المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌20 - كِتَابُ اللِّبَاسِ

- ‌1 - باب

- ‌2 - باب الخاتَمِ

- ‌3 - باب النَّعَال

- ‌4 - باب التَّرجيلِ

- ‌5 - باب التَّصاويرِ

- ‌21 - كِتابُ الطَّبَّ وَالرُّقى

- ‌2 - باب الفَأْلِ والطِّيرَةِ

- ‌3 - باب الكهَانَةِ

- ‌22 - كِتَابُ الرُّؤيَا

- ‌23 - كِتَابُ الآدَابِ

- ‌1 - باب السَّلامِ

- ‌2 - باب الاسْتِئْذَانِ

- ‌3 - باب المُصافحَةِ والمُعانَقَةِ

- ‌4 - باب القِيَام

- ‌5 - باب الجُلوُسِ والنَّومِ والمَشْيِ

- ‌6 - باب العُطَاسِ والتَّثَاؤُبِ

- ‌7 - باب الضَّحِكِ

- ‌8 - باب الأَسَامِي

- ‌9 - باب البَيانِ والشَّعرِ

- ‌10 - باب حِفْظِ اللِّسانِ والغِيْبةِ والشَّتمِ

- ‌11 - باب الوَعْدِ

- ‌12 - باب المُزَاحِ

- ‌13 - باب المُفاخَرَةِ والعَصَبيَّةِ

- ‌14 - باب البرِّ والصِّلَةِ

- ‌15 - باب الشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ على الخَلْقِ

- ‌16 - باب الحُبِّ في الله والبُغْضِ في الله

- ‌17 - باب ما يُنهَى من التَّهاجُرِ والتَّقاطُعِ واتباعِ العَوْراتِ

- ‌18 - باب الحذَرِ والتَّأَنَّي في الأُمورِ

- ‌19 - باب الرفق والحياء وحسن الخلق

- ‌20 - باب الغضب والكبر

- ‌21 - باب الظُّلمِ

- ‌22 - باب الأمر بالمعروف

- ‌24 - كِتابُ الرَّقَاقِ

- ‌2 - باب فضلِ الفُقَراءِ وما كانَ من عَيْشِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌3 - باب الأَمَلِ والحِرْصِ

- ‌4 - باب استِحبابِ المالِ والعُمُرِ للطَّاعةِ

- ‌5 - باب التَّوَكلِ والصَّبرِ

- ‌6 - باب الرِّياءِ والسُّمْعَةِ

- ‌7 - باب البُكاءِ والخَوْفِ

- ‌8 - باب تَغيُّرِ النَّاسِ

- ‌9 - باب

- ‌25 - كِتابُ الفِتَنِ

- ‌2 - باب المَلاحِمِ

- ‌تَتِمَّة المَفَاتِيح فِي شَرْحِ المَصَابِيْحِ

- ‌3 - باب أَشْراطِ السَّاعَةِ

- ‌4 - باب العلاماتِ بين يَدَي السَّاعةِ، وذِكْرُ الدَّجَّالِ

- ‌5 - باب قِصَّةِ ابن الصَّيَّادِ

- ‌6 - باب نزولِ عيسى عليه السلام

- ‌7 - باب قُرْبِ السَّاعَة وأنَّ مَنْ ماتَ فقد قامَتْ قيامَتُه

- ‌8 - باب لا تقومُ السَّاعةُ إلا على الشِّرارِ

- ‌1 - باب النَّفْخِ في الصُّورِ

- ‌2 - باب الحَشْرِ

- ‌3 - باب الحِسَابِ والقِصَاصِ والمِيْزانِ

- ‌4 - باب الحَوْضِ والشَّفاعَةِ

الفصل: ‌2 - باب الحشر

‌2 - باب الحَشْرِ

(باب الحشر)

مِنَ الصِّحَاحِ:

4284 -

قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامةِ على أَرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كقُرْصَةِ النَّقِيِّ، ليسَ فيها عَلَمٌ لأَحَدٍ".

