الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله: "إذا وُضعَ بين ظَهْرَي جهنم"، يقال: هو نازلٌ بين ظَهْرَي فلان؛ أي: بينه؛ يعني: موضعُ جسر أدقُّ من الشَّعر، وأحدُّ من السيف، فيمرُّ عليه الناسُ فيَعْبُره السُّعَداءُ، ويسقط منه الأشقياء في جهنم، أعاذنا الله من ذلك.
* * *
4 - باب الحَوْضِ والشَّفاعَةِ
(باب الحوض والشفاعة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
4312 -
قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بَيْنا أنا أَسيرُ في الجنَّةِ إذا أَنا بنهْرٍ حافَّتاهُ قِبابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، قلتُ: ما هذا يا جِبْريلُ؟ قال: هذا الكَوثَرُ الذي أَعْطاكَ ربُّكَ، فإذا طِينُه مِسْكٌ أذفَرُ".
قوله: "إذا أنا بنهرٍ حافتاه قِبَابُ الدُّرَّ المجوَّف"، (حافتاه)؛ أي: طَرَفا 4 هـ.
قال في "الصِّحاح": القُبَّة - بالضم - من البناء، والجمع: قُبَب وقِبَاب.
(المُجَّوف): الشيء الذي له جوفٌ.
قوله: "هذا الكوثر الذي أعطاك ربُّك"، قال ابن عباس: الكَوثر: الخير الكثير، أعطاه الله إياه، وقيل: القرآن والنبوة، ذكره في "شرح السُّنَّة".
قوله: "فإذا طِينُه مِسْكٌ أذفر"، (إذا أنا)، و (إذا طينُه): كلاهما للمفاجأة، وما بعده مبتدأ وخبره، ويجوز حذف خبره وإثباته، فـ (طينه): مبتدأ، و (أذفر): خبره، و (إذا): معمول (أذفر)، أو خبر بعد خبر، تقديره: إذا طينُه موجود هناك، ومع كونه موجودًا هو أذفر.
و (ذَفِر) بكسر الفاء: شديد الرائحة.
* * *
4313 -
وقالَ: "حَوْضي مَسيرةُ شَهْرٍ، وزَواياهُ سَواءٌ، ماؤُهُ أبيضُ مِنَ اللَّبن، وريحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وكِيزانُهُ كنُجومِ السَّماءِ، مَنْ يَشْرَبْ منها فلا يَظمأُ أبدًا".
قوله: "حوضي مسيرةُ شهرٍ، وزواياه سواءٌ"، (مسيرة شهر): إضافة المصادر إلى الظروف بمعنى (في)، كـ (ضرب اليوم والليل)؛ أي: ضرب في اليوم والليل، وكذا مسيرة شهر؛ أي: مسيرة في الشهر؛ لأن الشهرَ صار ظرفَ المسير، إذ السيرُ حَدَثٌ، والأحداث إنما تقع في الأزمنة، ويجوز مجازًا أن يكون بمعنى اللام؛ أي: سيرٌ لا بد له من انقضاء شهر، وقد يُخصَّص انقضاءُ الشهر بذلك المسير.
(الزوايا) جمع: زاوية، وهي الناحية والجانب؛ يعني: طوله وعَرضُه سواءٌ.
قوله: "كِيزَانُه كنجوم السماء"، (الكِيزان) جمع: كوز؛ يعني: كِيزانُ حَوضي في الكثرة كعدد نجوم السماء.
قوله: "مَن يَشربْ منها فلا يظمأ أبدًا"، الضمير في (منها) يعود إلى (الكِيزان)، وإنما لا يظمأ أبدًا؛ لأن الغفرانَ سببٌ للشرب منه، ومَن كان مغفورًا فلا يلحق إليه ما فيه ضررٌ، والظمأ مما فيه ضررٌ، فإذًا: لا يصير ظمآنَ.
قوله: "أبيض من اللَّبن"؛ أي: أشدُّ بياضًا منه؛ لأن ما هو من العيوب والألوان لا يُبنى من لفظه صيغة أفعل التفضيل والتعجب، ولو كان ثلاثيًا؛ لأنه على تقدير المنشعبة؛ يعني:(بَيضَ) على تقدير: ابيضَّ وابياضَّ، و (عَوِرَ) على
تقدير: اعورَّ واعوارَّ.
* * *
4314 -
وقال: "إنَّ حَوْضي أَبْعَدُ مِنْ أيْلَةَ مِنْ عَدَنَ، لهوَ أَشَدُّ بَياضًا مِنَ الثَّلْجِ، وأَحْلَى مِنَ العسَلِ باللَّبن، ولآَنيَتُهُ أَكْثَرُ منْ عَدَدِ النُّجومِ، وإنَّي لأَصُدُّ النَّاسَ عنهُ كما يَصُدُّ الرَّجُلُ إبلَ النَّاسِ عنْ حَوْضهِ"، قالوا: يا رسولَ الله! أَتَعْرِفُنَا يومئذٍ؟ قال: "نعمْ، لكُمْ سِيما ليستْ لأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًا مُحَجَّلينَ مِنْ أثَرِ الوُضُوءِ".
ويُروَى: "تُرَى فيهِ أبارِيقُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ كعَدَدِ نُجومِ السَّماءِ".
ويُروَى: "يَغُتُّ فيهِ ميزابانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الجَنَّةِ، أَحَدُهُما مِنْ ذَهَبٍ، والآخَرُ من وَرِقٍ".
قوله: "إن حَوضي أبعدُ من أَيْلَة من عَدَن"، قال الإمام التُّورِبشتي في "شرحه": يريد ما بين القُطرَين، و (أَيْلَة) بالياء المجرورة - يعني: الساكنة -: بلدة على الساحل من آخر بلاد الشام مما يلي بحرَ اليمن، و (عَدَن): آخر بلاد اليمن مما يلي بحرَ الهند، وفي حديث ثَوبان:"ما بين عَدَن إلى عمان".
وفي حديث أنس: "كما بين أَيْلَة وصنعاء من اليَمَن".
وفي حديث ابن عمر: "كما بين جَرْبا وأَذْرُح".
وفي حديث حارثة بن وهب: "كما بين صنعاء والمدينة".
وحديث عبد الله بن عمرو: "ومسيرة شهر".
فإن قيل: إن بين هذه المقاديرَ من التفاوت ما لا يخفى على ذوي المعرفة بها؟
قلنا: إنما أخبر نبيُّ الله عن ذلك على طريق التقريب لا على التحديد،
والذي اقتضى ذكر تلك الأماكن مع التفاوت الذي فيها: هو اختلافُ أحوال السامعين في الإحاطة بها علمًا، فبيَّن مقدار مسافة كل قطر من أقطار الحوض؛ تارةً بما يقطعها المسافر من الشهر، وتارة بالأماكن المختلفة المشهورة عند الناس؛ لتقعَ المعرفةُ عند كل أحد على حسب ما عنده من المعرفة ببُعدِ ما بين هذَين الموضعين، ولو أراد التحديد لاقتصرَ أن يأتي في بيانه بذكر موضع لا يُعلم لأحدٍ، فلم يكد يتحقَّق عند السامع مقدارُه، هذا كلُّه منقول من "شرحه".
قوله: "وإني لأَصدُّ الناسَ عنه كما يَصُدُّ الرجلُ إبلَ الناسِ عن حَوضه"، قال في "الصحاح": صَدَّ عنه يصُدُّ صدودًا: أعرضَ، وصَدَّه عن الأمر صدًّا: منعَه وصرفَه عنه.
(الناس) ها هنا: الكفَّار؛ يعني: إني لأَمنعُ الكَفَرةَ عن حوض الكوثر، كما يمنع الرجلُ إبلَ غيرِه عن حوضه، وإنما منعَهم عن الورد عن الحوض؛ لأنهم لا يستحقُّون ذلك للكفر.
قوله: "لكم سِيمَا"، (السِّيما): العلامة.
قوله: "تَرِدُون عليَّ غُرًّا محجَّلين من أثر الوضوء"، (غُرًّا محجَّلين): منصوبان على الحال، (الغُرُّ) جمع: أغرّ، وهو أفعل من: الغُرَّة، وهي بياض الوجه، و (المحجَّل): مفعول من: التحجيل، وهو بياض الأيدي والأرجل؛ يعني: علامةُ أُمتي من بين الأمم السالفة: نورٌ يلوح في أعضاء وضوئهم من آثار الوضوء، وبذلك يتميزون عن غيرهم.
قوله: "يَغتُّ فيه مِيزَابانِ يَمُدَّانِه من الجنة"، قال في "الغريبين"؛ أي: يدفقان فيه الماءَ دفقًا متتابعًا دائمًا، مأخوذ من قولك: غتَّ الشاربُ الماءَ: [شربَ] جرعًا بعد جرعٍ.
قال في "الصحاح": المِيزاب: المِثْعَب، فارسي معَّرب، وقد عُرِّبَ بالهمز، وربما لم يُهمَز، والجمع: مَآزيب [إذا هُمزت]، ومَيَازيب إذا لم تُهمَز.
قال الحافظ أبو موسى في "المغيث": (الميزاب) بفتح الميم وكسرها، من وَزَبَ الماءُ: إذا سال.
* * *
4315 -
وقال: "إنَّي فَرَطُكُمْ على الحَوْضِ، مَنْ مرَّ عليَّ شَرِبَ، ومَنْ شرِبَ لمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عليَّ أَقْوامٌ أعرِفُهُمْ ويَعْرِفُونَني ثمَّ يُحَالُ بَيْني وبَيْنَهُمْ، فأَقُولُ: إنَّهُمْ مِنِّي، فيُقالُ: إنَّكَ لا تَدرِي ما أَحْدَثوا بَعْدَكَ، فأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لمنْ غَيَّرَ بَعْدِي".
قوله: "إني فَرَطُكم على الحوض"، قال في "الغريبين": يقول: أنا أتقدَّمُكم إليه، يقال: فَرَطتَ القومَ: إذا تقدَّمتَهم لترتاد لهم الماءَ، وتُهيئ لهم الدِّلاء والرِّشاء.
وقال في "الصحاح" بهذا المعنى، وقال أيضًا: الفَرَط - بالتحريك - وهو فَعَل بمعنى: فاعل، كـ (تَبَعَ) بمعنى: تابع، يقال: رجلٌ فَرَطٌ، وقوم فَرَطٌ أيضًا.
قوله: "فأقول: سُحقًا"؛ أي: بُعدًا، كما قال تعالى:{فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 11]؛ أي: بُعدًا، يباعدهم الله من رحمته، والسحيق: البعيد، ومنه قوله تعالى:{فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31]، قاله في "شرح السُّنَّة".
وهو من المصادر التي وجب حذفُ فعلها، كـ (سَقْيًا و (رَعْيًا) وغير ذلك.
