الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 - باب الحِسَابِ والقِصَاصِ والمِيْزانِ
(باب الحساب والقصاص)
مِنَ الصِّحَاحِ:
4300 -
عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه، عن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"يَدْخُلُ منْ أُمَّتي الجَنَّةَ سَبعونَ ألفًا بغيرِ حِسابٍ".
"يدخلُ من أمتي الجنةَ سبعون ألفًا بغيرِ حسابِ": اختلف النحاة في أن الدخول لازم أو متعد، فإن كان لازمًا، فـ (الجنة) نصب على الظرف، وإن كان متعديًا فهو مفعول به، فالأصح أنه لازمٌ.
ويحتمل أن يُريد بقوله: "سبعون ألفًا" هذا العدد فحسب، ويحتمل أن يُريد به الكثرةَ، كما ذُكِر في مواضعَ، والمرادُ به الكثرة.
قال تاج القراء في تفسيره "اللباب والغرائب" في قوله سبحانه: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196]: روى أبو عمرو وابن الأعرابي عن العرب: سبَّع الله لك الأجرَ؛ أي: أكثر لك؛ أراد التضعيف.
وقال الأزهري في قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} [التوبة: 80]: جمع السبع الذي يُستعمَل للكثير، ألا ترى أنه لو زاد على السبعين لم يغفر لهم؟ ولهذا جاء في الأخبار: سبع وسبعون وسبع مئة.
فإذا كان كذلك فالمراد بالسبعين جمع السبع الذي يُستعمَلُ للكثرة، لا للعدد الذي فوق الستين ودون الثمانين.
* * *
4301 -
عن عائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيامَةِ إلَّا هَلَكَ"، قلتُ: أَوَ ليسَ يقولُ الله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} فقالَ: "إنَّما ذلكَ العَرْضُ، ولكنْ مَنْ نُوقِشَ في الحِسابِ يَهلِكُ".
قوله: "من نُوقِش الحسابَ يهلك"، (من) شرطية، و (نوقش) جملة شرطية، و (يهلك) جملة جزائية، يجوز في (يهلك) الجزم وتركه؛ إن جزم فظاهر؛ لأنه فعلٌ مستقبل، وإن لم يجزم فلأن اشرطَ ماضٍ، والجزاءُ يترتب على الشرط، فإذا كان الشرط غير مجزوم، فجزاءُهُ يجوز أن يكون غير مجزوم.
قال في "شرح السنة": (المناقشة): الاستقصاءُ في الحساب حتى لا يُترَكَ منه شيء، يقال: انتقشت منه جميعَ حقي، ومنه: نقش الشوكة من الرِّجل، وهو استخراجها منها؛ يعني: من جرى في حسابه مضايقةٌ بالنقير والقطمير، فقد هلك.
* * *
4302 -
وقالَ صلى الله عليه وسلم: "ما مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا سيُكلِّمُهُ ربُّه، ليسَ بينَهُ وبينَهُ تَرْجُمانٌ ولا حِجابٌ يَحْجُبُهُ، فيَنظُرُ أيْمنَ منهُ فلا يَرى إلَّا ما قدَّمَ منْ عَمَلِهِ، وينظُرُ أشْأمَ منهُ فلا يرَى إلَّا ما قَدَّمَ منْ عَمَلِهِ، ويَنْظُرُ بينَ يدَيْهِ فلا يَرَى إلَّا النَّارَ تِلْقاءَ وَجْهِهِ، فاتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بشِقِّ تَمْرَةٍ".
قوله: "ليس بينه وبينه ترجمانٌ ولا حِجابٌ"، (ترجم كلامه): إذا فسَّره بلسان آخر، ومنه (التَّرجمان) مثل الزعفران، ويقال: ترجمان، ولك أن تَضُمَّ التاء لضمة الجيم، فتقول: تُرْجُمان مثل: يَسروع ويُسروع، ذكره في "الصحاح".
يعني: ليس بين ربه تعالى وبين العبد ترجمان؛ يعني: مفسر، ولا حِجاب.
قوله: "فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله وينظر أشأم" الحديث.