قوله: "يحشرُ الناسُ يومَ القيامة على أرضٍ بيضاءَ عَفْراءَ"؛ أي: يحشر الناس على أرض بيضاء ليس بالشديد البياض.

قال في "الصحاح": الأعفر: الأبيض، وليس بالشديد البياض، وشاة عفراء: يعلو بياضَها حمرةٌ.

قوله: "كقُرصةِ النَّقي": قال في "شرح السنة": يعني: نقي الحُواري - بضم الحاء -؛ لنقائه من القشر والنخالة.

"العلم": العلامة، يريد: أن تلك الأرض مستوية ليس فيها حدبٌ يردُّ البصر، ولا بناءٌ يستر ما وراءه.

* * *

4285 -

وقالَ: "تكونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً، يتكَفَّؤُها الجَبَّارُ بيدِه، نُزُلًا لأَهْلِ الجَنَّةِ".

قوله: "تكون الأرضُ يوم القيامة خبزةً واحدةً يتكفَّؤها الجبارُ"، (يتكفؤها): يقلبها، من (كفأت الإناء): إذا قلبتها؛ يعني: يقلبها الله سبحانه خبزة واحدة يهيأها ويرزقها نزلًا لأهل الجنة.

ص: 473

و (النُّزل) بضم الزاي وسكونها: ما يُهيأ للنزيل، وهو الضيف.

قال الإمام التُّورِبشتي: (يتكفؤها) من رواية البخاري، وروي في "كتاب مسلم":(يَكْفَؤها)، وهو الصواب على ما نعرفه من رواية الحفاظ، وهو المستقيمُ على اللغة العربية، والمعنى: يقلبُها.

ونرى الحديث مشكلًا جدًا غيرَ منكرين شيئًا من صنع الله وعجائب فطرته، بل لعدم التوقف الذي يكون موجبًا للعلم في قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى الطبع المطعوم والمأكول، مع ما ورد من الآثار المنقولة: أن هذه الأرضَ برَّها وبحرَها تمتلئ نارًا في النشأة الثانية، وتنضمُّ إلى جهنم.

فنرى الوجه فيه: أن تقول: معنى قوله: "خبزة واحدة"؛ أي: كخبزة واحدة من نعتها كذا وكذا، وهو مثل ما في حديث سهل بن سعد:"كقرصة النقي"، وإنما ضربَ المثل بقرصة النقي؛ لاستدارتها وبياضها على ما ذكرنا، هذا كلُّه كلامُ الشيخ التوربشتي.

ما ذكره الشيخ - رحمة الله عليه - مستقيمٌ جدًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "نزلًا لأهل الجنة"، فحينئذ التنزيل يرُّد ذلك التأويل، ثم لا يبقى لـ (يكفأها) فائدة، وإن أريد تصحيحه؛ فالوجه أنه تعالى يكفأها؛ أي: قادر على قلبها، ليس كحال الأرض في الدنيا في قرارها وثباتها.

وقوله: "نزلًا"؛ أي: كخبزة تُخلَق نُزُلًا لأهل الجنة، فتقع النسبة في المجموع، لا في الخبزة نفسها، فإذا فُتِحَ بابُ القدرة الإلهية وظهورها ذلك اليوم، استغنيت عن التأويل الذي ذكره هو وغيرُهُ.

* * *

4286 -

وقال: "يُحْشَرُ النَّاسُ على ثلاثِ طرائِقَ: راغِبينَ راهِبينَ، واثنانِ

ص: 474

على بعيرٍ، وثلاثةٌ على بَعيرٍ، وأَرْبَعةٌ على بَعيرٍ، وعَشَرةٌ على بَعيرٍ، وتَحْشُرُ بقيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقيلُ مَعَهُمْ حيثُ قالُوا، وتَبيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ باتُوا، وتُصْبحُ مَعَهُمْ حيثُ أَصْبَحُوا، وتُمْسِي مَعَهُمْ حيثُ أَمْسَوْا".