* * *
4316 -
عن أنس: أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "يُحْبَسُ المُؤْمِنونَ يَوْمَ القِيامةِ حتَّى
يهِمُّوا بذلكَ، فيقولونَ: لَوِ استَشْفعْنا إلى رَبنا فيُريحُنا منْ مَكانِنا، فيأتونَ آدمَ فيقولونَ: أنتَ آدمُ، أبو النَّاسِ، خَلقَكَ الله بيدِه، وأَسْكَنَكَ جنَّتَهُ، وأَسْجَدَ لكَ ملائكَتَهُ، وعلَّمَكَ أسماءَ كُلِّ شيءٍ، اشفَعْ لنا عِنْدَ ربكَ حتَّى يُريحَنا منْ مكانِنا هذا، فيقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ خَطِيئتَهُ التي أَصابَ، أكلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وقدْ نُهيَ عنها، ولكنِ ائْتُوا نُوحًا أوَّلَ نبيٍّ بَعَثَهُ الله إلى أَهْلِ الأَرْضِ، فيأْتونَ نُوْحًا فيقولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ التي أَصابَ، سُؤالَه ربَّهُ بغيرِ عِلْمٍ، ولكنِ ائْتُوا إبراهيمَ خليلَ الرَّحمَن". قال:"فيأتونَ إبراهيمَ فيقولُ: إنَّي لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ ثلاثَ كِذْباتٍ كَذَبَهُنَّ، ولكنِ ائْتُوا مُوْسَى عَبْدًا آتاهُ الله التَّوراةَ وكلَّمَهُ وقَرَّبَهُ نَجِيًّا، قال: فيَأْتونَ مُوْسَى فيقولُ: إنَّي لَسْتُ هُناكُمْ، ويَذْكُرُ خَطِيئتَهُ التي أَصابَ، قَتْلَهُ النَّفْسَ، ولكنِ ائْتُوا عيسَى عبدَ الله ورسولَهُ ورُوحَ الله وكلِمَتَهُ، قال: فيأتونَ عيسَى فيقول: لَسْتُ هُناكُمْ، ولكنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا عَبْدًا غَفَرَ الله لهُ ما تَقَدَّمَ منْ ذَنْبهِ وما تَأَخَّرَ". قال: "فيَأْتونَني، فأَسْتَأْذِنُ على ربي في دارِه، فيُؤْذَنُ لي عَلَيهِ، فإذا رأيتُهُ وَقَعْتُ ساجِدًا، فيدَعُني ما شاءَ الله أنْ يَدَعَني، فيقولُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ! وقُلْ تُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وسَلْ تُعْطَهْ"، قال: "فأَرْفَعُ رَأْسي، فأُثني على ربي بثناءٍ وتَحْمِيدٍ يُعلِّمُنيهِ، ثمَّ أَشْفَعُ فيَحُدُّ لي حَدًا فأَخْرُجُ، فأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ فأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فأَسْتَأْذِنُ على ربي في دارِه، فيُؤذَنُ لي عليهِ، فإذا رأيتُهُ وَقَعْتُ ساجِدًا، فيدَعُني ما شاءَ الله أنْ يدَعَنيِ، ثُمَّ يقولُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ! وقُلْ تُسْمَعْ، واشفَعْ تُشفَّعْ، وسَلْ تُعطَهْ، قال: فَأرْفَعُ رَأْسي فَأُثني على رَبي بثَناءٍ وتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنيه، ثمَّ أَشْفَعُ فيَحُدُّ لي حَدًا فأَخْرُجُ، فأُدخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثةَ، فأَسْتأذِنُ على ربي في دارِهِ، فيُؤذَنُ لي عليهِ، فإذا رأيتُهُ وَقَعْتُ ساجِدًا، فيدَعُني ما شاءَ الله أن يدَعَني، ثُمَّ يقولُ: ارفَعْ مُحَمَّدُ! وقُلْ تُسْمَعْ، واشفَعْ تُشفَّعْ، وسَلْ تُعْطَهْ، قالَ: فأَرْفَعُ رَأْسي، فأُثني على ربي بثناءٍ وتَحْميدٍ يُعلَّمُنيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فيَحُدُّ لي حَدًا فأَخْرُجُ، فأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، حتَّى ما يبقى في
النَّارِ إلَّا مَنْ قد حَبَسَهُ القُرْآنُ"، أيْ: وَجَبَ عليهِ الخُلودُ، ثُمَّ تلا هذهِ الآية: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} وقالَ: "وهذا المَقَامُ المَحْمُودُ الذي وُعِدَهُ نبيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم".
قوله: "ويُحبَس المؤمنون يومَ القيامة حتى يُهَمُّوا بذلك"، قال الإمام التُّورِبشتي في "شرحه":(يُهَمُّوا) علي بناء المجهول.
قال في "الصحاح": أهمَّني الأمر: إذا أقلقَك وحَزَبَك؛ يعني: يكون المؤمنون محبوسين يومَ القيامة حتى يحزنوا بذلك الحبس.
قوله: "فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيُريحنا من مكاننا"، قال في "الصحاح": استَشفعتُه إلى فلانٍ؛ أي: سألتُه أن يَشفعَ لي إليه.
(لو) ها هنا: بمعنى التمني، معناه: ليت، و (فيُريحنا): نصب على جوابه بإضمار (أن)، ويجوز أن يرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهو يريحنا، تقديره: ليتَنا نَستشفعُ أحدًا إلى ربنا فيريحنا؛ يعني: يقولون متضرِّعين: استشفعنا أن يشفعَ لنا إلى ربنا، فيريحنا؛ أي: فيريحنا ربنا من مشقة هذا الحبس وطوله في هذا المقام.
قوله: "فيأتون آدمَ فيقولون: أنتَ آدمُ
…
" إلى قوله: "فيقول: لست هُناكم"، قال في "الصحاح": هناك وهنالك: للتبعيد، واللام زائدة، والكاف للخطاب، والتاء في (لست): اسمه، و (هناك): خبره ظرف مكان متعلق بمحذوف، وتقديره: لستُ نازلًا في مقام الشفاعة؛ يعني: يقول آدم عليه السلام: لستُ بمكانكم الذي تظنُّون أني فيه؛ يعني: ليس لي مقامُ الشفاعة لجميع الخلق.
"ويذكر خطيئته ويقول لهم: ولكن اذهبوا إلى نوح عليه السلام؛ فإنه أولُ نبيٍّ بعثَه الله إلى أهل الأرض": وقيل: إنما قال آدم عليه السلام: (إنه أولُ نبيٍّ
بعثه الله إلى أهل الأرض)؛ لأن الناسَ بعد بعث شيث عليه السلام رجعوا كفارًا إلا قليلًا، فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام.
قوله: "ويذكر خطيئته التي أصابَ؛ سؤالَه ربَّه بغير علمٍ".
(التي): موصول، و (أصاب): صلته، فيه ضمير نوح، والعائد إلى الموصول محذوف أي: أصابها، و (سؤاله): بدلٌ من الخطيئة بدلَ الكلِّ من الكلِّ إذا كان مَرويًا بالنصب أما إذا كان مَرويًا بالرفع فخبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: ما تلك الخطيئة؟ قال: هي سؤالُه ربَّه، و (ربَّه): مفعوله، و (بغير علم): حال من الضمير المجرور في (سؤاله)، وهو مرفوع في المعنى؛ لأنه فاعل المصدر، والمصدر عامل في فاعله.
قوله: "إني لستُ هُناكم، ويذكر ثلاثَ كذباتٍ كذبَهنَّ"، وشرح الكذبات الثلاث سيُذكر في موضعها إن شاء الله تعالى؛ يعني: يقول الخليل عليه السلام حالَ الاستشفاع منه: مالي منصبُ الشفاعة العامة، فإن غبار الكذب قد لوَّث ذيلي، ويذكر الكذباتِ الثلاثَ، ويُرسلهم إلى موسى عليه السلام، وإنما يدفع الشفاعةَ العامةَ عن نفسه نظرًا إلى صورة الكذبات، وإن كانت مستحبةً في المعنى كما سوف يُذكر في (أقسام الكذب)؛ لأن الكاملَ قد يُؤاخَذ بما هو عبادة في حقِّ غيره، كما قيل: حسناتُ الأبرارِ سيئاتُ المقرَّبين.
قوله: "فأستأذن على ربي في داره"، قال الخطابي رحمة الله عليه: أي: في داره التي دورها لأوليائه، وهي الجنة، كقوله تعالى:{لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ} [الأنعام: 127]، وكقوله تعالى:{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ} [يونس: 25].
وكما يقال: بيتُ الله، وحَرَمُ الله؛ يريدون البيتَ الذي جعله الله مثابةً للناس، والحَرَمَ الذي جعله الله آمنًا لهم، ومثله: روحُ الله، على سبيل التفضيل له على سائر الأرواح، وإنما ذكر ذلك في ترتيب الكلام؛ لقوله عز وجل: {إِنَّ رَسُولَكُمُ
الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27]، فأضاف الرسولَ إليهم، وإنما هو رسول الله إليهم. و (الاستئذان): طلب الإذن؛ يعني: أطلبُ الدخولَ على حضرة ربي تعالى في مقعد الصدق.
قوله: "ارفَعْ محمدُ"؛ يعني: يقول الله عز وجل لي: ارفَعْ رأسَك من السجود.
و (محمد)؛ أي: يا محمدُ.
"وقُلْ تُسمَع": والتَمِسْ من حضرتي ما تريد من الشفاعة وغيرها.
(تُسمَع)؛ أي: تُجَبْ، وهو مجزوم جوابًا للأمر؛ يعني: كلُّ ما تسألني اليومَ من أمر الحساب والشفاعة فهو مقبولٌ في حضرتي كرامةً لك عندي.
قوله: "فيحدُّ لي حدًّا، فأُدخلُهم الجنةَ"؛ أي: يُعين لي حدًّا معلومًا؛ يعني: يبين لي في الشفاعة حدًّا معلومًا بحيث لا أَتجاوزُ عنه، كما يقال: اشفَعْ في حقَّ قومٍ محبوسين موصوفين بصفاتٍ منهم تاركو الصلاةِ، ومنهم تاركو الزكاةِ، ومنهم تاركو الصومِ، ومثهم شاربو الخمرِ، ومنهم الزُّناة؛ فإنك إن تَشْفَعْ في حقِّهم اليومَ فأنتَ مُشفَّعٌ؛ أي: شفاعتُك مقبولةٌ.
اعلم أن شفاعةَ نبينا وجميع الأنبياء والملائكة - صلوات الله عليهم - والمؤمنين في حقِّ العُصَاة حقٌّ، لكنها موقوفةٌ بأمر الله عز وجل:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255].
وأما المعتزلةُ فقد أنكروا الشفاعةَ؛ لأن العملَ عندهم يوجب دخولَ الجنة فحسبُ، والعاصي إذا ماتَ غيرَ تائبٍ يُخلَّد في النار عندهم.
قوله: "حتى ما يبقى في النار إلا مَن قد حبسَه القرآنُ": إلا مَن منعَه حكمُ القرآن فيها، وهم الكفَّار، فإنهم مُخلَّدون فيها، قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} [البينة: 6].