(الأيمن): بمعنى اليمين، و (الأشأم): بمعنى الشمال؛ يعني: إذا كلَّم الله سبحانه عبدًا من عباده، فقد تحيَّر في ذلك الموطنِ بحيث لا مهربَ له ولا نصيرَ، فإذا نظر إلى يمينه وشماله، فلا يرى إلا العمل، وإذا نظرَ إلى بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاءَ وجهه.
"فاتقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ"؛ يعني: فإذا عرفتم ذلك، فاحذروا النارَ، ولو بشيء يسير؛ يعني: لا تجترئوا على المعاصي ولو كانت صغائر، فإن المعاصيَ في معرض المؤاخذة، إلا أن يتوبَ وتصلحَ سريرتُهُ.
* * *
4303 -
وقالَ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله يُدْني المُؤْمِنَ فيضَعُ عليهِ كَنَفَهُ ويَسْتُرُه فيقولُ: أَتَعْرِفُ ذنْبَ كذا؟ فيقولُ: نَعَمْ، أيْ رَبِّ! حتَّى إذا قرَّرَهُ بذُنوبهِ ورأَى في نَفْسِهِ أنَّهُ هَلَكَ قالَ: ستَرتُها عليكَ في الدُّنيا، وأنا أَغْفِرُها لكَ اليَوْمَ، فيُعْطَى كتابَ حَسناتِهِ، وأمَّا الكُفَّارُ والمُنافِقُونَ فيُنادَى بهِمْ على رؤُوسِ الخَلائقِ: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} ".
وقوله: "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه": (يُدنِي)؛ أي: يقرب.
(الكَنَف): الجانب، وجناح الطائر: كنفه، والكنف: الساتر، وحظيرة من شجرة تُجعَل للإبل، ذكره في "الصحاح".
أي: يستره ويحفظه، يقال: فلانٌ في كنف الأمير؛ أي: في حفظه ومعاونته، وقيل: يبرُّهُ ويرحمُهُ.
* * *
4304 -
وقالَ: صلى الله عليه وسلم: "إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ دَفَعَ الله إلى كُّلِّ مُسْلِمٍ يَهوديًا أو
نَصْرانِيًا فيقولُ: هذا فَكاكُكَ مِنَ النَّارِ".
قوله: "إذا كان يومُ القيامةِ دفعَ الله" الحديث.
(كان) هنا تامة، معناه: أتى أو ظهر.
يقال: دفع إلى فلان شيئًا؛ أي: أعطاه شيئًا.
فك الرهن وافتكه بمعنى؛ أي: خلَّصه، و (فَكاك الرهن): ما يُفتكُّ به، و (فِكاك الرهن) أيضًا بالكسر: لغةٌ حكاها الكسائي، ذكره في "الصحاح".
يعني: إذا جاء يوم القيامة أعطى الله سبحانه كلَّ مسلم يهوديًا أو نصرانيًا؛ ليلقيه في النار فداءً له، تحقيق هذا: أن كل مسلم يوم القيامة يُعطَى ما كان ليهودي أو نصراني من المنزلة والكرامة لو آمنَ بجميع الكتب والرسل خصوصًا بنبينا صلى الله عليه وسلم وكتابنا.
* * *
4305 -
وقالَ: "يُجَاءُ بنوْحٍ يومَ القِيامَةِ فيُقالُ له: هلْ بلَّغْتَ؟ فيقولُ: نعمْ، يا رَبِّ! فتُسأَلُ أمَّتُهُ: هلْ بلَّغَكُمْ؟ فيقولون: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ}، فيُقالُ: مَنْ شُهودُكَ؟ فيقول: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ"، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"فيُجاءُ بِكُمْ فتَشْهَدونَ أنَّهُ قدْ بَلَّغَ"، ثمَّ قَرأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} .
قوله: "ما جاءنا من نذير"، و (النذير): فعيل بمعنى مفعول، وفعيل قد يكون بمعنى فاعل، كـ (شفيع) بمعنى: شافع، وقد يكون بمعنى مُفاعِل كـ (سمير) بمعنى: مُسامر، وقد يكون بمعنى مُفعَل - بفتح العين - كـ (حكيم) بمعنى: محكَم، وقد يكون بمعنى مفعول كـ (ذبيح) بمعنى: مذبوح، والأخيرُ في صفة المذكر والمؤنث واحد، تقول: رجل جريح، وامرأة جريح.