قوله: "يحشر الناس على ثلاثِ طرائقَ"، قال في "شرح السنة": هذا الحشرُ قبل قيام الساعة، وإنما يكونُ ذلك إلى الشامِ أحياءً، فأما الحشرُ بعد البعث من القبور على خلاف هذه الصفة من ركوب الإبل، والمعاقبة عليها، إنما هو كما أخبر: أنهم يبعثون حفاة عراة.

وقيل: هذا في البعث دون الحشر.

يعني: أهل العَرَصاتِ ثلاثة أصناف:

"راغبين": وهم الذين لا خوفٌ عليهم، ولا هم يحزنون.

و"راهبين": وهم الذين يخافون، ولكن ينجون.

والثالث: يُحشَرُون إلى النار، وهم المعني بقوله:"وتحشر بقيتهم النار".

والتنزيل نطق به، قال تعالى:{إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} إلى قوله {وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} [الواقعة: 4 - 89].

{وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً} : حال تقديره: كنتم أزواجًا ثلاثة حال انقسامكم إلى مراتب مختلفة؛ محسن، وأحسن منه، ومتوسط بينهما.

شرحُ مشكلات ما في الآية من اللُّغات:

{رُجَّتِ الْأَرْضُ} : حُرِّكت وزلزلت، قيل: إن الله تعالى إذا أوحى إليها اضطربت فَرَقًا.

{وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} ؛ أي: فتَّت فتًا كالدقيق المبسوس، وهو المبلول.

(الهباء المنبث)؛ أي: الغبار المتفرق.

ص: 475

و (ما) في {مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} و {وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} ؛ للاستفهام.

قوله: "واثنان على بعير": الصوابُ من حيث المعنى: اثنان بغير واو، وكأنه قال: راغبين راهبين راكبين وغير راكبين، معقبين في الركوب والمشي؛ يعني: يركبون ويمشون بالعُقبةِ، فيكون الواو زائدًا، ويحتمل أن تكون الواوُ واوَ الحال؛ أي: الحال أن بعضَهم يركبُ، وبعضَهم يمشي راجلًا، على سبيل العُقبةِ، وهي النوبة.

قال في "شرح السنة": يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد، يركب بعضهم ويمشي الباقون عُقَبًا، (العُقَب): جمع عقبة.

قوله: "تقيل معهم حيث قالوا

" إلى آخره.

(تقيل) و (قالوا) من (القيلولة)، وهي: النوم نصف النهار، الضمير في (تقيل) للنار، وفي (قالوا) للمحشورين إليها، وهم الكفرة؛ يعني: تلزمهم النار أبدًا بحيث لا تفارقهم، ولا يفارقونها؛ يعني: هم فيها مخلَّدون.

* * *

4287 -

وقالَ: "إنَّكم مَحْشورونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا"، ثُمَّ قَرَأَ:{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} ، "وأَوَّلُ منْ يُكْسَى بومَ القِيامةِ إبراهيمُ، وإنَّ ناسًا منْ أَصْحابي يُؤْخَذُ بهمْ ذاتَ الشِّمالِ فأقولُ: أَصْحابي، أَصْحابي، فيقولُ: إنَّهُمْ لنْ يَزالوا مُرْتَدِّين على أَعْقابهم مُذْ فارَقْتَهُمْ، فأقولُ كما قالَ العَبْدُ الصَّالِحُ:{وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} ، إلى قوله:{العَزيزُ الحَكيمُ} .

قوله: "حُفاة عُراة غُرلًا"، (الحفاة): جمع الحافي، وهو الذي ليس في رجله خفٌّ ولا نعلٌ.

ص: 476

و (العراة): جمع العاري، وهو الذي ليس ببدنه ثوبٌ.

(الغُرْل): جمع الأغرل، وهو الذي لم يُختَنْ.

والفائدةُ في خلق الجلدة المقطوعة من المختنين، والعلم عند الله سبحانه: التنبيهُ على إحكام خِلْقَتِهِ، وأنه خُلِقَ للأبد، لا للفناء؛ إذ لم ينقصْ من أعضائه، بل الناقص أُعيدَ كاملًا، أو لأنه التزم عَودَهُ كما كان، ووقت كونه كان غُرلًا، فأُعيدَ كما كان.