* * *
4317 -
وعن أنس رضي الله عنه قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ ماجَ النَّاسُ بَعضُهُمْ في بَعْضٍ، فيأتُونَ آدمَ، فيقولونَ: اِشْفَعْ لنا إلى ربكَ، فيقولُ: لَسْتُ لها، ولكنْ عَلَيكُمْ بإبراهيمَ فإنَّهُ خَليلُ الرَّحْمنِ، فيأتونَ إبراهيمَ فيقولُ: لَسْتُ لها، ولكنْ عَلَيكُمْ بموسَى فإنَّهُ كَليمُ الله، فيأتونَ موسَى فيقولُ: لَسْتُ لها، ولكنْ عليكُمْ بعيسَى فإنَّهُ رُوحُ الله وكَلِمَتُهُ، فيأتونَ عيسَى فيقولُ: لستُ لها، ولكنْ عليكُمْ بمُحَمَّدٍ، فيأتونَنِي فأقولُ: أنا لها، فأَسْتأذِنُ على ربي فَيُؤْذَنُ لي، ويُلْهِمُني مَحامِدَ أَحْمَدُهُ بها لا تَحْضُرُني الآنَ، فأَحْمَدُهُ بتلكَ المَحامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لهُ ساجِدًا فيُقال: يا مُحَمَّدُ! اِرفَعْ رأسَكَ، وقُلْ تُسْمَعْ، وسَلْ تُعطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقولُ: يا رَبِّ! أُمَّتي، أُمَّتي، فيُقالُ: اِنْطَلِقْ فأَخْرِجْ منها مَنْ كانَ في قلبهِ مِثقالُ شَعيرةٍ منْ إيمانٍ، فأَنْطَلِقُ فأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فأَحْمَدُهُ بتِلكَ المَحامِدِ، ثمَّ أَخِرُّ لهُ ساجِدًا، فيُقال: يا مُحَمَّدُ! ارفَعْ رأسَكَ، وقُلْ تُسمَعْ، وسَلْ تُعطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فأقولُ: يا رَبِّ! أُمَّتي، أُمَّتي، فيُقَالُ: اِنْطَلِقْ فأخْرِجْ مَنْ كانَ في قَلْبهِ مِثقالُ ذرَّةٍ أو خردَلَةٍ مِنْ إيمانٍ، فأنطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثمَّ أَعُودُ فأَحْمَدُهُ بتلكَ المَحامِدِ، ثمَّ أَخِرُّ لهُ ساجِدًا، فيُقالُ: يا مُحَمَّدُ! اِرْفَعْ رأْسَك، وقُلْ تُسْمَعْ، وسَلْ تُعطَهْ، واشفَعْ تُشفَّعْ، فأَقُولُ: يا رَبِّ! أُمَّتي، أُمَّتي، فيُقالُ: اِنْطَلِقْ فأَخْرِجْ مَنْ كانَ في قَلْبهِ أَدْنَى أدنَى أدنَى مِثْقالِ حَبَّةِ خَرْدَلَةٍ مِنْ إيمانٍ فأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فأَنْطَلِقُ فأفْعَلُ، ثمَّ أعودُ الرَّابعةَ فأحْمَدُهُ بتلكَ المَحامِدِ، ثُمَ أَخِرُّ له ساجِدًا، فيقالُ: يا مُحَمَّدُ! اِرْفَعْ رأْسَكَ، وقُلْ تُسْمَعْ، وسَلْ تُعطَهْ، واشفَعْ تُشفَّعْ، فأقولُ: يا رَبِّ! ائْذَنْ لي فيمَنْ قالَ: لا إله إلَّا الله، قال: ليسَ ذلكَ لكَ، ولكنْ وعِزَّتي وجَلالي وكِبريائي وعَظَمتي، لأُخْرِجَنَّ منها مَنْ قال: لا إله إلَّا الله".
قوله: "إذا كان يومُ القيامة ماجَ الناسُ بعضُهم في بعضٍ"، (ماج): اختلط، ومنه قوله تعالى:{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} [الكهف: 99]؛ يعني:
يختلط بعضُهم ببعض في يوم القيامة مُقبلين مُدبرين حَيَارَى.
وفي الحديث: دليل على أن أهلَ المعاصي من أُمة محمد صلى الله عليه وسلم لا يخلَّدون في النار، وفيه أيضًا: دليل على تفاضُلِ الناس في الإيمان.
قوله: "عليكم بإبراهيم"، (عليكم): بمعنى الزَمُوا، والباء زائدة على هذا؛ أي: الزموا إبراهيمَ، أو: تشفَّعوا بإبراهيمَ، أو توسَّلُوا به، وعلى هذا ليست بزائدة.
قوله: "ويُلهمني مَحَامدَ أحمدُه بها لا تحضرني الآنَ، فأَحمدُه بتلك المَحَامد"، (الإلهام): ما يُلقَى في الرَّوع، فيقال: أَلهمَه الله الشيءَ الفلانيَّ.
(المَحَامد) جمع: حمد، كـ (محاسن) جمع: حسن، جمع غير قياسي، أو جمع: مَحْمَدة، و (أحمده): محلُّه جرٌّ؛ لكونه صفةً لـ (محامده).
قوله: "أُمتي أُمتي"؛ أي: ارحَمْ أُمتي وتفضَّلْ عليهم بالكرامة، كرَّره للتأكيد، أو ناداهم لَيقرُبوا منه فيتوسَّلُون به إلى رضا الرحمن، أو لأنهم إذا قَرُبُوا منه حالَ نورُه وبركتُه بينهم وبين غضب النار، فلا تقربهم نارٌ، إذ نورُه يُطفِئ كلَّ نارٍ.
قوله: "مَن كان في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ أو خَردلةٍ من إيمانٍ"، (المثقال): ما يُوزَن به، وهو من: الثقل، وذلك اسمٌ لكل سَنْجٍ، وإذا أُطلق فإنما يُراد منه السَّنْجُ المُعبَّر به عن الدينار.
وقال في "الغريبين": مثقال ذرة؛ أي: زِنة، قال الشاعر:
وكلاًّ يُوفِّيه الجزاءَ بمثقالِ
أي: بوزنٍ.
قال الخطابي: حَبَّة الخردل، وكذا حَبَّة الشعير مَثَلٌ في المعرفة لا في الوزن؛ لأن الإيمانَ ليس بجسمٍ يحصره الوزنُ والكيلُ، وإن ما يُشكل في العقول
قد يَرِدُ إلى عيار المحسوس؛ ليُعلَم، ذكره في "شرح السُّنَّة".
وتحقيقه: أنه أراد بمثقال الخردلة: أدقَّ ما يُفرَض من الإيمان، بحيث ينتهي إلى أنه لا قسمةَ بعده، فليس بعدَه إلا الكفرُ الصريحُ؛ فإن الإيمانَ كلما قلَّ قَرُبَ من الكفر حتى ينتهيَ إليه.
قوله: "ائذن لي فيمَن قال: لا إله إلا الله
…
" الحديث.
(ائذن): أمر من: أَذِنَ له في الشيء يَأذَن إذْنًا - بسكون الذال -: إذا أجابَ أحدًا فيما طلَبه.
الواو في: "وعِزَّتِي": واو القَسَم، وفي (وكبريائي) (وعظمتي): عطف على واو القَسَم، و"لأَخرجَنَّ": جواب القَسَم، والكِبرياء بالكسر، والكبرياء و (العَظَمة): اسمانِ مترادفانِ معناهما في الحقيقة: الترفُّع عن الانقياد، ولا يستحق ذلك غيرُ الله سبحانه.
* * *
4318 -
عن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:"أَسْعَدُ النَّاسِ بشفاعَتي يَوْمَ القِيامَةِ مَنْ قال: لا إله إلَاّ الله خالِصًا مِنْ قَلْبهِ - أو: - نَفْسِهِ".
والجمع بين هذا الحديث والذي يليه وهو قوله: "أسعدُ الناس بشفاعتي
…
" إلى آخره: أن المراد بالأول: إخراجُ جميع الأمم الذين آمنوا على أنبيائهم، لكنهم استوجبوا النار، وليس ذلك لمخلوقٍ، فلهذا قال: ليس ذلك لك.
والمراد بالآخر: مَن قال: لا إله إلا الله من أمته صلى الله عليه وسلم، أو مخصَّص بقائلي هذه الكلمة بلا عمل أصلًا، وهؤلاء لا تَسَعُهم إلا الرحمةُ الإلهيةُ العامةُ، والمراد بالآخر: الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيئًا، أو تخصيص الأول بمَوطنٍ،
والثاني بموطنٍ آخرَ، ففي القيامة مواطنُ.
* * *
4319 -
عن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه قالَ: أُتيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بلَحْمٍ، فرُفِعَ إليهِ الذِّراعُ، وكانتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ منها نَهْسَةً، ثُمَّ قالَ:"أنا سَيدُ النَّاسِ يومَ القِيامَةِ، {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، وتَدنُو الشَّمْسُ فيَبلُغُ النَّاسُ مِنَ الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطيقونَ، فيَقولُ النَّاسُ: ألا تَنْظُرونَ مَنْ يَشْفَعُ لكُمْ إلى رَبكُمْ؟ فيأتونَ آدمَ"، وذَكرَ حَدِيْثَ الشَّفاعَةِ، وقال:"فاَنْطَلِقُ، فآتي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ ساجِدًا لربي، ثُمَّ يَفْتَحُ الله عَلَيَّ مِنْ مَحامِدِهِ وحُسْنِ الثَّناءِ عليهِ شيئًا لمْ يَفتحْهُ على أَحَدٍ قَبلي، ثُمَّ يُقالُ: يا مُحَمَّدُ! ارفَعْ رأَسكَ، سَلْ تُعطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسي فأقولُ: أُمَّتي، يا رَبِّ! أُمَّتي يا رَبِّ، أُمَّتي يا ربِّ، فيقالُ: يا محمَّدُ! أَدْخِلْ منْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسابَ عليهمْ من الباب الأيمنِ من أبوابِ الجنَّةِ وهم شركاءُ النَّاسِ فيما سِوَى ذلك مِنَ الأَبْوابِ. ثُمَّ قال: والذي نفْسي بيدِه إنَّ ما بينَ المِصْراعَيْنِ منْ مَصاريعِ الجَنَّةِ كما بينَ مكَّةَ وهَجَرَ".
قوله: "فرُفِعَ إليه الذراعُ، وكانت تُعجبه، فنَهَسَ منها نَهْسَةً، ثم قال: أنا سيدُ الناسِ يومَ القيامة
…
" الحديث.
(الذراع): يُذكر ويُؤنث، الضمير في (كانت) - وهو اسمه - يعود إلى (الذراع)، و (تعجبه): خبره.
نَهَسَ اللحمَ: أخذَه بمقدَّم الأسنان، يقال: نَهستُ اللحمَ وانتَهستُه بمعنًى، ذكره في "الصحاح".
يعني: رُفِعَ إلى النبيَّ صلى الله عليه وسلم تلك الذراعُ، فأَعجبتْه؛ لِسمَنِها وحسنِ طبخِها، (فنَهَسَ منها نَهْسةً، ثم قال: أنا سيدُ الناس يومَ القيامة)، وإنما خصَّ سيادتَه بيوم
القيامة؛ لأن السيادةَ في الدنيا تُوجَد لغيره مجازًا، وله في الآخرة حقيقةً، فلمَّا نَهَسَ من تلك الذراع نهسةً بعد أن كانت معجبةً له صلى الله عليه وسلم فقال:(أنا سيدُ الناس يومَ القيامة)؛ إشارةً إلى أن نعيمَ الآخرة باقٍ أبديٌّ، فلا ينبغي لأحدٍ أن يغترَّ بما هو بصدد الفناء، وهو نعيم الدنيا.
وتفسير باقي الحديث مذكور في (حديث الشفاعة)، وتلخيصه: أن جميعَ الناس يومَ القيامة من الأنبياء - صلوات الله عليهم - وغيرهم يحتاجون إلى شفاعتي؛ لكرامتي عند الله سبحانه وتعالى، فإذا اضطروا جاؤوني طالبين لشفاعتي لهم.
قوله: "يومَ يقوم الناس": يحتمل أن يكون جوابَ سائلٍ: ما يومُ القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (يومَ يقومُ الناس لربِ العالمين)، ويحتمل أن يكون بدلًا لـ (يومَ القيامة).
قوله: "ما بين المِصراعَين من مَصَاريع الجنة كما بين مكةَ وهَجَر"، (المِصْرَاعان): البابان المعلَّقان على مقعدٍ واحدٍ، والمِصْرَاع: مِفْعَال من: الصَّرع، وهو الإلقاء، وإنما سُمي البابُ المُعلَّق مِصْرَاعًا؛ لأنه كثيرُ الإلقاء والدفع.