قوله: {أُمَّةً وَسَطًا} ، (الوَسَط) بفتح السين: العدل والخيار، وإنما سمَّى أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسطًا؛ لأنهم لم يَغْلُوا غلوَّ النصارى، ولا قصَّروا تقصيرَ اليهود في حقوق أنبيائهم بالقتل والصلب، ذكره في "تفسير اللباب".
* * *
4306 -
عن أنس رضي الله عنه قالَ: كُنَّا عِنْدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فضَحِكَ، فقالَ:"هلْ تَدْرونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟ " قال: قُلنا: الله ورسولُه أَعْلَمُ، قال:"مِنْ مُخَاطَبةِ العَبْدِ رَبَّهُ، يقولُ: يا رَبِّ! أَلَمْ تُجِرْني مِنَ الظُّلمِ؟ "، قال:"فيقولُ: بَلَى"، قالَ:"فيقولُ: فإنَّي لا أُجيزُ على نَفْسِي إلَّا شاهِدًا مِنِّي"، قال:"فيقولُ: كَفَى بنفْسِكَ اليَوْمَ عليكَ شَهيدًا، وبالكِرامِ الكاتِبينَ شُهودًا"، قال:"فيُختَمُ على فيهِ، فيُقالُ لأَرْكانِهِ: انْطِقي"، قالَ:"فتَنْطِقُ بأَعْمالِهِ، ثُمَّ يُخَلَّى بينهُ وبينَ الكلامِ"، قال:"فيقولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كنتُ أُناضلُ".
قوله: "كفى بنفسِكَ اليومَ عليك شهيدًا"، (كفى): يستعمل لازمًا ومتعديًا إلى واحد وإلى اثنين؛ ومتى كان بمعنى: اكتفى، كان لازمًا، كما هو لفظ الحديث.
و (شهيدًا) نصب على الحال، و (عليك) معمول (شهيدًا).
يعني: اكتفِ بنفسِكَ في حال كونك شهيدًا.
(عليك): خبرٌ صورة أمرٌ معنى.
ومرة يُستعمَلُ متعديًا إلى واحد، كما قال المتنبي:
كَفَى بكَ داءً أن تَرَى الموتَ شَافيا
والباء زائدة في المفعول، و (أن ترى) فاعله، و (داء) نصب على التمييز. ومرة يتعدَّى إلى اثنين، قال الله تعالى:{وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} [الأحزاب: 25]، و (المؤمنين) و (القتال) مفعولاه.
قوله: "فيُختَمُ على فيه"؛ أي: على فمِهِ، "فيقال لأركانه"؛ أي: لجوارحه "انطقي" فتنطق بأعماله.
يعني: تشهد جوارحُهُ بذنوبه، فتقول يده (1) مثلًا: سرقتَ بي المال الفلاني، وتقول رجله: بي خطوتَ إلى المعاصي، وتقول العين: بي نظرتَ إلى الحرام، وتقول الأذن: بي سمعتَ الغيبة والبُهتان، ومصداقُ هذا قولُهُ تعالى:{الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65].
وشهادة - الجوارح وإن كُنَّ جمادات - ليست مستبعدةً؛ لأن البينة ليست شرطًا عند أهل السنة، قال الله تعالى:{أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: 21].
قوله: "ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام"؛ يعني: يُخلَّى العبدُ المجرمُ بينه وبين كلامِهِ، فيقول لجوارحه:"بُعدًا لكُنَّ وسُحقًا".
(بعدًا) و (سحقًا): من المصادر التي وجب حذفُ فعلها، وإنما وجب حذف فعلها؛ لأن كَثُرَ التلفظ بها، وفُهِمَ منها معنى الدعاء والإخبار، كما فُهِم من الفعل، فصارت كأنها بدل من اللفظ بالفعل، فلم يظهر الفعلُ معهنَّ حتى لا يجتمع البدل والمبدل.
