الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الطبقة الثالثة: [ترسيل كتاب المشارقة والمغاربة]
من النثر الممتع، وهى مشتملة على محاسن اقتطفتها من ترسيل ابن العميد وابن عباد والصابى أعلام كتاب المشارقة فى عصرهم وترسيل [أبى] الوليد بن زيدون وابن أبى الخصال علمى كتاب المغاربة فى عصرهما.
أبو الفضل بن العميد «1» : كاتب ركن الدولة بن بويه سلطان عراق العجم.
كتب عنه إلى بلكا حين ظهر منه عصيان:
كتابى وأنا مترجح بين طمع فيك ويأس منك، وإقبال عليك وإعراض عنك، فإنك تدلى بسابق حرمة، وتمت بسالف خدمة، أيسرهما يوجب رعاية، ويقتضى محافظة وعناية، ثم تشفعهما بحادث غلول وخيانة، وتتبعهما بآنف خلاف ومعصية، وأدنى ذلك يحبط أعمالك، ويسحق ما يوعى لك، لا جرم أنى وقفت بين ميل إليك وميل عنك، أقدم رجلا لصدك، وأؤخر أخرى عن قصدك، وأبسط يدا لإصطلامك واجتياحك، وأنثنى ثانية نحو استبقائك واستصلاحك، وأتوقف عن امتثال بعض المأمور فيك، ضنّا بالنعمة عندك، ومنافسة فى الصنيعة لديك، وتأميلا لفيئتك وانصرافك، ورجاء لمراجعتك وانعطافك. فقد يغرب العقل ثم يؤوب، ويذهب العزم ثم يعود، وكل ضيقة فإلى رخاء، وكل غمرة فإلى انجلاء تلميذه الصاحب بن عباد «2» : كتب مستدعيا للأنس:
نحن سيدى بمجلس غنى إلا عنك، خال إلا منك
قد تفتحت فيه عيون النرجس، وتوردت فيه خدود البنفسج، وفاحت مجامر الأترجّ، وفتقت فارات النارنج، وانطلقت ألسن العيدان، وقامت خطباء الأوتار، وهبت رياح الأقداح، ونفقت سوق الأنس، وقام منادى الطرب، وطلعت كواكب الندمان، وامتد سماء الندى، فبحياتى إلا ما حضرت لنحصل بك فى جنة الخلد، وتتصل الواسطة بالعقد، فقد أبت راحنا أن تصفوا إلا إن تناولها يمناك، وأقسم غناؤنا لا يطيب حتى تعيه أذناك، فأما خدود نارنج مجلسنا فقد احمرت خجلا لإبطائك، وعيون نرجسنا فقد حدّقت تأميلا للقائك، فبحياتى عليك إلا ما تعجلت لئلا يخبث تأميلا للقائك، فبحياتى عليك من يومنا ما طاب، ويعود من همنا ما طار.
أبو اسحق الصابى «1» : كتب إلى ابن عباد المذكور:
ورد أطال الله بقاء سيدى فلان وفلان حاجيين، فعاجا إلىّ ملمّين، وعرجا علىّ مسلمين، فحين عرفتهما، وقبل أن أرد السلام عليهما مددت اليد إلى ما معهما كما مدّها حسان إلى رسول جبلة ثقة منى بصلته، وشوقا إلى تكرمته واعتيادا لإحسانه، وإبقاء لموارد انعامه، وتيقنا أن الخطرة منى على باله مقرونة بالنصيب من ماله، وأن ذكراه مشفوعة بجدواه، وقمت عند ذلك قائما وقبلت الأرض ساجدا، وكررت الدعاء والثناء مجتهدا، وسألت الله أن يطيل له أمد البقاء كطول يده بالعطاء، ويمد له فى العمر كامتداد ظله على الحر، وأن يحرس على هذا العدد القليل من الكتاب ومنتحى الآداب ما كنفهم به من ذراه، وأفاء عليهم من نداه مارعاهم فيه من مراتعه، وأعذب لهم من شرائعه التى هم محلئون إلا عنها، ومحرومون إلا منها.
أبو الوليد بن زيدون: «1» له رسالة خاطب بها ابن جهور من معتقله:
إن سلبتنى أعزك الله لباس إنعامك، وعطلتنى من حلى إيناسك، وغضضت عنى طرف عنايتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلى لك، وسمع الأصم ثنائى عليك، وأحس الجماد باستنادى إليك فقد يغص بالماء شاربه، ويفتك الدواء بالمستشفى به، ويؤتى الحذر من مأمنه، وإنى لأتجلد فأقول هل أنا إلا يد أدماها سوارها، وجبين عضّ به إكليله، ومشرفى ألصقه بالأرض صاقله، وسمهرى عرضه على النار مثقفه، والعتب محمود عواقبه، والنبوة غمرة ثم تنجلى، والنكبة سحابة صيف عن قريب تنقشع، وليت شعرى ما الذنب الذى أذنبت ولم يسعه العفو، ولا أخلو من أن أكون بريئا فأين العدل، أو مسيئا فأين الفضل، وما أرانى إلا لو أمرت لآدم بالسجود فأبيت، وعكفت على العجل واعتديت فى السبت لكان فيما جرى على ما يحتمل أن يسمّى نكالا.
أبو عبد الله محمد بن أبى الفضل الخصال «2» : كتب فى رسالة:
وعذرا إليك- أعزك الله- فإنى كتبته والنوم مغازل، والقر منازل، والريح تلعب بلا سراج، وتصول عليه صولة الحجاج، فطورا تسدده سنانا وتارة تحركه لسانا، وآونة تطويه حبابة، وأخرى تنشره ذؤابة، وتقيمه إبرة لهب، وتعطفه برة ذهب وحمة عقرب، وتقوسه حاجب فتاة ذات غمزات، وتتسلط على سليطه، وتزيله عن خليطه، وتحلقه نجما، وتمده رجما، وتسل روحه من ذباله، وتعيده إلى حاله، وربما نصبته أذن جواد، وسخته حدق جراد، ومشقته خاطف برق، يكف بودق، ولثمت بسناه قنديله، وألقت على أعطافه منديله، فلاحظ منه للعين، ولا هداية فى الطرس لليدين، والليل زنجى الأديم، تبرىّ النجوم، قد جلّلنا ساجه، واغترفتنا أمواجه، فلا مجال للحظة، ولا تقارف إلا بلفظة، والكلب قد صافح خيشومه ذنبه وأنكر البيت وطنبه.