وقيل: (هَجَر): قرية من قرى المدينة، والقُلَّتانِ مأخوذة من قِلَالها، وقيل: قرية من قرى البحرين؛ يعني: مسافةُ ما بين البابَين كمسافة ما بين مكة وهَجَر.
* * *
4320 -
وعن حُذَيْفةَ رضي الله عنه في حَديثِ الشَّفاعَةِ، عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ:"وتُرْسلُ الأَمانةُ والرَّحِمُ فيقومانِ جَنَبَتَيْ الصِّراطِ يَمينًا وشِمالًا".
قوله: "وتُرسَل الأمانةَ والرَّحِمُ، فيقومان بجَنْبَتَي الصِّراط يمينًا وشمالًا)،
(الجَنَبَة) بفتح الكل: الجانب؛ يعني: تتشكل الأمانةُ والرَّحِمُ يومَ القيامة ويقوم أحدُهما بجانب الصراط والآخرُ في جانبه الآخر، وتحاجَّانِ عن صاحبهما، أو تشهدانِ عليهما، وإنما كان كذلك؛ ليتميزَ الأمينُ من الخائن، والواصلُ من القاطع على رؤوس الملأ؛ سرورًا للأمين والواصل، وفضيحةً للخائن والقاطع، فهذا تحريضٌ بليغٌ على رعايتهما، وحثٌّ تامٌّ على أداء حقَّيهما؛ فإن رعايَتهما سببٌ لمصالحَ كثيرةٍ وفوائدَ عظيمةٍ.
* * *
4322 -
عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أنَّ ناسًا قالوا: يا رسولَ الله! هلْ نَرَى رَبنا يومَ القِيامَةِ؟ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "نَعَمْ، هلْ تُضارُّونَ في رُؤْيةِ الشَّمْسِ بالظَّهيرةِ صَحْوًا ليسَ مَعَها سَحابٌ، وهلْ تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ صَحْوًا ليسَ فيها سَحابٌ؟ " قالوا: لا يا رسولَ الله، قال:"ما تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ الله يومَ القِيامةِ إلَّا كما تُضارُّونَ في رُؤْيةِ أحدِهِما، إذا كانَ يومُ القِيامةِ أذَّنَ مُؤذِّنٌ: لِيتَّبعْ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانتْ تَعبُدُ، فلا يَبقَى أحدٌ كانَ يَعبُدُ غيرَ الله مِنَ الأَصْنامِ والأنصابِ إلَّا يَتساقَطُونَ في النَّارِ، حتَّى إذا لمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ كانَ يَعْبُدُ الله من بَرٍّ وفاجِر أتاهُمْ رَبُّ العالَمينَ قال: فَماذا تَنتظِرونَ؟ يتَّبعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانتْ تعبُدُ، قالوا: يا رَبنا فارَقْنا النَّاسَ في الدُّنيا أفقَرَ ما كُنَّا إلَيْهمْ ولمْ نُصاحِبْهُمْ".
وفي رِوايةِ أبي هُريرَةَ رضي الله عنه: "فيقولونَ: هذا مَكانُنا حتَّى يأتِيَنا ربنا، فإذا جاءَ ربنا عَرَفْناهُ".
وفي رِواية أَبي سعيدٍ رضي الله عنه: "فيقولُ: هلْ بَيْنكُمْ وبينَهُ آيةٌ تَعرِفُونَهُ"؟ فيقولون: نَعَمْ، فيُكشَفُ عنْ ساقٍ فلا يَبقَى مَنْ كانَ يَسْجُدُ لله مِنْ تِلقاءِ نَفْسِه إلَّا أَذِنَ الله لهُ بالسُّجودِ، ولا يَبقَى مَنْ كانَ يَسْجُدُ اتِّقاءً ورِياءً إلَّا جَعَلَ الله ظَهْرَهُ
طَبَقةً واحِدَةً، كُلَّما أَرادَ أنْ يَسْجُدَ خَرَّ على قَفاهُ، ثمَّ يُضرَبُ الجِسْرُ على جَهَنَّمَ وتَحِلُّ الشَّفَاعةُ، ويقولونَ: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، فَيَمُرُّ المُؤْمِنونَ كطَرْفِ العَيْنِ وكالبَرْقِ وكالرِّيحِ وكالطَّيرِ وكأجاوِيدِ الخَيْلِ والرِّكابِ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومَخدوشٌ مُرْسَلٌ ومَكْدوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ، حتَّى إذا خَلَصَ المُؤْمِنونَ مِنَ النَّارِ، فوالَّذي نَفْسي بيدِه ما مِنْ أَحَدٍ منكُمْ بأَشَدَّ مُناشَدَةً في الحَقِّ، وقدْ تبيَّنَ لكُمْ، مِنَ المُؤْمنينَ لله يومَ القِيامةِ لإخْوانِهمُ الذينَ في النَّارِ، يقولونَ: ربنا كانوا يَصومونَ مَعَنا، ويُصْلُّونَ معنا، ويَحُجُّونَ معنا، فيُقالُ لهمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرفْتُمْ، فتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ على النَّارِ، فيُخرِجونَ خَلْقًا كثيرًا ثُمَّ يقولونَ: ربنا ما بقيَ فيها أَحَدٌ مِمَّنْ أمَرْتَنا بهِ، فيقولُ: اِرجِعُوا فمَنْ وَجَدْتُمْ في قلبهِ مِثْقالَ دِينارٍ منْ خَيْرٍ فأخْرِجوهُ، فيُخْرِجونَ خَلْقًا كثيرًا، ثُمَّ يقولُ: اِرجِعُوا فمَنْ وَجَدتُمْ في قلبهِ مِثقالَ نِصْفِ دِينارٍ منْ خَيْرٍ فأَخْرِجُوهُ، فيُخْرِجونَ خَلْقًا كثيرًا، ثُمَّ يقولُ: اِرجِعُوا فمَنْ وَجَدْتُمْ في قلبهِ مِثقالَ ذرَّةٍ منْ خَيْرٍ فأَخْرِجُوهُ، فيُخرِجونَ خَلْقًا كثيرًا، ثمَّ يقولونَ: ربنا لمْ نَذَرْ فيها خَيْرًا، فيقولُ الله شَفَعَت الملائِكةُ، وشَفعَ النبيُّونَ، وشَفَعَ المُؤْمِنونَ، ولمْ يَبقَ إلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمينَ، فيَقْبضُ قَبْضَةً مِنَ النارِ، فَيُخْرِجُ مِنْها قَوْمًا لم يَعْمَلوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ في نَهْرٍ في أَفْوَاهِ الجَنَّةِ يُقالُ لهُ: نهرُ الحياةِ، فيَخْرُجُونَ كما تَخْرُجُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ، فيَخرُجونَ كاللُّؤْلؤِ في رِقابهِمُ الخَواتِمُ، فيقولُ أهلُ الجنَّةِ: هؤلاءِ عُتَقاءُ الرَّحْمنِ، أَدْخَلَهُمُ الجنَّةَ بغيرِ عَمل عَمِلُوهُ، ولا خَيرٍ قَدَّموهُ، فيُقالُ لهمْ: لكُمْ ما رأَيْتُمْ ومِثلُهُ مَعَهُ".
قوله: "والأنصاب"، (الأنصاب) جمع: نُصُب، وهو حجارة كانت تُنصَب وتُعبَد من دون الله تعالى، أو يذبحون عليها تقرُّبًا إلى آلهتهم، وكيف كان وكلُّ ما نُصِبَ وعُبدَ من دون الله تعالى، أو اعتُقد تعظيمُه فهو النُّصُب.
قوله: "أتاهم ربُّ العالمين"؛ أي: أتاهم أمرُ ربِ العالمين؛ لأن الإتيانَ
صفةُ الأجسام، والله تعالى منزَّه عما هو جسمٌ وجسمانيٌّ.
قوله: "ينظرون"؛ أي: ينتظرون.
قوله: "هل بينكم وبينه آيةٌ تعرفونه؟ " أي: هل بينكم وبين الله تعالى آيةٌ تعرفونه تعالى بتلك الآية؟ وتلك الآية - والله أعلم - عبارةٌ عما هو نتيجةُ التوحيد، وهو المعرفة والمحبة، والموحِّدون لهم اشتراكٌ في أصل المعرفة والمحبة، كما أن لهم اشتراكًا في أصل التوحيد، لكنهم يتفاوتون فيهما كتفاوتهم في التوحيد، فإذا كان كذلك فقربُهم إلى الله سبحانه بحسب مراتبهم في المعرفة والمحبة.
قوله: "فيقولون: نعم"؛ أي: لنا آيةٌ؛ يعني: معرفةٌ به سبحانه وتعالى.
قوله: "فيكشف عن ساقٍ": تفسير الكشف قد ذُكر مستوفًى في (باب لا تقوم الساعة).
قوله: "اللهم سلِّمْ سلِّمْ"، (سلِّمْ): أمر مخاطب من: التسليم، وهو جعل الشخص سالمًا من الآفة، و (سلِّمْ) الثاني: تأكيد الأول؛ يعني: اللهم اجعلْ أُمتي سالمين من ضرر الصراط والوقوع في النار.
قوله: "فيمرُّ المؤمنون كطَرْفَةِ العين"؛ أي: طرف يطرف طرفًا: إذا أَطبقَ أحدَ جفنَيه على الآخر، يقال: أسرعُ من طرفِ عينٍ، أو طَرفةِ عينٍ، والتاء في (الطَّرفة) للوحدة.
و"الأجاويد" جمع: أجياد، و (الأجياد) جمع: جواد في القلة، و (الجياد): جمعه في الكثرة، والجواد: يُستعمل في الذكر والأنثى من الخيل، وهو نعت من (جاد): إذا أسرعَ في السير.
"الخُدُوش" و"الكُدوش": واحد، والكَدْس: إسراع الثقل في السير، يقال: كَدَسَ الفرسُ يَكدِسُ: إذا مشى كأنه مُثَقلٌ، وكُرْدِسَ الرجلُ: إذا جُمعت
يداه ورِجلاه؛ يعني: المؤمنين يتفاوتون في المرور على الصراط بحسب مراتبهم في القربات والدرجات عند الله سبحانه؛ فبعضُهم يمرُّ على الصراط في غاية السرعة كطرفة العين، وبعضُهم يمرُّ كالبرق الخاطف، وبعضُهم يمرُّ كطيران الطير، وبعضُهم يمرُّ كسَيرِ فرسٍ جوادٍ.
والناس بالإضافة إلى المرور على الصراط على ثلاث طبقات:
الأولى: ناجون سالمون، وهم أهل الإيمان الذين ذُكر مرورُهم قبلُ.
والثانية: مَخدوشون مُرسَلُون؛ أي: مُطلَقون عن الغُل والقيد بعد أن عذِّبوا مدةً، وهم العُصَاةُ من أهل الإيمان أيضًا.
والثالثة: مُكدوسون في نار جهنم؛ يعني: مغلولون مقيَّدون بالسلاسل والأغلال فيها، وهم الكفار.
ويُروى: "مكدوش" بالشين المعجمة؛ أي: مدفوع دفعًا عنيفًا، ويُروى:"مُكَرْدَس" أي: مغلول مجموع الأعضاء في الغُل.
قوله: "ما من أحد منكم بأشدَّ مناشدةً في الحق"، (ما من): جواب للقَسَم، وهو:(فوالذي)، و (من) في (ما من أحد): زائدة للاستغراق، و (أحد): اسم (ما)، و (منكم): صفة لـ (أحد)، و (بأشد): خبره.
