الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الطبقة الثانية: المجتمع فى أسلوب ترسيل القدماء من كتاب الأندلس
فطيس بن عيسى «1» : هو أول من ظهر فى هذا الباب من كتاب بنى أمية بالمغرب.
كتب عن الحكم الربضى الكائن فى زمن الرشيد إلى الأصبغ بن وانسوس والى ماردة وقدساء باطنه.
وبعد، فكم يقربك سالفك، ويبعدك خالفك، ويحسن الظن بك من لا يفرط فى قديمك، ولا ييأس من مستأنفك، وأنت تسيئة إصغاءا إلى نميمة حاسد، وكمد منافس. واعجبا تغلق الأسماع عما يبلغه أهل السعاية عنك، فتأبى إلا فتحها بما يصدر بعد ذلك منك، فانظر أرشدك الله لما يرضى الله، أو يرضى إمامك، أو تكون فيه عاقبة حميدة لنفسك، وإنى بعد هذا لا نيأس من أن يتبع فرعك أصلك، ولا نقطع أنك لا تفكر بفكرة صالحة تجور بك إلى ما يحسن عنك سماعه، ويرجى لك به حسن العاقبة، فعندك الخبر اليقين بمن أرخى لببه فى العصيان حتى صرع.
عبد الواحد بن مغيث «2» : وزير عبد الرحمن الأوسط بن الحكم وكاتبه، أغزاه الأمير المذكور فكان له أثر محمود، كتب فيه كتابا صدره:
أما بعد، فالحمد لله الذى جعل عزه ونصره وتأييده وفلحه وتمكينه لأوليائه وأنصار دينه الذى ارتضى لنفسه، وجعل توبيخه وسطوته ومثلاته «3» لأهل الشرك به، والتكذيب بآياته، وأنزل بهم من ذله وخزيه ونوازعه ما سبق به قضاؤه. فإنه تبارك وتعالى يقول: «ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما
صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتى وعد الله» «1» والحمد لله الصانع للأمير مالم يزل يتولاه من أمره، ويليه من كفايته وحسن الصنع له، وكبت عدوه بيمن نقيبته، وبركة سلطانه. ثم إنى أعلم الأمير- أعز الله نصره- أنى منذ انتخبنى لما انتخبنى له من الغزو بجيوشه لم أزل معملا رأيى فى كل ما أرجو به عزه، وذلّ عدوه.
الوليد بن غانم «2» : أحد وزراء الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط وكتابه، كتب عنه إلى الوزير هاشم بن عبد العزيز وقد أساء المسيرة مع الجند حتى ورّطوه فأسر: وبعد، أيها الناصح الذى خانته أغراضه، فلم ينتفع بنصيحته، والسديد الرأى الذى أفسدت عليه فكرته وأهواؤه، فلم يسعد رأيه، والسابق الذى لم يزل يجلى حتى جمع به نزقه عن المضمار الذى أجرى فيه أما علمت أن الهدهد يرى الماء وهو تحت الأرض على مسانة بعيدة، ويقع فى الفخ وهو بمرآى عينه وعلى قرب منه. وما ذاك إلا لصحة نظره، وتخليصه من مشاركة الأطماع، فلما طمع فى الحبة التى نصبت له صدأ الحرص فكرته فأرداه. وأنت لما كنت مخلّصا من الأطماع، سليما من الأغراض وأبصرت رشدك، ونفعت سهلك. ولما داخلتك هلكت وأهلكت.
عبد الملك بن إدريس الجزيرى «3» : كاتب المنصور بن أبى عامر، كتب عن نفسه إلى مخدومه وقد سخط عليه، وبعد حمد الله المحمود على السراء والضراء، المسلم لحكمه وقضائه فى السخط والرضا، فقد علم سيدى ورب النعمة علىّ أن النفوس خيل حلبة، تتسابق إلى الغايات التى قدرت لها، والسعيد سعيد فى بطن أمه، والشقى شقى فى بطن أمه. وقد كان من قدر
الله سبحانه إنعامه علىّ برضاك مرة جررت بها ذيول العز فى بساط الإذلال إلى أن طالت، فعثرت فيها بالاغترار وسابق الاقدار عثرة لا تستقال إلا بالمعتاد من كرمك، وإغضائك عن هفوات صنائعك، والحاجب المنصور- أدام الله حلو نصره- يعلم أن ريّض الخيل بعد الأدب أمتع، والمهيض بعد الجبر أصلح.
أبو حفص بن برد «1» : كاتب المظفر بن المنصور بن أبى عامر. كتب عنه فى شأن سطوته بصهره ابن القطاع: أيها الناس، وفقكم الله بعصمته، واستنفذكم برحمته. إن من علم منكم حال الخائن فلان «2» بالمشاهدة ورأى مبلغ النعمة عليه بالمحاضرة فقد اكتفى بما شاهد واجتزأ بما حضر، ومن غاب ومن غاب عنه كنه ذلك فليعلم أنا أخذناه من الحضيض الأوهد، وانتشلناه «3» من شظف العيش الأنكد، فرفعنا خسيسته، وأتممنا نقيضته، وخولناه صنوف الأموال، وصيّرنا حاله فوق الأحوال، بدأ له بذلك المنصور مولاى رحمه الله فاعتمدته «4» فمهدت له فرش الكرامة، وبوّأته دار الفخامة، وأسبغت من النعم عليه ما أحوج الخاصة والعامة إليه، فلم يقسم الله بحق، ولا قابل إحسانه بصدق، ولا عامل رعيتنا برفق، ولا تناول خدمتنا بحذق، حتى إذا ملكه الأشر، حاول شق عصا الّامة، فصرعه بغيه، وأسلمه غدره «5» .