الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3- التحقيق:
(1)
نبذة تاريخية:
فى نوفمبر من عام 1947 أرسل العالم المحقق المرحوم الأستاذ محمد بن تاويت الطنجى رسالة «1» إلى المرحوم الأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني نقل له فيها جزءا من مقدمة مخطوطة مكتبة سوهاج لكتاب «المقتطف من أزاهر الطرف» وهى التى وضح فيها ابن سعيد منهجه فى تأليف كتابه، وذلك بناء على طلب من الدكتور الأهوانى الذى كان فى مهمة علمية بأسبانيا فى ذلك الوقف، وعثر أثناءها على أوراق مخطوطة مجهولة «2» المؤلف كان دورنبرج فى فهرسته لمخطوطات الاسكوريال «3» قد وضعها تحت عنوان «الخمائل» برقم [2- 455] إذا كانت الصفحات الأولى من المخطوطة مفقودة، فجعله يعتقد أن المخطوطة بهذه التسمية لأن مؤلفها قد قسمها إلى «خمائل» كل خميلة منها تحتوى على مجموعة من المقطوعات الشعرية والفقرات النثرية منسوبة إلى أصحابها.
وقد استطاع الدكتور عبد العزيز الأهوانى أن يقطع بأن كتاب «الخمائل» هذا كما سماه دورنبرج هو كتاب «المقتطف من أزاهر الطرف» لابن سعيد الأندلسى حين قارن بين محتواه وبين إشارات ابن خلدون فى الفضل الأخير من مقدمته الخاص بالموشحات والأزجال «4» كذلك وردت نصوص منه فى كتابى المقرى «نفح الطيب، وأزهار الرياض» . وبهذا تكون قد ظهرت نسخة أخرى من هذا الكتاب إلى جانب نسخة مكتبة سوهاج التى صورتها دار الكتب كما صورها معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية.
وفى عام 1948 نشر الدكتور عبد العزيز الاهوانى مقالا باللغة الإسبانية فى مجلة الأندلس «1» بعنوان: «المقتطف من أزاهر الطرف- لابن سعيد» سجل فيه مجموعة من الملاحظات عن هذا الكتاب وعن موقف ابن خلدون فيه. كما أتبعه ببحث آخر بعنوان «ابن خلدون والأدب» نشره بمناسبة مهرجان ابن خلدون عام 1962 «2» ، يتضمن ما سبق أن أشار إليه فى مبحثه الأول مع إضافات إليه. وكان أهم الملاحظات التى سجلها الدكتور عبد العزيز الأهوانى هى:
1-
أنه كان بين يدى ابن خلدون وهو يكتب فصله عن الموشحات والأزجال فى مقدمته كتاب ابن سعيد «المقتطف من أزاهر الطرف» ينقل عنه نقلا حرفيا دون تصرف أو تغيير.
2-
أن المقارنة بين نصى ابن خلدون وابن سعيد تدل على أن ابن خلدون قد أسقط الحجارى الذى استقى منه ابن سعيد أخباره، تلك الأخبار التى أوردها الحجارى فى كتابه «المسهب فى غرائب المغرب» كما تدل على أن ابن خلدون قد أسقط اسم ابن سعيد من أول الفصل ولم يشر إلى كتابه «المقتطف» الذى نقل عنه، وأنه وإن ذكر ابن سعيد بعد ذلك عدة مرات، فإن ذكره له هنالك يوهم القارئ أن ابن خلدون ينقل عن ابن سعيد أخبارا وينقل عن غيره ما سبق تلك الأخبار، على حين ان الكلام كله من المقتطف، سواء فى ذلك ما جاء فى نص ابن خلدون بعد قوله قال ابن سعيد» أو ما جاء قبل هذه العبارة.
3-
أن فى نص ابن خلدون بعض سطور تزيد على ما بين أيدينا من نسخة المقتطف، ولكن مراجعة هذه الزيادات اليسيرة يقطع بأن بعضها كان فى أصل المقتطف وسقط. من ناسخ المخطوط لأن ابن خلدون نفسه فى أحد هذه الزيادات قد أشار إلى ابن سعيد، أما البعض الآخر من هذه الزيادات فيرجح
الدكتور الأهوانى أنه أيضا كان فى الكتاب ثم سقط من النسخة التى وصلت إلينا لأنه يتفق مع سياق نص ابن سعيد.