و (المناشدة): منصوبة على التمييز، وهو بمعنى المطالبة والمناظرة، من: نَشدتُ الضالَّةَ؛ أي: طلبتُها.
و (في الحق): ظرف المناشدة، وقد تبين للحال تقدير الكلام: ما مِن أحدٍ منكم بأشدَّ مناشدةً في حال أن يتبيَّن لكم الأمرُ الحقُّ من المؤمنين لله يومَ القيامة لنجاةِ إخوانهم الذين في النار، معناه: لا يكون أحدٌ منكم أكثرَ اجتهادًا ومبالغةً في طلب الحق حين ظهر لكم الحق من المؤمنين في طلب خلاص إخوانهم العصاة في النار من النار يومَ القيامة.
قوله: "فقبضَ قبضةً من النار، فيُخرج منها قومًا لم يعملوا قطُّ قد عادوا حُمَمًا"، و (القبضة): عبارة عما يَسَعُه في الكَفِّ، والله سبحانه منزَّه عن الجوارح؛ فإنها صفةُ الأجسام، ومِثْلُ هذا من المتشابهات؛ فتركُ الخوضِ فيها أقربُ إلى السلامة.
يعني: يُخرج الله سبحانه من النار قومًا من غير أن يكون لهم عملٌ صالحٌ، وقد صاروا حممًا محرقةً، و (الحُمَم) جمع: حُمَمَة، وهي الفحم.
وفي الحديث: تحريضٌ بليغٌ للعباد على الطاعة؛ لأنه إذا لطف بعباده العصاة بما ذكر، فكيف يلطف بعباده المحسنين مع أن رحمتَه تعالى قريبٌ من المحسنين؟!
قوله: "في أفواه الجنة"، و (أفواه الجنة): أوائلها ومقدماتها وطُرُقها.
يقال: فوهة الطريق، والجمع: أفواه، غير قياسي.
قال في "شرح السُّنَّة": الحِبَّة - بكسر الحاء وتشديد الباء - اسم جامع لحبوب البقول التي تنتثر إذا هاجت ريحٌ، ثم إذا أَمطرت من قابلِ نَبَتَتْ.
قال الكِسائي: هي حَبُّ الرياحين، الواحدة: حِبَّة، فأما الحِنطة وغيرها فهو الحَبُّ لا غير، والحَبَّة من العِنَب تُسمى حَبَّة بالفتح، وحَبَّ الحُبَة تُسمَّى حُبَةً بضم الحاء وتخفيف الباء.
"حميل السيل": ما حمله السيل، فعيل بمعنى مفعول، كما يقال للمفعول: قتيل.
قال أبو سعيد الضرير: حميل السيل: ما جاء به من طينٍ أو غثاءٍ، فإذا اتفق فيه الحِبَّة واستقرت على شط مجرى السيل، فإنها تنبت في يوم وليلة، وهي أسرعُ نباتًا، وإنما أخبر بسرعة نباتهم.
وفي الحديث: دليلٌ على أن أهلَ المعاصي لا يُخلَّدون في النار.
وفيه: دليلٌ على تفاضُلِ الناس في الإيمان.
قوله: "فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم"، و (الرِّقاب) جمع: رقبة، و"الخواتم" جمع: خاتم، وهو ها هنا: عبارة عن علامة تظهر من رقابهم، وخُصَّت تلك العلامة بالرقبة؛ لأن الرقبةَ أُعتقت من النار، وهي عبارةٌ عن شخصه؛ يعني: يُخرَجون من ذلك النهر بِيضًا؛ أي: ذوي بياضٍ مشرقٍ كاللآلئ، فتُعلق بأعناقهم الخواتمُ؛ ليكونوا متميزين بين المغفورين من غير واسطة العمل الصالح، ويين غيرهم، والله أعلم.
قوله: "لكم ما رأيتُم ومِثْلُه معه": الكاف والميم خطاب للعتقاء، والضمير في (ومثله معه) يعود إلى (ما)؛ يعني: يقال للعتقاء: لكم ما رأيتُم مدَّ بصركم من قبضه الشامل وفضله الكامل، ومِثْلُ ما رأيتُم معه في النعيم الأبدي السَّرمدي.
* * *
4323 -
وقال: "إذا دَخَلَ أهلُ الجَنَّةِ الجنّةَ وأهلُ النَّارِ النَّارَ يقولُ الله تعالى: مَنْ كانَ في قَلْبهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ منْ خَرْدَلٍ منْ إيمانٍ فأَخْرِجُوهُ، فيُخْرَجونَ قدِ امتحَشُوا وعادُوا حُمَمًا، فيُلقَوْنَ في نهرِ الحياةِ فيَنْبُتونَ كما تَنبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ، ألَمْ تَرَوْا أنَّها تَخْرُجُ صَفْراءَ مُلتَوِيةً".
قوله: "قد امتَحَشُوا"، (الامتحاش): الاحتراق، يقال: امتَحَشَ الخبرُ، وامتَحش فلانٌ غضبًا.
* * *
4324 -
عن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه: أنَّ النَّاسَ قالوا: يا رسولَ الله! هلْ نَرَى ربنا يومَ القِيامةِ؟ فذكرَ معنَى حديثِ أبي سعيد رضي الله عنه غيرَ كَشْفِ السَّاقِ. وقال:
"ويُضْرَبُ الصِّراطُ بينَ ظَهْرانَيْ جَهَنَّمَ، فأَكُونُ أوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، ولا يتكلَّمُ يَومئِذٍ إلَّا الرُّسُلُ، وكلامُ الرُّسُلِ يَومَئِذٍ: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وفي جَهَنَّمَ كلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدانِ لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِها إلَّا الله، تَخْطَفُ النَّاسَ بأَعْمالِهِمْ، فمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بعَمَلِهِ، ومنهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنجُو، حتَّى إذا فَرَغَ الله مِنَ القَضاءِ بينَ عِبادهِ، وأرادَ أنْ يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أرادَ أنْ يُخرِجَهُ ممَّنْ كانَ يَشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله؛ أَمَرَ الملائِكَةَ أنْ يُخرِجُوا مَنْ كانَ يعبُدُ الله، فيُخرِجونَهُمْ، ويَعْرِفُونَهُمْ بآثارِ السُّجودِ، وحَرَّمَ الله على النَّارِ أنْ تَأكُلَ أثرَ السُّجودِ، فكُلُّ ابن آدمَ تأكلُهُ النَّارُ إلَاّ أثرَ السُّجودِ، فيُخرَجونَ مِنَ النَّارِ قدِ امتَحَشُوا، فيُصَبُّ عليهِمْ ماءُ الحَياةِ، فَيَنْبتُونَ كما تنبُتُ الحِبَّة في حَميلِ السَّيْلِ، ويَبقَى رَجُلٌ بينَ الجَنَّةِ والنَّارِ، وهوَ آخِرُ أهلِ النَّارِ دُخولًا الجَنَّةَ، مُقْبلٌ بوَجهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فيقولُ: يا ربِّ اصْرِفْ وَجْهي عنِ النَّارِ، قدْ قَشَبني رِيحُها وأحرَقَني ذَكاؤُها، فيقولُ: هلْ عَسَيْتَ إنْ فُعِلَ ذلكَ بكَ أنْ تسألَ غيرَ ذلك؟ فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ، فيُعطِي الله ما شاءَ مِنْ عَهْدٍ ومِيثاقٍ، فيَصرِفُ الله وَجْهَهُ عنِ النَّارِ، فإذا أقبَلَ بهِ إلى الجَنَّةِ رأَى بَهْجَتَها سَكَتَ ما شاءَ الله أنْ يَسكُتَ، ثم قال: يا رَبِّ قَدِّمْني عِندَ بابِ الجنَّةِ، فيقولُ الله تبارك وتعالى: أليسَ قدْ أَعطَيْتَ العُهُودَ والمِيثاقَ أنْ لا تَسألَ غيرَ الذي كنتَ سألتَ؟ فيقولُ: يا ربَّ لا أَكُونُ أَشْقَى خَلقِكَ، فيقولُ: فما عَسَيْتَ إنْ أُعْطِيْتَ ذلكَ أنْ تسألَ غيرَهُ، فيقولُ: لا وعِزَّتِكَ لا أَسألُك غيرَ ذلكَ، فيُعْطِي ربَّهُ ما شاءَ منْ عَهْدٍ وميثاقٍ، فيُقدِّمُهُ إلى بابِ الجَنَّةِ، فإذا بلغَ بابَهَا فرأَى زَهْرَتَها وما فيها مِنَ النَّضْرَةِ والسُّرورِ، فَسَكَتَ ما شاءَ الله أنْ يَسكُتَ، فيقولُ: يا رَبَّ أَدْخِلْني الجَنَّةَ، فيقولُ الله تبارك وتعالى: وَيْلَكَ يا ابن آدمَ ما أغدَرَكَ! أليسَ قدْ أَعْطيْتَ العُهودَ والمِيثاقَ أنْ لا تَسألَ غيرَ الذي أُعْطِيتَ؟ فيقولُ: يا رَبِّ لا تَجْعَلْني أَشْقَى خَلقِكَ، فلا يزالُ يَدعُو حتَّى يَضْحَكَ الله منهُ، فإذا ضَحِكَ أذِنَ لهُ في دُخُولِ الجَنَّةِ، فيقولُ: تَمنَّ، فيَتمنَّى
حتى إذا انقَطَعَ أُمنِيَّتُهُ قالَ الله تعالَى: تَمَنَّ كذا وكذا، أَقْبَلَ يُذكَّرُهُ ربُّهُ، حتَّى إذا انتهتْ بهِ الأَمانيُّ قالَ الله تعالَى: لكَ ذلكَ ومِثلُهُ معه".
وقالَ أبو سعيدٍ رضي الله عنه: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "قالَ الله تعالَى: لكَ ذلكَ وعَشْرَة أَمْثالِهِ".
قوله: "وفي جهنم كلاليب مثل شَوك السَّعدان": قال في "الصحاح": الكَلُّوب: المِنْشَال، فكذلك الكُلَّاب والجمع: الكلاليب، والمِنْشَال: حديدة معوجة الرأس يُنشَل بها اللحم من القِدْر، و (السَّعدان): نبتٌ، وهو من أفضل مراعي الإبل، وفي المَثَل: مَرْعًى ولا كالسَّعدان، والنون زائدة؛ لأنه ليس في الكلام فَعْلَال غير (خَزْعَال) و (قَهْقَار)، إلا من المضاعف، ولهذا النبت شوكٌ يقال له: حَسَكُ السَّعدان، وتُشبه به حَلَمَةُ الثدي، يقال: سَعْدَانة الثُّنْدُؤَة، ذكره في "الصحاح".
قوله: "فمِنهم مَن يُوبَق بعمله، ومِنهم مَن يُخَرْدَل"، قال في "شرح السُّنَّة": يُوبَق بعمله؛ أي: يُحبَس، يقال:(أَوْبَقَه) إذا حَبَسَه، ومنه قوله: تعالى: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} ، أي: يحبس السفنَ، فلا تجري عقوبةً لأهلها، والإيباق: الإهلاك أيضًا.
قال في "الصحاح": خَرْدَلتُ اللحمَ؛ أي: قطعتُه صغارًا بالدال والذال جميعًا.
قال في "الغريبين": المعنى: أنه تقطعه كلاليبُ الصراط حتى يهويَ إلى النار.
