الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
7 - باب قُرْبِ السَّاعَة وأنَّ مَنْ ماتَ فقد قامَتْ قيامَتُه
(باب قرب الساعة)
قوله: "وأن من مات فقد قامت قيامته".
اعلم أن القيامةَ على ثلاثة أنواع:
القيامة الكبرى: وهي عبارةٌ عن حشر الأجسادِ وسوقهم إلى المحشر للجزاء.
والصغرى: وهي عبارةٌ عن موت كلِّ واحدٍ من الإنسان، وهي بأنه قال:(من مات فقد قامت قيامته).
والوسطى: وهي عبارةٌ عن موتِ جميعِ الخلق.
* * *
مِنَ الصِّحَاحِ:
4263 -
عن قتَادَةَ عن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "بُعِثْتُ أنا والسَّاعةُ كهاتينِ". قال قَتادَةُ في قَصَصِهِ: كفَضْلِ إحْداهُما على الأُخرَى.
قوله: "بُعثْتُ أنا والساعة كهاتين": قال الإمام شهاب الدين التُّورِبشتي في "شرحه": الإعرابُ الذي يُعتمَدُ عليه من طريق الرواية هو الرفعُ، والنصبُ فيه مساغٌ؛ يعني: جواز، وتكون الواو بمعنى (مع)، ولم تبلغنا فيه رواية.
قال في "شرح السنة": يريدُ: ما بيني وبين الساعة من مستقبلِ الزمانِ بالإضافة إلى ما مضى مقدارُ فضل الوسطى على السبابة.
قوله: "كهاتين"؛ يعني: كالسبابة والوسطى، فالكاف صفة مصدر
محذوف؛ أي: قُربًا كقرب هاتين الإصبعين، شبَّه القُربَ الزماني بالقُربِ المَسافيِّ.
* * *
4264 -
عن جابرٍ رضي الله عنه قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ قبلَ أنْ يَمُوتَ بشَهْرٍ: "تَسْأَلونني عنِ السَّاعةِ؟ وإنَّما عِلْمُها عندَ الله، وأُقسِمُ بالله، ما على الأَرْضِ منْ نَفْسٍ مَنْفوسَةٍ تأتِي عليها مِئَةُ سَنَةٍ".
قوله: "وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة": منفوسة؛ أي: مولودة.
قال في "الغريبين": نَفِست المرأة ونُفِست: إذا ولدت، وإذا حاضَتْ قلتَ:(نَفست) بفتح النون لا غير، ومنه الحديث: قالت أم سلمة: كنتُ معه في الفراش، فحضتُ، فقال:"أنفست؟ "، أراد: حضت.
وفي حديث ابن المسيب: "لا يرثُ المنفوس حتى يستهلَّ صارخًا"؛ يعني: الصبي المولود.
(ما) مشبهة بـ (ليس)، وهو جواب للقسم، و (على الأرض) خبر مقدم، و (من) في (من نفس) زائدة؛ للاستغراق، و (نفس): اسمه، و (منفوسة): صفة للنفس، و (تأتي
…
) إلى آخره صفةٌ بعد صفة، ويجوز تقديم خبر (ما) على اسمها إذا كان ظرفًا، كذا ذكره العزيز "شارح اللُّمَع".
والمختار: أن (نفس) مبتدأ، و (على) خبر مقدم؛ لأن (ما) إذا تقدم خبرُهُ بطلَ عمله في الأشهر.
يعني: لا يوجد واحدٌ من هؤلاء الموجودين اليوم من الناس في وجه الأرض بعد مضيِّ مئة سنة.
فإن قيل: بهذا الحديث ينبغي أن لا يكونَ إلياسٌ والخضرُ عليهم السلام في الحياة، فهما داخلان تحت عموم الحديث؛ لأن الأصل أن يكون العام باقيًا على عمومه، ويقويه هنا قوله صلى الله عليه وسلم:"لو كان الخضرُ حيًا لزارني".