(حفاة)(عراة)(غرلًا) ثلاثتها منصوبة على الحال من الضمير في (محشورون).

قوله: "ثم: قرأ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} ": الكاف متعلق بمحذوفٍ دلَّ عليه (نعيده)، تقديره: نعيد الخلق إعادةً مثل الخلق الأول؛ يعني: بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلًا، كذلك نعيدهم يوم القيامة نظيرها.

{وَعْدًا عَلَيْنَا} إعادته، (وعدًا) بالنصب على المصدر من غير لفظ الفعل؛ لأن الإعادةَ وعدٌ، كأنه قال: وعدناه وعدًا، ويجوز أن يكون (علينا) صفة الوعد؛ أي: وعدًا واجبًا علينا بإيجابنا.

{إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} ؛ أي: الإعادة والبعث.

وبيان إيجابه تعالى على نفسه حشرَ الأجساد كرمًا: أنه وعد حشر الأجساد المتضمن للثواب والعقاب في كلامه القديم في غير موضع، فإذا وعد به وجب إنجازه صدقًا لوعده؛ لقوله سبحانه تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 9]، ولأنه لما أخبر بوقوعه، فإن لم يقع لزم تطرُّقُ الخُلْفِ إلى كلامه، وذلك نقصٌ، وهو سبحانه منزَّهٌ عن ذلك، فإذا ثبت هذا، فالمعاد الجسماني إنما أوجبه إخبارُ الصادق المعصوم، لا القضيةُ العقلية؛ لأنها مختلف فيها، ولأن

ص: 477

العقلَ لا يتكلم في مثل هذا، بل ربما يجاوز فلا يصدق كقول الفلسفي والمعطَّل.

قوله: "وأول من يُكسَى يوم القيامة إبراهيمُ" عليه الصلاة والسلام.

إن قيل: إن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم، فكيف يكون إبراهيم مقدمًا عليه بهذه الفضيلة؟

قيل: يحتمل أن الحديثَ مخصوصٌ بالنبي صلوات الله عليه، والتخصيصُ من فصاحةِ كلام العرب.

ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم[كان] مُشرَّفًا باللباس، فحينئذ الحديثُ لا يحتاج إلى التأويل.

ويحتمل أن يقال: إن تقدمه في اللباس لا لأجل الفضيلة على نبينا، بل إنما يُكسى أولًا؛ لكونه أباه، وتقدمه في اللباس لعزة الأبوة، لا للفضيلة، بل إنما شرف به وبغيره؛ لكونه أباه، والله أعلم.

قوله: "أُصَيْحَابي"، (الأُصَيحاب): تصغير أصحاب، فُتِحَ الحاء لأجل الألف، كـ (أجيمال) تصغير (إجمال).

قال في "شرح السنة": إنما صغَّر؛ ليدلَّ على قلة عددهم.

إن قيل: (أصحاب) جمع قلة، والقليلُ لا يُقلَّل، إنما يقلل الكثير.

قيل: ما من قليل الأقل منه يمكن، فلهذا جاء قليلان.

ويمكن أن يقال: إنما حقَّرهم؛ لاحتقارِ أوصافهم، إذا كانوا أصحابَ سوء حين أساءوا العملَ بعدما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى دار البقاء، وضيَّعوا صحبته، استحقوا النار، لا للكفر والارتداد، بل للمعاصي، وسياق الحديث دليلٌ عليه، وهو قوله:"لن يزالوا مرتدين على أعقابهم".

ص: 478

قال في "شرح السنة": لم يرد به الردةَ عن الإسلام، وإنما معناه: التخلفُ عن بعض الحقوق الواجبة والتأخر عنها، ولذلك قُيدَ بقوله:(على أعقابهم)، ولم يرتدَّ بحمد الله تعالى أحدٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إنما ارتد قومٌ من جُفاةِ العرب.