قوله: "قد قَشَبني ريحُها، وأحرقني ذَكاؤها"، قال في "الصحاح": قَشَبني ريحها تقشيبًا؛ أي: آذاني كأنه سمَّني ريحه.
عن أبي عمرو: وقَشَبَه قَشْبًا: سقاه السمَّ، وقَشَبَ طعامَه؛ أي: سَمَّه.
قال في "شرح السُّنَّة": قَشَبني ريحُها؛ أي: سمَّني وصار ريحها كالسمِّ في أنفي، والقَشْبُ: خلط السمِّ بالطعام، والقِشْب: اسم السمُّ، وكل مسمومٍ: قشيب، وأصل (الذَّكاء): بلوغ الشيء منتهاه، وذكَّيتُ النارَ: إذا أتممتُ اشتعالَها، وذَكاء النار: لهبُها؛ يعني: ذلك الرجل إذا أَقبلَ وجهه إلى النار، وقَرُبَ منها يستعيذ به تعالى ويقول: يا ربِ! بعِّدْ وجهي عنها؛ فإن ريحَها قد آذاني، وأحرقني لهبُها.
قوله: "هل عسيتَ إن فُعِلَ ذلك بك أن تسأل غيرَ ذلك؟ "(هل): استفهام بمعنى التقرير، و (عسيت): عامله واسمه، و (أن تسأل): خبره، و (إن) في (إن فُعل): للشرط، وفعل جملة شرطية، والجملة الجزائية مقدرة يدل عليه قوله:(عسيت)، وقيل: الشرط إذا توسط لا يستحق الجزاء؛ لأن له حقَّ الصدر، فإذا زالت صدريتُه زال حقُّه في الجزاء. (ذلك) في قوله:(إن فُعل ذلك) إشارة إلى المسؤول عنها، وهو إبعاده عن النار.
قوله: "رأى بهجتَها"، (البهجة): الحُسن، (بَهَجَ) و (بَهِجَ به) بالفتح والكسر: إذا فرح، بهَّجَه وأَبْهَجَه: سرَّه، الضمير في (بهجتها) عائد إلى الجنة.
قوله: "فإذا بلغ بابَها، فرأى زهرتَها وما فيها من النَّضرة والسرور"، (الزهرة): البياض، زهرة الدنيا: نضارتها؛ أي: طِيب عيشها؛ يعني: طِيب العيش فيها، وزهرة النبت: نوره.
(النَّضرة): الحُسن والرَّونق، يقال: نَضر وجهُه يَنْضُر نَضرةً: حَسُنَ، والسرور: الفرح.
قوله: "ويلَك يا ابن آدم ما أغدرَك! "، (ويلك): كلمة تقال عند وقوع شخص في الهلاك، وهو مصدر لا فعلَ له من لفظه، فإن فُسَّرَ مِن معناه الظاهر كان المعنى: الزَمِ الله ويلَك؛ أي: أهلكتَ إهلاكًا، وإن نُظر إلى معناها الخاص
فـ (ويلك): عبارة عن الهلاك؛ أي: هلكتَ هلكًا.
(ما أغدرك)، (أغدر): أفعل من: الغدر، وهو ضد الوفاء، و (ما): للتعجب، معناه: شيء، وهو مبتدأ، و (أغدرَك): جملة فعلية خبره، فعلى هذا معنى التعجب في كلام الباري تعالى: إنك تستحق أن تتعجب من كثرة غدرك وثباتك عليه، ويجوز أن تكون (ما) للاستفهام مبتدأ، و (أغدرك): خبره، فالهمزة في (أغدرك) للجَعل؛ أي؛ أيُّ شيء جعلَك غادرًا إذا أَعطيتَ العهدَ والميثاقَ؛ أي: لا تسألُ غيرَ ذلك.
قوله: "فلا يزال يدعو حتى يضحكَ الله منه"، والضَّحِك: صفة أجسام، والله عز وجل منزَّه عنه كما ذُكر غيرَ مرةٍ، يعني: يداوم العبدُ في دعائه حتى يرضَى الله سبحانه عنه، فإذا كان كذلك يكون المراد به: الرضا؛ لأن الرضا لازمة، فإن مَن يرضى عن شيء، أو يتعجب منه يضحك.
قوله: "فيقول: تَمَنَّ، فيتمنَّى حتى إذا انقطع أمنيتُه"، (تمنَّ): أمر مخاطب من: تمنَّيتُ الشيءَ؛ أي: اشتهيتُه، ومنَّيتُ غيري تمنيةً، و (الأمنية) واحدة: الأماني، وهي ها هنا بمعنى المُشتَهَى والمطلوب؛ يعني: يقول الله جل وعز لعبده المغفور في جنته: اطلبْ مني ما تريد، فيشتهي مِن حضرته ما يشاء، حتى يصلَ إلى منتهى مراده.
قوله: "قال الله تعالى: من كذا وكذا، أقبل يُذكِّره ربُّه حتى، إذا انتهت به الأماني"، (من) في (من كذا): للبيان، متعلق بـ (تمنَّ)؛ يعني: تمنَّ مِن كل جنس ما تشتهي منه، (كذا): اسم مُبهَم، تقول: فعلتُ كذا، وقد يجري مجرى (كم) فيُنصَب ما بعده على التمييز، تقول: عندي كذا وكذا درهمًا؛ لأنه كان كنايةً، ذكره في "الصحاح".
وها هنا المعنى الأول سائغ؛ يعني: يقول الله تعالى: أتفضَّل عليك تفضُّلًا
كثيرًا من كذا وكذا رحمةً وفضلًا، وأُعطيت ما سألتَني من المُنَى؛ أولُها خلاصُك من الجحيم، وآخرُها اللقاءُ في النعيم، فأقبل عز وجل؛ أي: طَفِقُ لطفُه تعالى يُذكِّره ما تفضَّل عليه من النِّعَمِ حتى إذا انتهت به الأماني.
* * *
4325 -
عن ابن مَسْعودٍ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "آخِرُ مَنْ يَدخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ فهوَ يَمْشي مَرَّةً ويَكْبُو مَرَّةً وتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فإذا جاوَزَها التفَتَ إلَيْها فقال: تَبَارَكَ الذي نجَّاني مِنكِ لقدْ أَعْطانيَ الله شَيْئًا ما أعطاهُ أَحَدًا مِنَ الأوَّلينَ والآخِرينَ، فتُرْفَعُ لهُ شَجَرَةٌ فيقولُ: أيْ رَبِّ أدْنِني منْ هذهِ الشَّجَرةِ فلأَستَظِلَّ بظِلِّها، وأَشْربَ منْ مائِها، فيقولُ الله: يا ابن آدمَ لعَلِّي إنَّ أَعْطَيْتُكَها سألتَني غيرَها، فيقول: لا يا رَبِّ، ويُعاهِدُهُ أنْ لا يسألَهُ غيرَها، فيُدنِيه منها، فيَستظِلُّ بظِلِّها، ويَشْرَبُ منْ مائِها ثُمَّ تُرْفَعُ لهُ شَجَرةٌ هيَ أَحْسنُ مِنَ الأُولى، فيقولُ: أيْ رَبِّ أدْنِني منْ هذهِ الشَّجَرةِ لأَشربَ منْ مائِها، وأَستظِلَّ بظِلِّها، فيقولُ: لَعلِّي إنْ أدنَيْتُكَ منها تسألُني غيرَها، فيُعاهِدُه أنْ لا يسأَلَهُ غيرَها، فيُدنيهِ منها فيَستظِلُّ بظِلِّها، ويَشْرَبُ منْ مائِها، ثمَّ تُرفَعُ لهُ شجَرةٌ عندَ بابِ الجَنَّةِ هيَ أَحْسنُ مِنَ الأولَيَيْنِ فيقولُ: أيْ ربِّ أدْنِني منْ هذهِ فلأستظِلَّ بظِلِّها وأشربَ منْ مائِها، فيقولُ: يا ابن آدمَ أَلَمْ تُعاهِدْني أنْ لا تَسأَلَني غيرَها؟ قال: بَلَى يا رَبِّ هذهِ لا أسألُكَ غيرَها، ورَبُّهُ يَعْذِرُهُ لأنَّهُ يَرَى ما لا صَبْرَ لهُ عليهِ، فيُدنِيهِ منها، فإذا أدناهُ منها سَمِعَ أَصْواتَ أَهْلِ الجَنَّةِ فيقولُ: أيْ ربِّ أَدْخِلْنِيها، فيقولُ: يا ابن آدمَ ما يَصْرِيني منكَ؟ أيُرضيكَ أنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيا ومِثلَها مَعَها؟ قال: أيْ رَبِّ أتَسْتهْزِئُ مِنِّي وأنتَ ربُّ العالمينَ". فضَحِكَ ابن مَسعودٍ فقالوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قال: هكذا ضَحِكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مِمَّ تَضْحَكُ يا رسولَ الله؟ قال: "منْ ضحْكِ ربِّ العالمينَ حِينَ قال: أتَستهْزِئُ مِنِّي وأنتَ ربُّ العالمينَ؟ فيقولُ:
إنِّي لا أَسْتَهْزِئُ مِنكَ، ولكنِّي على ما أشاءُ قدِير".
قوله: "آخرُ مَن يدخل الجنةَ رجلٌ، فهو يمشي مرةً ويَكْبُو مرةً"، قال في "الغريبين": الكَبوة: الوقفة؛ يعني: يمشي مرةً ويقفُ أخرى.
قوله: "وتَسْفَعُه النارُ مرةً"، (تَسْفَعه)؛ أي: تُعلِّمه، وسَفْعٌ من النار؛ أي: علامة منها، وقوله:{لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} [العلق: 15] أي: لنُعلمه علامةَ أهل النار من سواد الوجه وزرقة العين، فاكتفى بالناصية من سائر الوجه؛ لأنها في مقدَّم الوجه، ذكره في "شرح السُّنَّة".
قال في "الصحاح": وسفعتْه النارُ والسمومُ: إذا لفحتْه لفحًا يسيرًا، فغيَّرت لونَ البشرة.
قوله: "فتُرفَع له شجرةٌ، فيقول: أَيْ ربِ! أَدْنِنِي من هذه الشجرة فَلأستَظلَّ بظلِّها وأشربَ من مائها"، (فتُرفَع له شجرة)؛ أي: يظهر له شجرة.
(أي رب)؛ يعني: يا ربِ، والفرق بين (أي) و (يا): أن (يا) للبعيد والقريب، و (أي) للقريب فقط، والهمزة لأقرب منه.
(أَدْنِنِي)؛ أي: قرِّبني، وهو أمر مخاطب من (أَدْنىَ يُدنِي): إذا قرَّب.
الفاء في قوله: (فلأستظل) جواب لقوله: (أدنني)؛ لأن فيه معنى الشرط، تقديره: إنك يا ربِ إن تُدْنِنِي منها فلأستظلَّ بظلَّها؛ أي: لأستريحَ بظلِّها.
وقيل: الفاء زائدة؛ أي: أَدْنِنِي منها لأستظلَّ بظلِّها.
قال في "الصحاح": الظل في الحقيقة: إنما هو ضوء شعاع الشمس دون الشمس، فإذا لم يكن ضوءٌ فهو ظلمة، وليس بظلٍّ.
قوله: "يا ابن آدم! ما يَصْرِيني"، (ما) في (ما يَصْرِيني): للاستفهام، و (يَصْرِيني) من: صَرَى الله عنه شَّره؛ أي: دفعَ، وصَرَيتُه: منعتُه.