والضمير المخاطب في (لكنَّ) للجوارح.
قوله: "فعنكُنَّ أناضل": قال في "الصحاح": فلان يناضلُ عن فلان: إذا تكلم بُعذرِهِ ودفعَ، وأصلُ المناضلة: المراماةُ بالسهام.
والمراد بها ها هنا: المحاجَّة بالكلام؛ يعني: كنت أخاصمُ مع الله سبحانه
(1) في جميع النسخ: "يده لصاحبه".
لخلاصكن من النار، وأنتن تلقينَ أنفسكُنَّ في النار.
* * *
4307 -
عن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه قال: يا رسولَ الله! هلْ نرَى ربنا يومَ القِيامةِ؟ قال: "هلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيةِ الشَّمْسِ في الظَّهيرَةِ ليسَتْ في سَحابَةٍ؟ " قالوا: لا، قالَ:"فهل تُضارُّونَ في رُؤْيَةِ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ ليسَ في سَحابَةٍ؟ " قالوا: لا، قالَ:"فوالذي نَفْسِي بيدِه، لا تُضَارُّونَ في رُؤْيةِ ربكُمْ إلَّا كما تُضارُّونَ في رُؤْيةِ أَحَدِهما. قال: "فيَلقَى العَبْدَ فيقولُ: أيْ فُلْ! أَلَمْ أُكْرِمْكَ وأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وأُسخِّرْ لكَ الخَيْلَ والإِبلَ وأذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقولُ: بلَى". قالَ: "فيقولُ: أفَظننْتَ أنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فيقولُ: لا، فيقولُ: فإنَّي قدْ أَنْساكَ كما نَسِيتَني، ثُمَ يَلقَى الثَّانيَ، فَذَكَرَ مِثْلَه، ثُمَّ يَلقَى الثَّالثَ فيقولُ لهُ مثلَ ذلكَ، فيقولُ: يا رَبِّ! آمَنْتُ بكَ وبكتابكَ وبرُسُلِكَ، وصَلَّيْتُ وصُمْتُ وتَصَدَّقْتُ، ويُثني بخَيْرٍ ما استَطاعَ، فيقولُ: ها هُنا إذًا، ثُمَّ يُقالُ: الآنَ نَبْعَثُ شاهِدًا علَيكَ، ويتَفَكَّرُ في نفسِهِ: مَنْ ذا الذي يَشْهَدُ عليَّ؟ فيُختَمُ على فيهِ، ويُقالُ لفَخِذِه: انْطِقي، فتنطِقُ فخِذُهُ ولَحْمُهُ وعِظامُهُ بعَمَلِهِ، وذلكَ ليُعذَرَ مِنْ نَفْسِهِ، وذلكَ المُنافِقُ وذلك الذي سَخِطَ الله عَلَيهِ".
قوله: "هل تُضارُّون في رؤيةِ الشمسِ في الظَّهيرةِ"، (الظهيرة): الهاجرة، وهي شدة الحرارة؛ يعني: نصف النهار.
قال في "الغريبين": (تُضارُون) بالتخفيف: من (الضير)، والأصل فيه (تُضْيَرون) على وزن (تُفعَلون) علي بناء ما لم يُسمَّ فاعله، فنُقِلت حركة الياء إلى الضاد، فقُلِبت الياء ألفًا، فصار: يُضارُون.
وبالتشديد: من (المضارة)، والمعنى واحد؛ أي: لا يخالفُ بعضكم
بعضًا، فيكذبه، ولا تنازعون، يقال: ضاررته مضارة: إذا خالفته، يقال: ضاره يضير [هـ]، وأهل العالية [يقولون]: يضوره.
يعني: لا ينالكم ضررٌ ولا ضيمٌ في رؤيته تعالى، وإنما بيَّن الرؤية عليه بهذه الكيفية، وأنزلها منزلةَ ما لا خفاءَ في رؤيته؛ يعني: رؤية الشمس في وقت الهاجرة؛ تحقيقًا لرؤيته سبحانه، وهذا التشبيهُ تشبيهُ الرائي بالرائي، لا تشبيه المرئي بالمرئي، تعالى الله عن سِمةِ الحدوث.