4-
ويقول الدكتور الأهوانى أنه إذ ينشر الخميلة الثانية عشرة المشتملة على ملح الموشحات والأزجال فليس ذلك لأنه يريد تجريح ابن خلدون بقدر ما هو لإنصاف ابن سعيد، فقد أصبح من حقه على من ينقلون هذه الأخبار عن التواشيح والزجل بالأندلس من العلماء المحدثين أن يقولوا «قال ابن سعيد فى المقتطف» بدلا من قولهم «قال ابن خلدون فى المقدمة.» فضلا على ذلك أن نص المقتطف يصلح كثيرا من التحريفات والتصحيفات التى أصابت النص فى النسخ المطبوعة 5- وأخيرا يعيد الدكتور عبد العزيز الأهوانى تقويمه للفصل الذى وضعه ابن خلدون تحت عنوان «أشعار العرب وأهل الأمصار لهذا العهد» فيقول إن هذا الفصل سيظل ذا قيمة تضطر الباحثين للرجوع إليه والاعتماد عليه، لأنه تعرض فيه لفنون الشعر العامى فى عصره هو، أى فى القرن الثامن الهجرى، وتوسع فيما نقل من نصوص عن المغرب، وسيظل له مع ذلك الإطار العقلى الذى وضع فيه ابن خلدون الفصل كله شاهدا على امتيازه وتفوقه وحسن إدراكه «1» .
ولم تكن المخطوطة بعيدة عن أيدى الباحثين والمحققين وخاصة من المهتمين بالأدب الأندلسى، فقد عاد إليها الدكتور احسان عباس مثلا فى تحقيقه لكتاب «نفح الطيب» للمقرى «2» كما عاد إليها حين ألف كتابه «تاريخ النقد الأدبى عند العرب- نقد الشعر من القرن الثانى حتى القرن الثامن الهجرى» «3» فى الفصل الخاص بمفهوم المرقص والمطرب من الشعر عند ابن سعيد كمفهوم من المفهومات النقدية التى يؤسس عليها ابن سعيد نظريته النقدية للشعر «4»
وإذا كان كتاب ابن سعيد له مثل هذه الأهمية عند علمائنا القدماء وباحثينا المحدثين. فقد كان من الواجب علينا أن يظهر للنور محققا ومطبوعا كى يفيد به من يهتم بالأدب العربى متخصصا كان أو مثقفا «1» .
(ب) منهج التحقيق:
وصلت إلينا مخطوطتان لكتاب «المقتطف من أزاهر الطرف» لابن سعيد الأندلسى، الأولى محفوظة فى مكتبة آل رفاعة بجرجا بمحافظة سوهاج بصعيد مصر، وقامت بتصويرها دار الكتب المصرية، وقيدتها تحت رقم «9797 أدب» وعنها أخذ معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية صورة وقيدها تحت رقم «303 أدب» أما المخطوطة الأخرى فهى فى مكتبة الاسكوريال بإسبانيا مقيدة تحت رقم «2/455» «2» .
ولا نعرف غير هاتين المخطوطتين من كتاب ابن سعيد.
وتلك أهم خصائص المخطوطتين:
1-
مخطوطة سوهاج.
وقد رمزنا إليها فى التحقيق بالحرف «ا» وتقع فى 84 لوحة، واللوحة تضم صفحتين متقابلتين، رمزنا إليهما بالحرفين «و» للصفحة اليمنى منها و «ظ» للصفحة اليسرى. ويبلغ عدد الأسطر فى كل صفحة واحدا وعشرين سطرا. وهى بخط مغربى قديم، ولكنه خط حسن وواضح إلا فى بعض الصفحات فى الخميلتين الحادية عشرة وما وصل إلينا من صفحات الخميلة الثانية عشرة. فمعظمها لا يقرأ إما لأن الأحبار فقدت ألوانها
أو لطمس وقع فى كثير من كلماتها وتآكل جوانب أوراقها. وكان السبب فى هذا أن المخطوطة قديمة، ووسائل حفظها بدائية، إذ لم تتوفر لها الوسائل العلمية لصيانتها.
والمخطوطة بعد ذلك تعود إلى عهد قريب من عصر ابن سعيد، بل إن المرحوم الأستاذ رشاد عبد المطلب الذى كان أحد القائمين على معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية قد كتب على غلاف المخطوطة أنه يرجح بأنها بخط ابن سعيد نفسه. ولا أدرى الأسباب التى جعلته يقول بهذا الترجيح إلا أن يكون قدم النسخة التى ربما كانت من القرن السابع الهجرى أى من عصر ابن سعيد نفسه.