قيل: ظاهرُ الحديث يدلُّ على عدم حياتهما عليهما السلام، إلا أن الإمامَ مُحيي السنةَ ذكر دوام حياتهما عليهما السلام في "معالم التنزيل" في تفسير قوله تعالى:{وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: 57].
قيل: أربعةٌ من الأنبياء في الأحياء؛ اثنان في الأرض: الخضر وإلياس، واثنان في السماء: إدريس وعيسى عليهم السلام، فإذا كان كذلك؛ فالحديثُ مخصوصٌ بهما؛ لأن العامَّ يجوز تخصيصه بقرائن عقلية أو نقلية، وهنا نقلية؛ إذ قد استفاضَ في الأمم كلها حياتهما، فإذا تقرَّرَ هذا، فلا يكون مناقضًا للحديث.
ويحتمل أن يقال: هما عليهما السلام لم يدخلا في هذه الأمة، فيدخلا تحت العموم؛ لأنهما نبيَّان، ولا يكون نبي أمة نبي آخر، فكأنه أراد هنا: ما من نفس منفوسة من أمتي إلا وبعد انقضاء المئة يأتي عليها الفناءُ؛ إخبارًا عن أعمار أمته.
فالفائدة من هذا الإعلام: تنبيهٌ منه صلى الله عليه وسلم على قدرة الله تعالى في إهلاكِ جميع العالم، والإتيانِ بغيرهم جملة عن جملة، ومن كان قادرًا كذا، كان قادرًا على إحياء الكلِّ، كما قدر على إهلاك الكل بعد مئة، وإنشاء أصناف منها، أو الدهورُ الداهرة، والأركانُ الغابرة، تعالى عمَّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
* * *
4266 -
وعن عائِشَةَ رضي الله عنها قالت: كانَ رِجالٌ منَ الأَعْرابِ جُفاةٌ يأتونَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ويَسأَلونَهُ عن السّاعةِ، فكانَ ينظُرُ إلى أَصْغرِهِمْ فيقولُ:"إنْ يَعِشْ هذا لا يُدرِكْهُ الهَرَمُ حتَّى تَقُومَ عَلَيكُمْ ساعتُكم".
قوله: "فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: إن يعش هذا
…
" إلى آخره.
(هذا) إشارةٌ إلى الأصغر.
"الساعة": جزء من أجزاء الزمان، ويُعبَّر بها عن القيامة.
قال هشام: الساعةُ ها هنا: الموت؛ يعني: إذا مات الرجل يرى جزاءَ ما فعل، وكأنه يرى القيامة.
يعني: قبل أن يصير هذا الصغير هَرِمًا يأتي على بعضكم، أو على جميعكم الموت.
هذا تنبيهٌ منه صلى الله عليه وسلم على محذورات الدنيا، وأنها لا تبقى لجميع سكانها، بل تأكلهم مستأصلين، فليحذر الناسُ منها، ويستعدوا لأمر الآخرة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
4267 -
عن المُسْتَوْرِدِ بن شَدَّادٍ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"بُعِثْثُ في نَفَسِ السَّاعةِ، فسبَقْتُها كما سبقَتْ هذِه هذِه"، وأَشارَ بِإِصْبَعَيْهِ السَبَّابةِ والوُسْطَى.
قوله: "بُعِثتُ في نفسِ الساعة، فسبقتُها
…
" إلى آخره.
(النَفَس) بالتحريك لا غير، ذكره الإمام التُّورِبشتي في "شرحه"، وهو عبارةٌ عن قرب الساعة وأماراتها؛ يعني: بعثت في قريب من أشراط الساعة، وحاصله:[أنه] مجازٌ وتنبيهٌ على الاستعداد لها من زمنِ بعثِهِ صلى الله عليه وسلم إلى قيامها.
قوله: "فسبقتُهَا كما سبقت هذه هذه"؛ يعني: فسبقتُ الساعةَ كما سبقت هذه هذه، فـ (هذه) الأولى محلها رفع؛ لأنها فاعل (سبقت)، و (هذه) الثانية محلها نصب؛ لأنها مفعوله، وتقديم الفاعل في هذه الصورةِ واجبٌ.