قوله: "فأقول كما قال العبدُ الصالح: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} " الآية، (العبد الصالح)؛ يعني: عيسى صلوات الله عليه.

* * *

4289 -

عن أنس رضي الله عنه: أنَّ رَجُلًا قالَ: يا نبيَّ الله! يُحْشَرُ الكافِرُ على وَجْههِ يومَ القِيامَةِ؟ قال: "أَلَيْسَ الذِي أمْشاهُ على الرِّجلَيْنِ في الدُّنيا قادِرٌ على أنْ يُمْشِيَه على وَجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ؟ ".

قوله: "أمْشَاهُ على الرجلين"، (أمشى): إذا جعل أحدًا ماشيًا.

* * *

4290 -

عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "يَلقَى إبراهيمُ أباهُ يومَ القِيامَةِ وعلى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فيقولُ لهُ إبراهيمُ: أَلَمْ أقُلْ لكَ: لا تَعْصِني؟ فيَقولُ لهُ أبوهُ: فاليَوْمَ لا أَعصِيكَ، فيقُولُ إبراهيمُ: يا ربِّ! إنَّكَ وعَدْتَنِي أنْ لا تُخزِيَني يَوْمَ يُبعَثونَ، فأيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أبي الأَبْعَدِ؟ فيقولُ الله عز وجل: إنَّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ على الكافِرينَ، ثُمَّ يُقالُ لإبراهيمَ: ما تحتَ رِجلَيْكَ؟ فينظُرُ فإذا هوَ بذِيخٍ مُتَلطَّخٍ، فيُؤخَذُ بقَوائِمِهِ فيُلقَى في النَّارِ".

قوله: "وعلى وجه آزر قترة وغبرة"، (الغَبَرة): الغبار، و (القَتَرة): الغبرة التي معها سواد.

ص: 479

قال في "معالم التنزيل": قال ابن زيد: الفرق بين (الغَبَرة) و (القَتَرة): أن (القَتَرة): ما ارتفع من الغبار، فلحق بالسماء، و (الغَبَرة): ما كان أسفل في الأرض.

قوله: "فأيُّ خزيٍ أخزى من أبي الأبعد؟ ".

قوله: "من أبي الأبعد": لم يردْ منه الأبعدَ في النسب، إذ الأبُ أصل الولد، فكيف يسمى أبعد؟ وإنما أراد الأبعد مني في المرتبة والالتحاق بأهل النار.

يعني: إدخال والدي في النار إهانة لي، وفي الإهانة جلبُ الخزي العظيم، وقد وعدتني أن لا تخزيني؟

فأجيب بأنَّ تعذيبَ الكافر واجبٌ، وفعل الوجوب لا يُسمَّى خزيًا، فالحقيقةُ أنه وعده أن لا يخزيه في نفسه، وفي حقَّ من لا يستحقُّ الخزيَ، وأما الخزيُ المطلق، فلم يمنعه، فإذا علم أن أباه مات على الكفر تبرأ منه؛ لعلمه: أن الجنة محرمةٌ على الكفرة.

يقول (1) عز وجل: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} .

قوله: "ما تحت رجليك؟ "، (ما): استفهام مبتدأ، و (تحت) خبره، ويحتمل أن يكون بمعنى: الذي؛ أي: انظر إلى الذي تحتَ رجليك.

قوله: "فإذا هو بذِيخٍ": (الذيخ): الذكر من الضباع.

قوله: "فيُؤخذُ بقوائمه"، (القوائم): جمع قائمة، وهي ما تقوم به الدواب، فهي من الدواب بمثابة الأرجل من الإنسان؛ أي: يُجرُّ بقوائمه فيُلقى في النار.

* * *

(1) في جميع النسخ: "قوله"، ولعل الصواب ما أثبت.