والمخطوطة شبه كاملة، إذ تنقصها بعض أوراق من الخميلة الحادية عشرة الخاصة بفنى «كان وكان» «والمواليا» كما تنقصها الخميلة الثانية عشرة كلها تقريبا «1» الخاصة بالموشحات والأزجال، إذ انتهت عند مقطع موشح ابن حزمون:
أو هل يرى
…
عن هواك سالى
قلبى العليل «2»
كذلك عملت عوامل البلى والتآكل فى الصفحة الأولى منها قبل وقت تصوير دار الكتب المصرية ومعهد المخطوطات لها، فخفى النصف الأيمن من الصفحة الأولى من المقدمة.
وقد اعتمدت في معرفة هذا الجزء على ما نسخه من مقدمتها الدكتور عبد العزيز الأهوانى أثناء إقامته بإسبانيا إذ كانت المخطوطة فى ذلك الوقت فى حالة أفضل مما وصلت به إلينا الآن. وقد ألحقنا بتحقيقنا صورة لجزء من خطاب الأستاذ الطنجى، وفيه ما اختصر من هذه الصفحة، وقد وضعناه بين أقواس لنبين فضل خطاب الأستاذ الطنجى فى هذا التحقيق.
كذلك لاحظت أثناء التحقيق أن أوراق المخطوطة ليست مرتبة ترتيبا صحيحا، إذ تقدمت أوراق منها وتأخرت أوراق، مما يدل على أنها كانت مبعثرة وجمعت دون نظام، وربما كان ذلك هو السبب فى أنها فقدت صفحات الخميلتين الأخيرتين منها.
وقد استغرق إعادة ترتيب أوراقها جهدا مضنيا، ولهذا قمت بتسجيل أرقام اللوحات على جوانب صفحات التحقيق، ووضعت أسفل كل رقم منها الحرف الذى اخترته لتمييز الصفحة اليمنى وهو «و» وتمييز الصفحة اليسرى وهو «ظ» مثال ذلك: 3/و، 3/ظ وها هو إعادة لترتيب أوراق المخطوطة حسب الأرقام المسجلة فى أعلا صفحاتها:
2 و 32 و/ 43 ظ- 81 و/ 32 ظ- 37 و/ 83 ظ- 84 و/ 37 ظ/ 38 و 39 و/ 81 ظ/ 82 و/ 83 و/ 39 ظ/ 40 و 43 و/ وتلك نهاية ما وصل إلينا من هذه المخطوطة.
وهذه المخطوطة أكمل من الأخرى لا من حيث عدد صفحاتها فحسب، بل من حيث طبيعة مادتها، لأن ناسخ مخطوطة الاسكوريال كان يعطى لنفسه الحق فى حذف بعض الشعراء ومقطوعاتهم، وإسقاط فقرات من كلام ابن سعيد عنهم أو اختصار ما أورد المؤلف من نصوص نثرية.
أما ما لم نجده فى مخطوطة سوهاج ووجدناه فى مخطوطة الاسكوريال فيرجع إلى ضياع أوراق من الأولى، ويتضح ذلك من تسجيلنا على جوانب الصفحات مصدر كل نص شعرى كان أو نثرى ووروده أو عدم وروده فى كل من المخطوطتين حين رمزنا لهما بالحرفين ا، ب.
هذا وقد وجدت صعوبة شديدة فى التعريف بأسماء الأعلام فى كلا المخطوطتين لأن ابن سعيد لم يكن يذكرهم بأسمائهم، وإنما يذكرهم بكناهم أو بألقابهم فحسب
نظرا لشهرتهم بها فى عصره «1» أما اليوم فهذه الكنى والألقاب تتشابه عند مجموعات كثيرة من الكتاب والشعراء والمؤرخين والفقهاء والعلماء مما يصعّب على المحقق معرفة الاسم الحقيقى إلا من قرينة كأن يكون النص المنسوب إليه قد ورد فى أحد المصادر سواء فى ديوان أو كتاب، كذلك لجأ ابن سعيد إلى اختصار شديد للاسم مما يخفى معالمه مثل ذكره «للوجيه المنوى» ويقصد به ضيا بن عبد الكريم وجيه الدين المناوى.
ولهذا السبب نفسه لم نستطع أن نعثر على تعريفات لأسماء بعض من ورد ذكرهم فى كتابه، أو لأن أسماءهم لم ترد فيما بين أيدينا من كتب الأعلام والتراجم، وقد أشرنا إلى ذلك فى هوامش الصفحات.
