّتَنا على محاربتهم.

"إن الأُولَى"؛ أي: إن هؤلاءِ الكُفَّار.

"بَغَوا"، أصلُه: بَغَيُوا، فقُلِبت الياءُ ألفًا، وحُذفت لسكونها وسكون الواو، ومعناه: ظلموا.

"إذا أرادوا فِتنةً أَبَيْنا"؛ يعني: إذا أرادُوا أن يُوْقِعُونا في الكفر والضلالة امتنعنا عن قَبُوله.

* * *

ص: 164

3729 -

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَال: جَعَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُون الخَنْدقَ وينقُلُونَ التُّرابَ وهُم يَقُولُونَ:

نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّدًا

على الجِهَادِ ما بَقِيْنا أَبَدًا

ويَقُولُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وهوَ يُجيْبُهُم:

"اللهمَّ! لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخِرهْ

فاغْفِرْ للأَنْصَارِ والمُهاجِره"

قوله: "والمهاجرة"، التاء هنا للجَمْع، يريد المهاجرين.

* * *

3730 -

وقَال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيْهِ خَيْرٌ مِن أَن يَمْتَلِئَ شِعْرًا".

قوله: "لأَنْ يمتلئَ جوفُ رجلٍ قَيْحًا يَرِيْهِ"، و (يُري): إذا ثقبَ القَيْحُ باطنَ الجرح ووسَّعَه، والمراد بالشِّعْرِ هنا: شِعْرٌ به هَجْوٌ لمسلم، أو كذبٌ، أو غيرُهما من المنهيَّات.

روى هذا الحديثَ أبو هريرة.

* * *

مِنَ الحِسَان:

3731 -

عَنْ كَعْبِ بن مَالكٍ رضي الله عنه: أنَّه قَال للنَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله تعالى قَدْ أَنْزلَ في الشِّعرِ مَا أَنْزلَ، فَقَال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"إنَّ المُؤْمنَ يُجاهِدُ بسيفِه ولِسانِه، والذي نفسي بيدِه، لَكَأنَّما ترمُونَهم بِهِ نَضْحُ النَّبلِ".

قوله: "إن الله تعالى قد أنزلَ في الشِّعر ما أنزلَ"، يريد كعب بن مالك

ص: 165

بهذا الكلام: أن الله ذمَّ الشاعرين بقوله: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء: 224]، فهل يجوزُ لنا أن نقول الشعرَ في هجو الكفار أم لا؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه"، يعني: هَجْوُ المؤمنِ الكفَّارَ جهادُه وكأنما ترمونهم به.

"نَضْح النَّبْل"؛ يعني: إذا هجوتم الكفارَ يشقُّ عليهم هجْوُكم كما يشقُّ عليهم رَمْيُكم إياهم بالنَّبْل.

(النَّضْحُ): الرميُ، تقدير هذا الكلام: لكأنَّما ترمونهم به؛ أي: بالهَجْوِ نَضْحًا مثلَ نَضْحِ النَّبْل؛ أي: رميًا مثلَ رَمْيِ النَّبْل.

* * *

3732 -

عن أَبي أُمامَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الحَيَاءُ والعِيُّ شُعبَتانِ مِن الإِيْمانِ، والبَذاءُ والبَيَانُ شُعبَتانِ مِن النِّفاقِ".

قوله: "الحياءُ والعِيُّ شعبتان من الإيمان، والبَذَاءُ والبَيَانُ شعبتان من النفاق".

(العِيُّ): التحيُّر والاحتباسُ في الكلام، وأراد بالعِيِّ هنا: السكوتَ عما فيه إثمٌ من الكلام والشعر، و (البَذَاءُ) خلافُ (الحياء)، و (البيانُ): الفصاحة، أراد بالبيان هنا: ما فيه إثمٌ من الفصاحة، كهَجْوِ أحدٍ أو مَدْحِه بما لا يليقُ بالبشر.

* * *

3733 -

عَنْ أَبي ثَعلبَةَ الخُشَنيِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: "إنَّ أَحَبَّكم إِليَّ وأَقْرَبَكم مِنَّي يَوْمَ القَيامةِ أحاسِنُكُم أَخَلَاقًا، وإِنَّ أَبْغضَكُم إليَّ وأَبْعَدَكم مِنَّي مَسَاوِئُكم أخلَاقًا، الثَّرثَارُونَ المُتشدِّقُونَ المُتَفَيْهِقُونَ".

قوله: "أحاسنُكم"، جمع الأَحْسَن، قوله:(المساوئ): جمع سُوْء،

ص: 166

وهو ضد الحُسْن، وهذا جمعٌ نادرٌ كالمَحَاسن جمع الحَسَن.

"الثَّرْثَارون"؛ يعني: المُكْثِرُون الكلامَ من غير فائدة دينية.

"المتشدِّقُ": المستهزئُ بالناس الذي يَلْوِي شِدْقَه - أي: جانب فمه - استهزاءً بالناس.

"المُتَفَيْهِق": الواسعُ الكلامِ من غاية التكلُّف والرعونة، يتوسَّعُ في الكلام ولا يبالي أخَيرٌ يقول أم شرٌ؟

وقيل: (المُتَفَيْهِقُ): المتكبر.

وقد جاء في "الصحاح": أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا تحدَّثَ بهذا الحديث قال الحاضرون من الصحابة: عَلِمنا الثَّرْثَارين والمُتَشَدِّقِين، فما المُتَفَيْهِقُ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"هو المُتَكَبر".