واعلم أن رؤية الله تعالى واجبة لأهل الحق عندهم، وإنما وجبت؛ لأنه تعالى وعد بمنطوق قوله تعالى:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] وبمفهوم قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15]، فإذا كان كذلك علمنا أن وعده واجب الوقوع لا محالةَ؛ لقوله سبحانه:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9].
قوله: "ألم أسوَّدْكَ"؛ أي: ألم أجعلك سيدًا.
قال في "الصحاح": وقولهم في النداء: (يا فُلْ) مخففًا، وإنما هو محذوفٌ من (يا فلان)، لا على سبيل الترخيم، ولو كان ترخيمًا لقال: يا فُلا، وربما قيل ذلك في غيرِ النداءِ للضرورة، قال أبو النجم:
في لَجَّةٍ أمسِكْ فلانًا عنْ فُلِ
و (اللجية) بفتح اللام معناها: الاضطراب والحركة، و (فلان): كناية عن اسم إنسان.
قوله: "ألم أكرمك وأسودك"؛ أي: ألم أجعلك سيدًا؟ والاستفهام هنا بمعنى التقرير، والواو في (وأذرك) عطف على قوله:(ألم أكرمك).
قال في "شرح السنة": ويروى: "تَرأَسُ وتربعُ"، (ترأس)؛ أي: تكون رئيسهم، و (تربع)؛ أي: تأخذ المِرباعَ من أموالهم، وهو الربع من رأس
ما غنموه إذا غزا بعضُهم بعضًا، كان الرئيسُ في الجاهلية يأخذه خالصة دون أصحابه.
ويروى: "تَرْبَع وتَدْسَع"؛ أي: تعطي فتجزل، والعربُ تقول للجواد: هو ضخمُ الدَّسيعة، وهي الجفنة، وقيل: المائدة الكريمة.
قوله: "ليُعذِرَ من نفسِهِ": وهو على بناء الفاعل من (الإعذار)، وهو ها هنا بمعنى أن يأتيَ الشخصُ بالعذر الصحيح من نفسه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
4308 -
عن أبي أُمامَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "وَعَدَني ربي أنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ منْ أُمَّتي سَبْعينَ ألفًا لا حِسابَ عَلَيهمْ ولا عذابَ، معَ كُلِّ ألفٍ سَبْعونَ أَلْفًا، وثلاثُ حَثَياتٍ منْ حَثَياتِ ربي".
قوله: "وثلاث حَثَيات من حَثَياتِ ربي": و (ثلاث): نصب معطوف على قوله: (ألفًا).
الحثية في اللغة: فعلة من (حثا يحثو ويحثي): إذا أخذ التراب ونثره على شيء؛ قال:
الحُصْنُ أَدْنَى لو تَآيَيْتِهِ
…
من حَثِيْكِ التُّرْبَ على الرَّاكبِ
قال الأزهري: (الحُصنُ): حصانة المرأة، وتآييته؛ أي: تعمدته وقصدته، تقول امرأةٌ لِبنتها حين حثتِ الترابَ على وجه الراكب.
والمراد ها هنا: قبضة من قبضاته؛ أي: عدد غير معلوم، كما أنَّ ما يُؤخَذُ بالكف من التراب أو غيره يكون غير محصور.
فالمعنى - والله أعلم - أنه يكون مع هذا العدد عددٌ كثير غيرُ معلوم؛ لأن تخصيص الحثية أنها غير معلومة المقدار، كالكفِّ من التراب لا يعلم عدده.
والحثيات فوق ثلاث لا يعلمُ عددهن إلا الله سبحانه، وتخصيص الثلاث أنه فردٌ كسبعين؛ لتتطابقا.
* * *
4309 -
عن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فأَمَّا عَرْضَتانِ فجدالٌ ومَعاذيرُ، وأمَّا العَرْضَةُ الثَّالثةُ فعِنْدَ ذلكَ تَطَايَرُ الصُّحُفُ في الأَيْدِي فآخِذٌ بيَمينهِ وآخِذٌ بشِمالِهِ"، ضعيف.
