الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الطبقة الثالثة: من الحكايات المتوسطة
«1»
ا، ب يحيى بن عمر بن صبيح «2» كان عمه اسماعيل بن صبيح كاتبا للرشيد «3» . وكان حاذقا بالعمل. فقال له: إلزم موكب الفضل بن يحيى. فقال إنه تيّاه فى أول نزق الشباب، وخدمة أبيه أحب إلىّ. ثم لزم موكب يحيى- فلم يمر إلا القليل إلا ولاه عمل الأهواز، فصدر عنه بمال عظيم. فأتى به إلى يحيى بن خالد. فقال: ما هذا؟ فقال: إنما كنت نائبك وبعض القليل منه يكفينى. فقال: ما فى جميعه ما يكفى غسل الغبار الذى سقط عليك فى موكبنا. فانصرف به إلى عمه وترك العمل وتاجر فى المال إلى أن نكب البرامكة، فأنفق رأس المال على يحيى فى سجنه ا، ب ابن الزيات «4» كان الواثق لما قبض على العمال جعل النظر فى استخراج الأموال منهم له، وكان فيهم سليمان بن وهب، وبينه وبينه «5» ألطف ما يكون بين صديقين، فكان إذا خلا معه خلع عليه ثياب المنادمة وطيّبه ونادمه على ما كان عليه قبل. فإذا حضر وقت الاستخراج بمحضر «6» الشهود قابله بأشد ما يكون حتى يستخرج منه ما يمكن، فإذا فرغ من ذلك رد عليه ثيابه، وخلا به وأحضر الطعام وعاد إلى الحالة الأخرى. ويقول له هذا حق الاخوان، وذاك/ حق السلطان.
ا، ب سليمان بن وهب «1» : المذكور كان قد قاس شدة فى العمل، فكان يخرج من نكبة إلى أشد منها، وكان يخدمه بعض التجار، فيضمن عنه ويقرضه ويستقرض له، فلما طال عليه أمره قال له وقد تخلص من نكبة عظيمة، يجب أن تحلف بالأيمان المغلظة ألا تقرب العمل أبدا، فأخذ يحلف بكل يمين ويرفع صوته ويمد فى الإيمان إلى أن جعل آخر ما حلف عليه ألا يترك العمل أبدا. فقال له: ما هذا. فقال ما أقل عقلك، سليمان بن وهب إن ترك العمل يكون ماذا: خياطا، نجارا، لا والله.
اأبو جعفر الكرخى «2» قال عرضت أيام عطلتى ورقة على ابن الفرات فلم يوقّع عليها فانصرفت وأنا أقول:
وإذا طلبت إلى كريم حاجة
…
وأبى فلا تصعد عليه بحاجب
فلربما منع الكريم وما به
…
بخل ولكن شؤم جدّ الطّالب
فقال: ارجع يا ابا جعفر بغير شؤم جدّ الطالب. ولكن إذا سألتمونا حاجة فعاودونا فإن القلوب بيد الله. هات ورقتك. ثم وقع لى بشغل كان فيه غتاى فى ذلك الوقت. قال: وكنت أسمعه كثيرا ما يقول: العامل فى أول سنة أعمى، وفى الثانية أعور وفى الثالثة بصير.
اأبو الحسن بن أبى البغل «3» كان المقتدر قد ولّاه أعمال أصبهان. ثم أنه ذكر فيمن سمّى للوزارة. فوقع
المقتدر على اسمه: ظالم لا دين له، ووجد السبيل إليه حامد/ بن العباس الوزير.
فسعى فى اعتقاله، فكتب إلى على بن عيسى صاحب الأعمال الذى سعى فى خلاصه بكل وجه حتى انتاشه من يديه.
الصقر يصفر فى الرياض وإنما
…
حبس الهزار لأنه يترنّم
لو كنت أجهل ما علمت لسرّنى
…
جهلى كما قد ساءنى ما أعلم
ا، ب على بن عيسى «1» : صاحب الدواوين للمقتدر ثم صار وزيرا. ولىّ عمل الأهواز أبا الحسن بن شدّاد، فتريّض بأرز من ارتفاع الناحية حتى وقع فيه النار واحترق وكتب إلى ابن عيسى كتابا أقام فيه عذره عنده، وسجّع فى الكتاب سجعا زاد فيه فوقّع عليه: أنت تكتب فتجيد، والأثر الحميد خير من الكلام السديد، ضيّعت علينا أرزا حصلته، وعوّلت بنا على كلام ألّفته، وخطاب سمعته أوجب صرفك عما توليته، فقال ابن شدّاد: ما صرفنى إلا السجع.
ا، ب أبو الحسن بن شداد «2» : المذكور جاوب ابن عيسى عن تلك المخاطبة فقال: وصل كتاب سيدنا.- أطال الله بقاءه- مشتملا على وصف وصرف، فأما الوصف فهو منه مع محله من الصناعة نهاية الفخر والسعادة، وأما الصرف للاعتذار بما جرى به المقدار، فما جزاء من اعتذر من حال لا درك عليه فيها ان يصرف عن ولاية لا جناية منه عليها، والاعتذار بلفظ الصواب أولى من الاحتجاج بسوء الخطاب. فوقع: قد ردّته البلاغة إلى الإرادة فليكتب بإقراره على العمل رإسعافه بالأمل إن شاء الله.
ا، ب ابو علىّ بن مقلة «1» : المشهور بحسن الخط.
كان إماما فى العمل، وتصرّف فى الدواوين النّبيهة إلى أن ولى الوزارة للمقتدر وكان نفاعا بالجاه والمال. وكان أبو أحمد «2» الشيرازى يكتب له بعشق جارية أتلف عليها ما عنده، فقال ابن مقلة لابنه إن هذا الرجل تخدّم لنا «3» وهو يهوى جارية لا نعجز عن ثمنها، واشتراها له. فبات معها ولم يحضر للخدمة. وكتب فى ورقة أن الصفراء تحركت عليه فوقع الوزير عليها: بل أنت تحركت على الصفراء.
وكانت الجارية صفراء اللون «4» ا، ب أبو الجهم بن سيف «5» صرفه أبو الفتح بن الفرات وزير المقتدر عن عمل وأمر بصفعه. فجعل لا يتأوه بل يعد الصفعات بأصابعه، فتعجب الوزير من فعله، فسأله عن ذلك. فقال: إنما عددتها أعزك الله لأصفعك مثلها إذا صرت وزيرا، فلا أظلمك بزيادة ولا أظلم نفسى بنقصان. فضحك الوزير حتى لم يملك نفسه، وكان الوقت مضطربا وقال له: قم فى غير حفظ الله إلى منزلك. وترك المال الذى طالبه به.