* * *

3734 -

عَنْ سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ قَال: قَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى يخرُجَ قَوْمٌ يأكُلُونَ بألسِنَتِهِم كمَا تأكُلُ البَقَرُ بِأَلِسنَتِها".

قوله: "كما تأكلُ البقرة"؛ يعني: كما أنَّ البقرةَ تأكل الحشيشَ من كلِّ نوعٍ، ولا تُمَيزُ بين النافعِ والضَّارِّ، فكذلك هؤلاء لا يُبالُون بما يقولون من كلامهم، ويقرؤون من شعرهم أنه حسنٌ أم قبيحٌ؟ فيه ثوابٌ أم إثمٌ؟

* * *

3735 -

عَنْ عَبدِ الله بن عَمرٍو: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: "إنَّ الله يُبغِضُ البَليغَ مِن الرِّجالِ، الَّذي يتَخَلَّلُ بلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ البَاقِرَةُ بِلِسانِها"، غريب.

قوله: "البَلِيغ"؛ أي: الفصيح.

ص: 167

"الذي يتخلَّلُ"؛ أي: يأكل.

"الباقرة"، بمعنى البقرة، ومعنى هذا الحديث كمعنى الحديث المتقدِّم.

* * *

3736 -

عَنْ أنسٍ رضي الله عنه قَال: قَال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَرَرْتُ لَيْلةَ أُسرِيَ بي بِقَومٍ تُقْرَضُ شِفاهُهم بمقارِيضَ مِنَ النَّارِ، فَقُلْتُ: يا جبريلُ! مَن هؤُلاءِ؟ قَال: هَؤلاءِ خُطباءُ أُمَّتِكَ الَّذينَ يقولونَ ما لا يعلَمونَ"، غريب.

قوله: "ليلةَ أُسْرِيَ"؛ أي: ليلة المعراج.

"تقرِضُ"؛ أي: تَقْطَعَ "شِفَاهَهم"، (الشِّفاهُ): جمع الشَّفَة.

"بمقاريضَ"، هي جمعُ المِقْرَاض، وهو ما يُقْطَعُ به الظُّفرُ والشَّعْر وغيرهما، والمراد بهذا: القومُ الذين يأمُرون الناس بالبرَّ، ويَفْعَلُون خلافَ ما يقولون.

* * *

3737 -

عَنْ أبي هُريْرَةَ رضي الله عنه قَال: قَال رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن تَعَلَّم صَرْفَ الكَلامِ ليَسبيَ به قُلوبَ الرِّجَالِ - أَوِ: النَّاس - لَمْ يقبلِ الله مَنْهُ يومَ القِيامةِ صَرْفًا ولا عَدْلاً".

قوله: "مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الكلام"؛ أي: مَنْ تَعَلَّمَ الفصاحةَ وأنواعَ البلاغةِ من الشعرِ وغيرِه من العلومِ، لا لله، بل "ليَسْبيَ به"؛ أي: ليجعلَ قلوبَ الناسِ إليه مائلةً ومُريدةً له.

"لم يقبلِ الله منه يوم القيامة صَرْفًا ولا عَدْلاً"، (الصَّرْفُ): الحيلة، و (العَدلُ): الفِدَاء.

وقيل: (الصَّرْفُ): الفريضة، و (العدلُ): النافلة، وقيل:(الصَّرْفُ): التوبة،

ص: 168

و (العَدْلُ): القُرْبَة.

* * *

3738 -

عَنْ عَمرِو بن العَاصِ: أنَّه قَال يَوْمًا - وقَامَ رَجُلٌ فأكثرَ القَولَ - قَالَ عمرٌو: لو قَصَدَ في قولِهِ لَكَانَ خَيْرًا لهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"لَقْد رَأَيتُ - أو: أُمِرتُ - أنْ أتجوَّزَ في القَولِ، فإنَّ الجَوازَ هُوَ خيرٌ".

قوله: "لو قَصَدَ في قوله"؛ يعني: لو قال كلامًا غير مُطَوَّل.

"أن أَتَجَوَّزَ"؛ يعني: أن أقْتَصِرَ؛ يعني: أنْ أقولَ كلامًا قليلَ الألفاظ كثيرَ المعاني.

"فإن الجَوَاز"؛ أي: فإن الاقتصارَ.

* * *

3739 -

عن صَخْرِ بن عبدِ الله بن بُرَيْدَةَ، عَنْ أبيْهِ، عَنْ جَدَّه رضي الله عنهم، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُول: "إنَّ مِن البَيانِ سِحْرًا، وإنَّ مِن العِلْمِ جَهْلاً، وإنَّ مِن الشَّعرِ حُكْمًا، وإنَّ مِنَ القَولِ عِيَالاً".

قوله: "وإنَّ من العِلْمِ جهلاً"؛ يعني: قد يكون من العلوم ما يكونُ كالجَهْل، بل الجهلُ خيرٌ منه؛ لكونه عِلْمًا مذمومًا.

"وإن من القول عيالاً"؛ يعني: قد يكونُ من أقوالِ الرجالِ ما يكونُ عليه منه إثمٌ؛ لكونه من مناهِي الشرع، وباقي هذا الحديثِ قد ذُكِرَ في أول هذا الباب.

* * *

ص: 169