قوله: "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عَرَضاتٍ"؛ أما العرضة الأولى فللجدالِ، وهو عبارةٌ عن دفع العبد الذنوب عن نفسه، وتفصيها منها، ولا سيما الكافر يأبى إبلاع الرسول، ويقول: ما رأيته ولا جاءني، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يجادله ويكذبه، ولا ينفصل الحال في ذلك الموقف، بل ينقضي بالجدال والنزاع، كما يطول ذلك في الدنيا بين يدي الحكام.
والعرضة الثانية: للمعاذير، وهي جمع (معذور)، أو (معذورة)، والياء للإشباع كـ (مياسير) جمع: ميسرة، وحاصلها: أنه يعترف ويعتذر ويقول: فعلت سهوًا، واضطررت إليه على مذهب من يقول: العبد مجبرٌ على فعله.
والعرضة الثالثة: لتطاير الصحف؛ أي: لقطع الخصومات، وإظهار الحق، وتقوية قول الأنبياء، وشهادة الحفظة على صدق العبد أو كذبه، وإنهاء الله العبيد بما قذفوه، وقد نسوا بعضه أو كله، أو افتروا وتقوَّلوا وأرادوا كتمان جرائمهم، ففضحهم الحقُّ على رؤوس الخلائق، وكذَّبهم، وصدَّق المحسن، وتفضل عليهم برحمته؛ لأنه وإن كان محسنًا، لكنه لو عدل معه استحقَّ النار؛ لأنه ما عمل عملًا في عمر قصير يستحقُّ به دخولَ دار السلام، والخلود فيه مدةً
لا نهايةَ لها، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمته وفضله".
ومفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: "إلا أن يتغمدني الله برحمته": أن نعيم الجنة هو الإنعام العظيم الذي لا توازيه طاعاتُ جميع الخلائق، ولو عُمَّروا ألوفًا، وإذا كان ذلك متناهيًا، ونعيم الجنة لا يتناهى، والمتناهي لا يقابل غيرَ المتناهي، فلا يتساويان، فلا بد من تداركِ الرحمةِ، ولو من كان، وأيضًا فطاعته في الدنيا صدرَتْ منه بتوفيقِ الحقَّ، فقد تقابلا، وزاد إعطاءَ الرزق والسلامة له، وهدايته، فقد تهدَّرت الطاعة في الدنيا، فخرج العبد يوم القيامة مُفِلسًا، والمفلسُ لا يستحقُّ شيئًا على أحد، فكيف يستحق مقعد صدق عند مليك مقتدر؟! فلا بد من تدارك الرحمة.
والكافر لم يعمل حسنةً قط، ولا شكر الرزاق، ولا اهتدى، فكان مفلسًا في الدنيا من كلَّ الوجه، فلم يستحقَّ في الآخرة إلا أشد العذاب بما فرَّط من الجنايات العظيمة وكفران الخالق.
قوله: "تطاير الصحف": أصله: تتطاير، (تطاير الشيء): تفرق، ذكره في "الصحاح".
(الصحف): جمع صحيفة، وهي الكتاب.
أما معناه: فإما إيصالُ الأجزية إلى أصحابها، فيُعطَى كلُّ ذي حقًّ حقه؛ إساءةً كانت أو إحسانًا، وإما تعريفُ كلَّ واحد منه ما يستحقه من بشارة أو خزي.
قوله: "فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله"؛ يعني: فبعضُهم يأخذ ذلك الكتاب بيمينه، وبعضهم يأخذُ بشماله، أما الذي يأخذه بيمينه بفضله ورحمته، فهو من أهل السعادة، وأما الذي يُجبَرُ أن يأخذَهُ بشماله، فهو من أهل الشقاوة،
أعاذنا الله من ذلك.