ص: 480

4292 -

وقال صلى الله عليه وسلم "تُدْنىَ الشَّمْسُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الخَلْقِ حتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كمِقْدارِ مِيلٍ، فَيكونُ النَّاسُ على قَدْرِ أَعْمالهِمْ في العَرَقِ، فمِنْهُمْ مَنْ يكونُ إلى كَعْبَيْهِ، ومنهُمْ مَنْ يكونُ إلى رُكبتَيْهِ، ومنهُمْ مَنْ يكونُ إلى حَقْوَيْهِ، ومنهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجامًا". وأَشَارَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيدِه إلى فيهِ.

قوله: "حَقْوَيه": (الحقو): الخصرُ ومشدُّ الإزار، ذكره في "الصحاح".

قوله: "كمقدار ميل": قال سليم: لا أدري أيَّ الميلين يعني: مسافة الأرض، أو الميل الذي تكحل به العين؟ ذكره في "شرح السنة".

* * *

4293 -

عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيَّ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"يقولُ الله تعالَى: يا آدمُ! فيقُولُ: لبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ في يدَيْكَ، قال: أخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قالَ: وما بَعْثُ النَّارِ؟ قالَ: مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وتسْعَة وتِسْعونَ، فعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغيرُ، {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} "، قالوا: يا رسولَ الله! وأيُّنا ذلكَ الوَاحِدُ؟ قال: "أَبْشِرُوا، فإنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا، ومِنْ يأْجُوجَ ومأجوجَ ألفٌ"، ثُمَّ قال:"والذِي نَفْسِي بيدِه، إنَّي أَرْجُو أنْ تكونوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ"، فكَبَّرنا، فقال:"أرجُو أنْ تكونُوا ثُلُثَ أهلِ الجَنَّةِ"، فكبَّرنا، فقال:"أرجُو أنْ تكونوا نِصفَ أهلِ الجَنَّةِ"، فكبَّرنا، قال:"ما أنتُم في النَّاسِ إلَّا كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أو كشَعرَةٍ بيضاءَ في جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ".

قوله: "ما أنتم في الناسِ إلا كالشعرةِ السوداءِ في جلد ثورٍ أبيض، أو كشعرة بيضاءَ في جلد ثورٍ أسود"؛ يعني: أنتم قليلون بالإضافة إلى الأمم السالفة، والكفارِ مطلقًا.

* * *

ص: 481

4294 -

وقالَ: صلى الله عليه وسلم "يَكْشِفُ ربنا عنْ ساقِهِ، فيَسْجُدُ لهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنةٍ، ويَبقَى مَنْ كانَ يَسْجُدُ في الدُّنيا رِياءً وسُمْعَةً، فيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا".

قوله: "الرياء والسمعة"؛ أي: الصَّيتُ والشُّهرة.

قوله: "فيعود ظهره طَبَقًا واحدًا"، قال في "الغريبين":(الطبق): فِقارُ الظهر، واحدتها: طبقة؛ يعني: صار كلُّ فقارِهِ واحدةً، فلا يقدرُ على السجود.

* * *

4295 -

وقالَ صلى الله عليه وسلم: "لَيَأْتيَنَّ الرَّجُلُ العَظيمُ السَّمِيْنُ يَوْمَ القيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ الله جَناحَ بَعُوضَةٍ"، وقالَ:"اقرَؤُوا: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} ".

قوله: "لا يزنُ جناحَ بعوضة"، (جَناح الطير) مفتوح الجيم (1): يده، وكذا جناح البعوضة.

قوله: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} ، قال في "شرح السنة": قال ابن الأعرابي: تقول العرب: ما لفلان عندنا وزنٌ - أي: قَدْرٌ - لخِسَّته.

وقيل: معناه: لا يزن لهم سعيهم عند الله مع كفرهم شيئًا.

قال الواحدي في "تفسير الوسيط": ويوصفُ الجاهل بأنه لا وزنَ له؛ لخفته بسرعة طيشه، وقلة تثبُّتِهِ.

والمعنى على هذا: أنهم لا يُعتدُّ بهم، ولا يكون لهم عند الله قدرٌ ومنزلة.