قال ذو الرمة:
وَوَدَّعْنَ مشتاقًا أَصَبن فُؤَادَه
…
هَوَاهُنَّ إن لم يَصْرِهِ الله قاتِلُهْ
وصَرَيْتُ الماءَ: إذا استقيتُه ثم قطعتُه، وصَرَيْتُ ما بينهم صَرْيًا؛ أي: فَصَلتُ، يقال: اختَصَمْنا إلى الحاكم فَصَرَى ما بيننا؛ أي: قطعَ ما بيننا وفَصَلَ، ذكره في "الصحاح".
يعني: يقول الله تعالى رؤوفًا به: يا ابن آدم! أيُّ شيءٍ يقطع مسألتَك مني؟ وأيُّ شيءٍ يرضيك حتى ينقطعَ طلبُك عند ذلك؟
قال التُّورِبشتي - رحمة الله عليه - في "شرحه": وفي كتاب "المصابيح": (ما يَصْرِيني منك)؛ وهو غلط، والصواب: ما يَصْرِيك مني، كذا رواه المتقنون من أهل الرواية، ويمكن أن يقال: ما قاله في "المصابيح" صواب، ولكنه مقلوب، (ما يَصْرِيني منك) أصله: ما يَصْرِيك مني، فقلبَه للعلم به، والقلبُ كثيرٌ في كلام العرب داخلٌ في الفصاحة.
قوله: "أتستهزئ مني وأنتَ ربُّ العالمين؟ " الاستهزاءُ من الله تعالى مُحَالٌ؛ لأنه صفةُ المخلوق، وقد ذُكر غيرَ مرةٍ أن ما هو صفةُ الأجسام في الله سبحانه محالٌ، فإذا كان كذلك فهذه العبارة لا محالةَ مؤولةٌ، فتأويله يحتمل أن يحمل إلى سبق لسانه؛ لشدة الفرح، كما أخطأ في القول مَن ضلَّت راحلتُه بأرضٍ فلاةٍ وعليها طعامُه وشرابُه، فَأيسَ منها، ثم بعدَ ما وجدها وأخذ بخطامها قال من شدة الفرح:"اللهم أنتَ عبدي وأنا ربُّك"؛ فتحيَّر من غاية الفرح حتى أخطأ في كلامه، وسبقَ لسانه بهذا الكلام المعكوس، ويجوز أن يريد به: إنك سبحانك تجلُّ أن تخاطبني بخطاب المستهزئين، فلِمَ تفعل ذلك وأنتَ أكرم الأكرمين؟ أو يريد: إن الآخرةَ ليست دارَ تكليفٍ، فلا يُؤاخذون بمِثْل هذه الأشياء.
* * *
4327 -
عن أنسٍ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "لَيُصِيبن أَقْوامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ بذُنُوبٍ أَصابُوها عُقوبةً، ثمَّ يُدخِلُهُمْ الله الجنَّةَ بفَضْلِ رَحْمَتِهِ، فيُقالُ لهُمْ: الجَهَنَّمِيُّونَ".
قوله: "لَيُصيبن أقوامًا سَفْعٌ من النار بذنوبٍ أصابوها عقوبةً"، اللام في (لَيصيبن): جواب قَسَم مقدَّر؛ أي: والله لَيُصيبن، أصاب يصيب إصابةً: إذا وجدَ، و (الأقوام) جمع: قوم، والقوم بمعنى الجماعة، وهو اسم لجمع، و (السَّفْع): الإحراق، و (سَفْعٌ): فاعل (يصيبن)، و (أقوامًا): مفعوله المقدَّم، و (من النار): صفة لـ (سَفْع)، والباء في (بذنوب): للسبب، و (أصابوا): صفة (ذنوب)، و (عقوبة): مفعول له، والفعل المعلَّل (أصابوها).
* * *
4328 -
عن عِمران بن حُصَيْن، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:"يَخرُجُ قومٌ مِنَ النَّارِ بشَفاعةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فيَدخُلونَ الجَنَّةَ ويُسمَّوْنَ: الجَهنَّميينَ".
وفي رِوايةٍ: "يَخْرُجُ قومٌ مِنْ أُمَّتي مِنَ النَّارِ بشَفاعَتي يُسمَّوْنَ: الجَهنَّميينَ".
قوله: "ويُسمَّون الجَهَنَّمِيُّون"، (الجَهَنَّمِيُّون) جمع: جَهَنَّميًّ، وهو منسوبٌ إلى جهنم، وحقُّه في الإعراب أن يكون بالياء؛ لأنه المفعول الثاني لقوله:(يُسَمَّون)، لكن الرواية بالواو.
* * *
4329 -
عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ رضي الله عنه قال: قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنِّي لأَعلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُروجًا منها، وآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخولًا، رَجُل يخرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا، فيقولُ الله: اِذْهَبْ فادخُلِ الجَنَّةَ، فيأْتِيها فيُخَيَّلُ إليهِ أنَّها مَلأَى، فيقولُ الله: يا رَبِّ وَجَدتُها مَلأَى، فيقولُ الله: اذهَبْ فادخُلِ الجَنَّةَ فإنَّ لكَ مِثْلَ الدُّنْيا وعَشرَةَ أمثالِها،
فيقول: تَسْخَرُ مِنِّي - أو تَضْحَكُ مِنِّي - وأنتَ المَلِكُ؟ " ولقَدْ رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نوَاجِذُهُ. وكانَ يُقالُ: "ذلكَ أدنَى أهلِ الجنَّةِ مَنزِلةً".
قوله: "يخرج من النار حَبْوًا"، قال في "الصحاح": حَبَا الصبيُّ على استِه حَبْوًا: إذا زحفَ؛ يعني: إذا مَشَى على وركَيه.
قوله: "فيأتيها، فيُخيَّل إليه أنها مَلآى"، قال في "الغريبين":(يُخيَّل إليه)؛ أي: يُشبَّه إليه.
(ملآى) تأنيث: ملآن؛ يعني: إذا دخل الجنةَ يُخيَّل إليه أن الجنةَ غاصَّةٌ بأهلها.
قوله: "ضحك حتى بَدَتْ نواجذه"، قيل: هي الأضراس، وقيل: هي المضاحك، وقيل: هي الأنياب، وهي أحسنُ ما قيل فيها؛ لأنه في الخبر: أنه صلى الله عليه وسلم كان جلُّ ضحكه التبسُّم، ذكره في "شرح السُّنَّة".
* * *
4330 -
عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنِّي لأَعلَمُ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخولًا الجَنَّةَ، وآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُروجًا منها، رَجُلٌ يُؤتَى بهِ يومَ القِيامَةِ فيُقالُ: اعْرِضُوا عليهِ صِغارَ ذُنوبهِ، وارفَعوا عنهُ كبارَها، فيُعرَضُ عليهِ صِغارُ ذُنوبهِ، فيُقالُ: عَمِلتَ يَوْمَ كَذا وكَذا؛ كَذا وكَذا، وعَمِلتَ يَوْمَ كَذا وكَذا؛ كَذا وكَذا، فيقولُ: نَعَمْ، لا يَستطيعُ أنْ يُنكِرَ، وهوَ مُشفِقٌ مِنْ كبارِ ذُنوبهِ أنْ تُعرَضَ عليهِ، فيُقالُ لهُ: فإنَّ لكَ مَكانَ كُلِّ سيئةٍ حَسَنَةً، فيقولُ: رَبِّ قدْ عَمِلتُ أَشْياءَ لا أَراها ها هُنا"، فلقدْ رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ حتَّى بدَتْ نوَاجِذُهُ.
قوله: "فيقال: عملتَ يومَ كذا وكذا كذا وكذا
…
" إلى آخره.
"المُشفِق": الخائف؛ يعني: يقال له: عملتَ في اليومِ الفلانيَّ الذنبَ
الفلانيَّ، وفي اليومِ الفلانيِّ الذنبَ الفلانيَّ، فيَذكُر ذلك ويُصدِّقه، ويقول: نعم، فـ (كذا وكذا) الأولَين: محلُّهما جرٌّ بإضافة (اليوم) إليهما، والآخرين: محلُّهما نصبٌ؛ لكونهما مفعولَي (عملت).
* * *
4332 -
وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَخْلُصُ المُؤْمِنونَ مِنَ النَّارِ، فيُحْبَسونَ على قَنْطَرةٍ بينَ الجَنَّةِ والنَّارِ، فيُقْتَصُّ لبَعْضهِمْ منْ بَعْضٍ مَظالِمُ كانت بينَهُمْ في الدُّنْيا، حتَّى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِنَ لهُمْ في دُخُولِ الجَنَّةِ، فوالذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لأَحدُهُمْ أَهْدَى لِمَنْزِلهِ في الجنَّةِ منهُ لِمَنْزِلهِ كانَ في الدُّنْيا".
قوله: "فيُحبَسون على قنطرة بين الجنة والنار"، (القنطرة): الجسر، وهي عبارة عن الصراط الممدود بين الجنة والنار، وقد ذُكر قُبيلَ هذا كيفيتُه.
قوله: "فَيُقَصُّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دخول الجنة"، (فيُقَصُّ): مضارع ما لم يُسمَّ فاعلُه، من! قَصَّ الأثرَ واقتصَّ وتقصَّصه تقصُّصًا: تبعَه.
و (المظالم) جمع: مَظْلَمة، وهي ما تطلبه عند الظالم، وهو اسم ما أُخذ منك، ذكره في "الصحاح".
"التهذيب" و"التنقية": واحد؛ يعني: إذا خلصَ المؤمنون من النار، فيُحبَسون على تلك القنطرة التي بين الجنة والنار؛ ليؤدُّوا حقَّ كلِّ ذي حقًّ من المظالم المالية والعرضية (1)، فإذا اقتصوا وأدَّوا ما عليهم من الحقوق إلى صواحبها، أو يُرضيهم الله سبحانه بكرمه ولطفه مما عنده، فيستحقُّون دخولَ
(1) في "ش": "ليقتص من بعض مظالم مالية وعرضية" مكان: "ليؤدوا حق كل ذي حق من المظالم المالية والعرضية".
الجنة بعد ذلك؛ لأنهم هُذِّبوا ونُقُّوا من الذنوب.
وفي بعض النسخ: "فيُقْتَصُّ" مضارع مجهول من: الاقتصاص.
قوله: "والذي نفسي بيده! لأَحدُهم أهدَى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا"؛ يعني: أَقسَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم تأكيدًا لصدقه بأن كلَّ واحدٍ من أهل الجنة أشدُّ هدايةً إلى منزله في الجنة منه؛ أي: أعرف بمنزله المَعدِّ له في الجنة من معرفته بمنزله الذي كان في الدنيا.
* * *
4334 -
وقالَ: "إذا صارَ أَهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهلُ النَّارِ إلى النَّارِ جِيءَ بالمَوْتِ حتَّى يُجْعَلَ بينَ الجَنَّةِ والنَّارِ، ثمّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ: يا أَهْلَ الجَنَّةِ لا مَوْتَ، ويا أَهْلَ النَّارِ لا مَوْتَ، فيزدادُ أهلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إلى فرَحِهم، ويزدادُ أَهْلُ النَّار حُزنًا إلى حُزنِهم".
قوله: "إذا صار أهلُ الجنة إلى الجنة، وأهلُ النار إلى النار جِيء بالموت
…
" إلى آخره.
صارَ إلى الشيء الفلاني؛ أي: جُمِعَ إليه؛ يعن: إذا وصلَ أهلُ الجنةِ إلى الجنةِ، وأهلُ النارِ إلى النارِ جِيءَ بالموت على صورة كبش، فيُذبَح بين الجنة والنار.