2-
مخطوطة الاسكوريال:
وقد رمزت إليها فى التحقيق بحرف «ب» وهى بخط مغربى قديم أيضا، ولكنه أحدث من خط مخطوطة سوهاج، وورقها حديث أيضا «2» على عكس أوراق مخطوطة سوهاج لأنها تعود إلى عصر ابن سعيد نفسه أو بعده بقليل، ويبلغ عدد الأسطر فى الصفحة 19 سطرا، والمخطوطة مملوءة بالأخطاء وبالتصحيفات التى وقع فيها ناسخها، كما أن بعض الصفحات البيضاء «3» فى وسطها قد استغلها مغربى أكثر حداثة من عصر المخطوطة وسجل فيها أسماء الشعراء الذين سقطت أسماؤهم وبعض نصوصهم وكأنه كان بين يديه مخطوطة كاملة فأخذ يقارن بين النسختين وكأنه كان يستكمل نسخة ثالثة له.
وواضح من تصفح مخطوطة الاسكوريال ومن مقارنتها بمخطوطة سوهاج أنه كان بين يدى ناسخها المخطوطة الكاملة، وأنه أراد أن ينسخ لنفسه نسخة مختصرة، مما دفعه إلى أن يحذف كثيرا من تعليقات ابن سعيد، وأن يورد النصوص فى بعض الأحيان بعد أن يحذف اسم صاحبها، كما جعله يتصرف تصرفا مشينا بالنص، فيحذف جملا من وسط المقطوعات الشعرية التى حدد ابن سعيد فى عنوان الخميلة عدد أبياتها مما جعل عدد الأبيات لايتفق مع ما هو منصوص عليه فى عنوان الخميلة «1» .
ويظهر أن الناسخ لم يكن مهتما بفنى «المواليا» و «كان وكان» فحذف قسما كبيرا مما جاء فى المخطوطة الأصلية التى ينقل عنها «2» وتبدأ لوحات المخطوطة برقم «108» وتنتهى برقم «155» بترقيم الاسكوريال أى أنها تقع فى 47 لوحة، وكل لوحة صفحتان، ويرجع سبب بدايتها برقم «108» أن اللوحات السابقة على هذا الرقم هى مخطوطة كتاب «السحر والشعر» للسان الدين بن الخطيب «3» » .
وقد فقدت المخطوطة الثلث الأول منها، إذ تبدأ من الطبقة الثالثة المشتملة على الحكايات القصيرة «4» والغريب أن ترتيب الخمائل فيها يختلف عن ترتيب الخمائل فى مخطوطة سوهاج على الرغم من أن المقدمة التى قدم بها ابن سعيد لكتابه تشتمل على منهجه فى التأليف وعلى ترتيب لخمائله وهذا الترتيب متفق مع نظام مخطوطة سوهاج، وغير متفق مع مخطوطة الاسكوريال. وهذا يدل على أن ناسخ هذه المخطوطة لم يكن بين يديه مقدمة الأصل كى يرتب الخمائل ترتيبا صحيحا، أو أن عوامل أخرى طرأت على المخطوطة بعد نسخها أدت إلى هذا الخلل فى ترتيب خمائلها وضياع الثلث الأول منها.
وهذا هو ترتيب خمائل مخطوطة الاسكوريال مقارنا بترتيب خمائل مخطوطة سوهاج «1» .
مخطوطة سوهاج «ا» مخطوطة الأسكوريال «ب» المقدمة غير موجودة 1- الخميلة الأولى « «2- «الثانية « «3- «الثالثة « «4- «الرابعة هى الخميلة السابعة 5- «الخامسة « «الثانية 6- «السادسة « «التاسعة 7- «السابعة « «الرابعة وينقص منها الطبقتان الأولى والثانية 8- «الثامنة هى الخميلة الخامسة 9- «التاسعة « «السادسة 10- «العاشرة « «العاشرة 11- «الحادية عشرة « «الحادية عشرة 12- «الثانية عشرة « «الثانية عشرة ومن هذه المقارنة يتضح الآنى 1- أن المقدمة فى مخطوطة سوهاج قد سقطت من مخطوطة الاسكوريال.
2-
أن الخمائل الأول الثلاث من مخطوطة سوهاج قد سقطت من مخطوطة الاسكوريال، غير أن الخميلة الثانية لم تكن فى موضعها الصحيح، لأننا نجدها منسوبة إلى الخميلة الخامسة فى مخطوطة سوهاج