* * *

(1) في جميع النسخ: "الحاء"، والصواب ما أثبت.

ص: 482

مِنَ الحِسَان:

4297 -

وقال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ أحَدٍ يَمُوتُ إلا نَدِمَ". قالوا: وما نَدامَتُهُ يا رسولَ الله؟ قالَ: "إنْ كانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أنْ لا يكونَ ازدادَ، وإنْ كانَ مُسِيئًا نَدِمَ أنْ لا يكونَ نَزَعَ".

قوله: "ما من أحد يموت" الحديث.

(يموت): جملة فعلية صفة لأحد، و (أحد) فيه معنى العموم؛ لأن النكرةَ في سياق النفي تَعمُّ.

يعني: من مات محسنًا كان أو مسيئًا، ندم على أنه كان مقصَّرًا في طاعة الله سبحانه؛ أما ندامة المحسن: فلأنه ربما قصَّر في حقيقة العبودية والإخلاص فيها، وأما ندامة المسيء: فلأنه قصَّر في العبودية، والأخلاص فيها، فإذا ماتوا انتبهوا، فظهرت ندامتهم، {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22].

قوله: "ندم أن لا يكون نَزَعَ"، قال في "الصحاح": نَزَعَ عن الأمور نُزُوعًا؛ أي: انتهى عنها؛ يعني: ندم أن لا يكون انتهى عن المعاصي.

* * *

4298 -

عن أبي هُريرَةَ رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ القِيامةِ ثَلاثَةَ أَصْنافٍ: صِنْفًا مُشَاةً، وصِنْفًا رُكبانًا، وصِنْفًا على وجُوهِهمْ"، قيلَ: يا رسولَ الله! وكيفَ يَمْشونَ على وجُوهِهم؟ قال: "إن الذِي أمْشاهُمْ على أَقْدامِهِمْ قادِرٌ على أنْ يُمشِيَهُمْ على وجُوهِهِمْ، أما إنَّهُمْ يَتَّقونَ بِوُجُوهِهمْ كُلَّ حَدَبٍ وشَوْكٍ".

قوله: "أما إنهم يتَّقونَ بوجوهِهم كلَّ حَدَبٍ وشوكٍ"، (أما) كلمة تنبيه؛ يعني: اعلموا أن الكفرة يتقون يوم القيامة أبدانهم بوجوههم.

ص: 483

(كل حدب وشوك)؛ يعني: وجوههم واقية لأبدانهم من جميع الأذى، وفي الدنيا الأمر على العكس؛ يعني: ما سوى الوجه من الأعضاء يكون واقيًا للوجه، وإنما يكون كذلك؛ لأن الوجهَ الذي هو أعزُّ الأعضاء وأشرفها لم يضعْهُ الكافرُ في الدنيا ساجدًا على أذل الأشياء، وهو التراب، وعَذلَ عن ذلك تكبرًا وتعززًا، فإذا كان كذلك جُعِل أمرُهُ على العكس إهانةً لهم.

هذا إشارةٌ إلى سوء أحوال الكفرة في الآخرة، قال الله تعالى:{أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 24].

قال المفسرون؛ يعني: يلقى الكافر مغلولًا في النار، فلا يقدر عن أن يدفعَ عن نفسه النار إلا بوجهه، فحينئذ لا واقيَ له البتةَ.

* * *

4299 -

عن ابن عُمَر رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ سَرهُ أنْ يَنظُرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كأنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيقرأْ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} و {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} و {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} ".

قوله: "من سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأيَ عين" الحديث.

(سرَّه)؛ أي: فرَّحه، و (أن ينظر) فاعل (سره).

الـ (رأي) فَعْل بمعنى مَفْعول، كأنه قال: مَرئي العين ومبصرها.

يعني: من أراد أن ينظر إلى أهوال يوم القيامة رأي العين، فليقرأ هذه السور الثلاث؛ لاشتمالها على ذكر القيامة من انتشار الكواكب، وانفطار السماوات، وغير ذلك من الأهوال.

* * *

ص: 484