* * *
4310 -
وقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله يَسْتَخْلِصُ رَجُلًا منْ أُمَّتي على رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ، فيَنْشُرُ عليهِ تِسْعَةً وتسعينَ سِجِلًا، كُلُّ سِجلٍّ مِثلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يقولُ: أتُنْكِرُ مِنْ هذا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتي الحافِظونَ؟ فيقولُ: لا، يا رَبِّ! فيقولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ قالَ: لا، يا رَبِّ! فيقولُ: بَلَى، إنَّ لكَ عِنْدَنا حَسَنةً، وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيكَ اليَوْمَ، فتُخرَجُ بِطاقةٌ فيها: أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فيقولُ: احضُرْ وَزْنَكَ، فيقولُ: يا رَبِّ! ما هذهِ البطاقَةُ معَ هذهِ السَّجِلاتُ؟ فيقولُ: إنَّكَ لا تُظلَمُ، قال: فتُوضَعَ السِّجلاتُ في كَفَّةٍ والبطاقَةُ في كَفَّةٍ، فطاشَتِ السِّجلاتُ وثَقُلتِ البطاقَةُ، فلا يَثْقُلُ معَ اسمِ الله شَيْءٌ".
قوله: "إن الله يستخلصُ رجلًا من أمتي على رؤوسِ الخلائقِ": (استخلص شيئًا)؛ أي: اختاره لنفسه.
قوله: "كلُّ سِجلٍّ مثل مدِّ البصر"، (السِّجل): الكتاب، و (مدُّ البصر): عبارةٌ عما ينتهي إليه بصر الإنسان؛ يعني: كل كتاب منها طوله وعرضه مقدار ما يمتدُّ إليه البصر.
قوله: "فتخرجُ بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، (البطاقة) بالكسر: رُقَيعةٌ تُوضَعُ في الثوب، فيها رقمُ الثمن بلغة أهل المصر، يقال: سميت بذلك؛ لأنها تُشبهُ بطاقةَ هذا الثوب، ذكره في "الصحاح".
قوله: "فتُوضَعُ السجلاتُ في كفةٍ، والبطاقةُ في كفةٍ، فطاشت السجلاتُ، وثقلت البطاقةُ"، (طاشت)؛ أي: خفت، (الطيش): خفة العقل.
إن قيل: الأعمال أعراضٌ، والأعراضُ لا يمكن وزنُها، إنما توزن الأجسام؟
قيل: إنه يوزن مجال الأعمال التي الأعمالُ مكتوبة فيها، وهي صحائف الأعمال.
وقيل: إنه سبحانه يخلق في كفة ميزان السعداء ثقلًا، وفي كفة الأشقياء خفة؛ هي علامة للسعادة والشقاوة.
والقولان متفرعان على مذهب من يجري الوزن والميزان على الظاهر، وهو مذهب أهل السنة.
وأما مَن يحمله على المعنى فيقول: إن الوزنَ في الأجسام علامةٌ يُعرَف بها الربح والخسران، ففي الأعمال في الآخرة علامةٌ تظهر بها السعادة والشقاوة، نحو بياض الوجوه وسوادها عند مَن يحمله على المعنى، وهو مذهب المعتزلة والفلاسفة.
قوله: "ولا يثقل مع اسم الله شيء"؛ أي: مَن كان معه ذِكرُ الله تعالى فلا يقاومه شيءٌ لا من المعاصي، بل يترجَّح الذَّكرُ على سائر المعاصي.
* * *
4311 -
عن عائِشَةَ رضي الله عنها: أنَّها ذَكَرَت النَّارَ فَبَكَتْ، فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"ما يُبكيكِ؟ " قالت: ذَكَرْتُ النَّارَ فبَكيتُ، فهلْ تذكُرونَ أَهْليكُمْ يَوْمَ القِيامةِ؟ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"أمَّا في ثلاثةِ مَواطِنَ فلا يَذْكُرُ أَحَدٌ أحدًا: عِنْدَ الميزانِ حتَّى يَعْلَمَ أيَخِفُّ ميزانُه أم يثقُلُ، وعندَ الكتابِ حينَ يُقالُ {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} حتَّى يَعْلَمَ أينَ يقعُ كتابُه أفي يمينهِ أمْ في شِمالِهِ أو منْ وراءِ ظهرِه، وعند الصِّراطِ إذا وُضعَ بينَ ظَهْراني جَهَنَّمَ".