اعلم أن الموتَ يومَ يُذبَح يصير مشكلًا على الصورة المذكورة، بحيث يشاهدها أهلُ الجنة وأهلُ النار بأعينهم؛ لأن نعيمَ الجنة صوريٌّ، وكذا عذابُ أهل النار صوريٌّ، كما نَطَقَ به الشرعُ، وإنما يُذبَح؛ ليعلموا أن نعيمَ أهل الجنة في الجنة أبديٌّ بلا انقطاعٍ، وعذابَ أهلِ النار الذين لهم استحقاقُ الخلود في النار أبديٌّ بلا انقطاعٍ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
4335 -
عن ثَوْبان رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "حَوْضي من عَدَنَ إلى عَمَّانَ البَلْقاءِ، ماؤُهُ أشدُّ بياضًا مِنَ اللَّبن، وأحلَى مِنَ العَسَلِ، وأكوابُهُ عَدَدُ نُجومِ السَّماءِ، مَنْ شَرِبَ منهُ شَرْبةً لمْ يَظْمَأْ بعدَها أبدًا، أوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا فُقراءُ المُهاجِرينَ، الشُّعْثُ رُؤُوسًا الدُّنْسُ ثيابًا، الذينَ لا يَنْكِحونَ المُتَنعِّماتِ، ولا يُفْتَحُ لهُمُ السُّدَدُ"، غريب.
قوله: "حوضي من عدن إلى عمَّان البلقاء"، قال في "شرح السُّنَّة"، (عَمَّان) بفتح العين وتشديد الميم: موضع بالشام، وبضم العين وتخفيف الميم: موضع بالبحر.
قال في "الصحاح": البلقاء: مدينة بالشام.
قوله: "وأكوابُه عددُ نجوم السماء
…
" إلى آخره.
وقال في "الصحاح": الكُوب: كُوزٌ لا عُروةَ له، والجمع: أكواب، يقال:
مُتَّكِئًا تُصْفَقُ أبوابُه
…
يَسْعَى عليه العبدُ بالكُوبِ
"ورودًا" و"رؤوسًا" و"ثيابًا" كلُّها منصوبةٌ على التمييز.
"الشُّعث" بضم الشين: جمع أشعث، وهو الذي شَعرُ رأسه متفرِّق.
و"المتنعَّمات" جمع: متنعَّمة وهي اسم فاعلة من: التنعُّم.
قال في "الصحاح": التنعُّم والنَّعمة - بالفتح - بمعنًى، وقيل: النَّعمة بالفتح: عبارة عن نِعَمٍ فيها طِيبُ العيش.
"السُّدَد": الأبواب.
والناس في قوله: (أول الناس ورودًا) مخصوصون بالفقراء المهاجرين، وتخصيصُ العموم من فصاحة كلام العرب؛ يعني: أولُ مَن وردَ على حَوضي
مِن فقراء أُمتي مِن الناس فقراءُ المهاجرين الذين كانت شُعور رؤوسهم متفرقةً، وثيابُهم دَنِسَةً، بحيث لو خَطَبُوا المتنعِّماتِ من أوليائهن لم يُجَابُوا، ولو دقُّوا الأبوابَ لم يُفتَح لهم، هوانًا.
* * *
4336 -
عن زَيْدِ بن أَرْقَمَ قال: كُنَّا مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فنزَلنا مَنْزِلًا، فقالَ:"ما أنتُمْ جُزْءٌ منْ مِئَةِ ألْفِ جُزءٍ مِمَّنْ يرِدُ عليَّ الحَوْضَ". قيلَ: كمْ كنتُمْ يومئذٍ؟ قال: سبعَ مِئَةٍ أو ثمانِ مِئَةَ.
قوله: "ما أنتم جزءٌ من مئةِ ألفِ جزءٍ ممن يَرِدُ على الحوض": يجوز أن يكون قوله: (جزء) منصوبًا على لغة أهل الحجاز، وهو إعمال (ما) وإجراؤها مجرى (ليس)، ويجوز أن يكون مرفوعًا على لغة بني تميم، ويريد به: كثرة مَن آمَنَ به وصدَّقه من الجن والإنس، ومثل هذه العبارة جاريةٌ في معرض المبالغة.
قوله: "قيل: كم كنتُم يومَئذٍ؟ "، (كم) ها هنا: للاستفهام، ومحلها نصب على خبر (كان) المتقدم، تقدير الكلام: كم رجلًا كنتم؟ أو كم عددًا كنتُم؟
* * *
4338 -
عن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: سأَلتُ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَشْفَعَ لي يَوْمَ القِيامَةِ، فقالَ:"أنا فاعِلٌ". قُلتُ: يا رسُولَ الله! فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قالَ: "اُطلُبنى أوَّلَ ما تطلُبني على الصِّراطِ". قلتُ: فإنْ لمْ ألْقَكَ عَلَى الصِّراطِ؟ قالَ: "فاطلُبني عِنْدَ المِيزانِ. قلتُ: فإنْ لم ألْقَكَ عِنْدَ المِيزانِ؟ قال: "فاطلُبني عِنْدَ الحَوْضِ، فإنَّي لا أُخطِئُ هذَهَ الثلاثَ المَواطِنَ"، غريب.
قوله: "فإني لا أُخطِئُ هذه الثلاث المَوَاطن"، (المواطن) جمع: مَوطن، وهو الموضع، وأصل معنى الموطن: المَشهَد من مشاهد الحرب، قال الله تعالى:{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ} [التوبة: 25].
وقال طرفة:
على مَوطِنٍ يَخْشَى الفتى عندَه الرَّدَى
وحقُّ الكلام أن يقال: هذه الثلاثةُ المَواطن، بالتأنيث؛ لأن واحدَ (المواطن) مذكر، وهو الموطن، إلا أن يراد بـ (المواطن): البقاع، وهذا التأويلُ شائعُ الاستعمال في العربية.
يعني: حمل المذكَّر على المؤنَّث، وبالعكس.
* * *
4339 -
عن المُغِيرةِ بن شُعْبةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "شِعَارُ المُؤْمنينَ يومَ القِيامَةِ على الصِّراطِ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ"، غريب.
قوله: "شِعَارُ المؤمنين"، و (الشِّعار) بكسر الشين: العلامة.
قال في "الصحاح": وشِعَارُ القومِ في الحرب: علامتُهم؛ ليَعرفَ بعضُهم بعضًا، والشِّعار: ما يلي الجسدَ من الثياب، والشَّعار - بالفتح -: الشجر، يقال: أرضٌ كثيرةُ الشَّعارِ.
* * *
4344 -
عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: "إنَّ مِنْ أُمَّتي مَنْ يَشْفَعُ للفِئامِ، ومنهُم مَنْ يَشْفَعُ للقَبيلَةِ، ومنهُم مَنْ يَشْفَعُ للعَصَبَةِ، ومنهُم مَنْ يَشْفعُ للرَّجُلِ حتَّى يَدْخُلَ الجَنَّة".
قوله: "مَن يَشْفَع للفِئام
…
" إلى آخره.
قال في "الصحاح": الفئام: الجماعة من الناس، لا واحدَ له من لفظه، والعامة تقول: فيام - بلا همز -.
و"العُصبة من الرجال": ما بين العشرة إلى أربعين.
* * *
4346 -
عن أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ: "يُصَفُّ أَهْلُ النَّارِ، فَيَمُرُّ بهِم الرَّجَلُ منْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فيقُولُ الرَّجُلُ منهم: يا فُلانُ! أما تَعرِفُني؟ أنا الذي سَقَيْتُكَ شَرْبةً، وقال بَعْضُهُمْ: أنا الذي وَهَبْتُ لكَ وَضُوءًا، فيشفَعُ لهُ فيُدْخِلُهُ الجنَّةَ".
قوله: "يا فلانُ! أما تَعرفُني؟ أنا الذي سقيتُك شَربةً
…
"، الحديث.
هذا تحريضٌ على الإحسان إلى المسلمين، سيما العلماءِ والصلحاءِ، والمجالسة معهم ومحبتهم؛ فإن محبتَهم زينٌ لمحبيهم في الدنيا، ونورٌ في الآخرة.
"الوَضوء" بفتح الواو: الماء الذي يُتوضَّأ منه.
* * *
4348 -
عن ابن مَسْعودٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يَرِدُ النَّاسُ النار ثُمَّ يَصْدُرُونَ منها بأَعْمالِهِمْ، فأَوَّلُهُمْ كلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُّمَ كحُضْرِ الفَرَسِ، ثُمَّ كالرَّاكِبِ في رَحْلِهِ، ثمّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ كمَشْيهِ".
قوله: "يَرِدُ الناسُ النارَ، ثم يَصدُرون منها بأعمالهم"، الحديث.
قال في "الصحاح": وَرَد فلانٌ يَرِدُ ورودًا: إذا حضرَ، وأورده غيرُه، وصَدَر يَصدُر صدورًا: إذا رجعَ.
و"الحُضر" بضم: العَدْوُ، ويقال: أَحْضَرَ الفَرَسُ إحضارًا واحتضر؛ أي: عَدَا، و"الشَّدُّ": العَدْوُ، قد شَدَّ؛ أي: عَدا.
وقيل: المراد بـ (الورود) ها هنا: الجواز على الصراط، ويدل عليه ما بعده، وهو قوله: "فأولُهم كلمح البرق، ثم كالريح
…
" إلى آخره.
وإنما يُسمى الجواز ورودًا؛ لأنهم إذا مرُّوا على الصراط يشاهدون النارَ ويحضرونها، تقول: وَرَدتُ بلدَ كذا: إذا حضرتُه، ولو لم تدخل فيه، قال الله تعالى:{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ} [القصص: 23]، ولم يدخله.
قال الشيخ شهاب الدين التُّورِبشتي - رحمة الله عليه - في "شرحه": معنى قوله: (يصدرون منها): ينصرفون عنها، فإن الصَّدَرَ إذا عُدِّي بـ (عن) اقتضى الانصراف، وعلى هذا الاتساع معناه: النجاة منها بأعمالهم، إذ ليس هناك الانصرافُ، وإنما هو المراد: عليها، فوضع الصَّدَرَ موضعَ النجاة للمناسبة التي بين الصدور والورود، هذا كله لفظ الشيخ.
وقد قيل: (الورود) بمعنى: الدخول، واستدل بقوله تعالى حكايةً عن فرعون وقومه:{فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود: 98]، وقوله حكايةً عن الأصنام وعابدِيها:{أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} [الأنبياء: 98، 99].
قال الإمام الربَّاني أبو الفتوح العجلي - قدَّس الله روحه - في تفسيره المرسوم بـ "الموجز" في تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم: 72]: رُوي عن أبي سمية قال: اختلفنا بالبصرة في الورود؛ فقال قوم: لا يدخلها مؤمنٌ، وقال آخرون: يدخلونها جميعًا، ولقيتُ جابرَ بن عبد الله رضي الله عنه، فقلت له: إنما اختلفنا فيه بالبصرة؛ فقال قوم: لا يدخلها مؤمنٌ، وقال آخرون: يدخلونها جميعًا {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} ، فأهوى باصبعَيه إلى أذنيه - أي: أشارَ، قال الأصمعي: أَهويتُ بالشيء: إذا أَوَمأت به، ذكره في "الصحاح" - وقال: صُمَّتَا إن لم أكن سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الورودُ الدخولُ، لا يبقى بَرٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلَها، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم عليه السلام، حتى إن للنار - أو قال: إن لجهنم - ضجيجًا من بردهم".
° ° °