الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم؟ أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذا. عندما يكون الأصل في التحالف السياسي هو النجاح أو تحقيق فوز على العدو، أو بتعبير أدق عندما يكون الميزان هو أن الغاية تبرر الواسطة، فتعتبر الوقوف عند هذه الجزئيات خطلا سياسيا، أما عندما يكون الهدف هو انتصار الدعوة والعقيدة فالتخلي عن جزئية واحدة منها هو تخل عنها كلها.
السمة الرابعة
فشل المساومات
ولنقف عند هاتين النقطتين:
أ - الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء.
تعهد واحد طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفضه، فماذا تستفيد الحركة الإسلامية من هذا الموقف وهي في حالة الضعف؟
إن الحركة الإسلامية حين تفاوض عدوا على مستقبل الحكم أو تدعى إلى التحالف معه إذا استطاعت أن تصل مع هذا العدو إلى أن يكون الأمر لله يضعه حيث يشاء من خلال بنود التحالف، فلها حرية الاختيار في ذلك، وحتى تتوضح الصورة أكثر، نجد أن بإمكان الحركة الإسلامية أن تتحالف مع عدو على إسقاط عدو آخر، ويكون الحكم بعد ذلك لله يضعه حيث يشاء، والتعبير العملي لهذه الصيغة أن هذا التحالف الذي أسقط ذلك العدو ينتهي نصه بسقوطه، وكل حليف سياسي بعد ذلك بجهده الخاص للوصول إلى الحكم بدون أن يكون بين هؤلاء الحلفاء تعهدات لبعضهم بتعاور الحكم أو الاشتراك فيه فنرى ان هذا الخط من صميم التحرك الإسلامي السياسي.
وهذا المفهوم يقود إلى نقطتين شائكتين، ولكن لا مناص من التعرض لهما وهما:
1 -
هل من حق الحركة الإسلامية أن توقع على تحالف بأن يكون الحكم ديمقراطيا؟
2 -
وهل من حق الحركة الإسلامية أن توقع على تحالف بقيام حكومة مؤقتة ومؤتلفة؟ وتحاول الإجابة على السؤال الأول:
فقد يتبادر إلى الذهن مباشرة أن يكون الجواب بالإيجاب لأن النظام الديمقراطي لا يحدد فردا أو جهة يخولها استلام السلطة. وهذا يعني أن الأمر لله يضعه حيث يشاء. إنني أستبعد جواز ذلك - والله أعلم - وذلك للأسباب التالية:
أولا: النظام الديمقراطي يقتضي من الحركة الإسلامية أن تقبل بالفئة أو الحزب الذي ينتخبه الشعب، وأن تبادر فتعترف بشرعيته طالما فاز بالأكثرية، وأن تخضع لنظامه. وقد يكون هذا الحزب أو التجمع معاديا للإسلام، أو لا يتبنى الإسلام على أحسن الاحتمالات، وخروجها عليه خروج على الشرعية التي أعلنت الالتزام بها، فهي تضطر أن تنقض عهدا أبرمته، ولا يحل في ديننا إلا الوفاء وحقيقة هذا الميثاق حين توقعه الحركة الإسلامية ليس ضمن إطار الأمر لله يضعه حيث يشاء، بل ضمن إطار القبول بمشيئة الفئة الغالبة، ولو كانت غير شرعية بميزان الله.
إنه صحيح أن كل شيء بمشيئة الله، لكن مهمتنا أن نسعى لإقامة شريعة الله ونقاوم أي نظام باطل فنحقق مشيئة الله تعالى {ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (1)} ونفر من قدر الله إلى قدر الله لا أن نعلن قبولنا بشرعية أكثرية لا ترضى بشريعة الله أو إننا سنغدر بالمواثيق التي أعطيناها ولا يحل في ديننا الغدر.
ثانيا: ولنفرض جدلا أننا قبلنا بالنظام الديمقراطي، فإن الشعب هو مصدر التشريع في هذا النظام، وقبولنا بذلك يعني قبولنا بكل
(1) سورة الأنفال من الآية 8.
تشريع لا يرضاه الإسلام، واعتباره شرعيا في الوقت نفسه طالما أنه صادر عن هيئة تشريعية منتخبة.
ثالثا: ولنفرض جدلا أن الحركة الإسلامية اشترطت قبول نظام الإسلام حتى تقبل النظام الديمقراطي، فهي في هذه الحالة قد قبلت بالمتناقضات في البنود نفسها، تجعل حجة لخصوم الإسلام عليها في المستقبل أن هذا الحكم وهو نظام الإسلام لا يمثل رأي الشعب، وبالتالي لا يجوز أن يفرض عليه.
- إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه:
إن المنهج الإسلامى السياسي المنبثق من هذه الفقرة هو أن لا يبرم إلا التحالف المؤدي للأهداف المرسومة، إنه يرسم استراتيجية الحركة الإسلامية.
إن التحالف المبني على عاطفة عارضة أو مصلحة جزئية، هو على المدى البعيد طمس للخط الإسلامي الواضح، وهذه الفقرة تدعونا إلى الملاحظات التالية:
1 -
عبقرية التخطيط السياسي فلا يكون استجابة لنزوة بنزوة مماثلة، بل يكون ضمن استراتيجية محددة الأهداف واضحة الخطى، وخطة محكمة تدرس سائر الاحتمالات المتوقعة من الحليف الآخر.
2 -
مرونة العمل السياسي، فعندما أكون واضح الهدف أسلك مع الخصم الذي أود مخالفته كل سبيل يمكن أن يوصلني إلى الهدف المطلوب، ولا أدع الفرصة تفوتني لتحقيق هذا الهدف.
ويكفي أن نرى عظمة هذه المرونة في أنها استوعبت معظم القبائل العربية وبحثت معها الأمر، واستوعبت الزمان والمكان. فالمواسم كلها مسرح للعمل السياسي الإسلامي لتحقيق الهدف المحدد الواضح، أسواق العرب بل أماكنهم ووفودهم هي مغزوة دائما بالنشاط الإسلامي السياسي. إن كل قبيلة غير قريش مؤهلة للمفاوضات والتحالفات، فكندة في الجنوب، وغسان في الشام، وحنيفة في اليمامة، وشيبان في العراق، كل هذه القبائل التي أتت وفودها للمواسم كانت مسرحا للعمل
السياسي الإسلامي، بل إن قريشا عرضة للتفاوض مع بعض قادتها كما وجدنا مع المطعم بن عدي.
3 -
عبقرية المفاوض السياسي: وحين يكون الهدف واضحا والمفاوض مرنا ذكيا تقيا عبقريا. فيمكن أن تزج به الحركة الإسلامية في هذا الخضم لا تخشى بعون الله عليه من أي طارىء. (لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب).
وحين يفقد المفاوض السياسي واحدة من الصفات المذكورة فلا بد أن يحمل الوفد المفاوض هذه الصفات، فالمرونة للقدرة على تقليب وجهات النظر، وعرض الحلول المتنوعة اللامتناهية والذكاء للقدرة على التخلص من أي مأزق يمكن أن يزجه الخصم به.
والتقى لتبقى حركته ضمن الإطار الشرعي الذي حدده له الإسلام، وإطار المصلحة التي حددتها الحركة، والعبقرية لغل سلاح الخصم ودفعه إلى الهدف الذي يريده المفاوض الإسلامي.
ولننظر إلى هذه الفقرة بمنظار آخر: (إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه).
لقد كانت هذه الكلمة ردا على المثنى بن حارثة حين عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم حماية على مياه العرب دون مياه الفرس، وصاحب النظرة السياسية العجلى يرى أن تفويت هذه الفرصة خطأ سياسي، لكن الذي يسبر أغوار السياسة البعيدة، يرى بعد النظر الإسلامي النبوي الذي لا يسامى.
إن المثنى قد ألمح إلى أن هذا الأمر تكرهه الملوك، وأن موقع الدعوة بجوار فارس تجعلها سهلة المتناول في كل لحظة منها. وأن العهود والمواثيق المقيدة لشيبان تجعلهم أعجز من أن يستطيعوا حماية هذا الرسول وهذا الدين الجديد من بطش كسرى وسلطانه. إن التحالف مع الخصم الأقوى يكون في معظم الأحيان لصالح هذا الخصم. فموقع شيبان إذن غير مناسب ليكون مركزا للدعوة الجديدة، وعهود شيبان من جهة ثانية تشل إمكانية الحركة