الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السمة الثالثة عشرة
القيادة تحدد ميلاد الدولة الإسلامية
ولنعد إلى المباركفرري في عرضه القيم للبيعة: (ولما قرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة أثارت القلاقل والأحزان، لأنهم كانوا على معرفة تامة من عواقب مثل هذه البيعة، ونتائجها بالنسبة إلى أنفسهم وأموالهم فما أن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابر مجرميها إلى مخيم أهل يثرب ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة فقد قال: (يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم). ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئا عن هذه البيعة لأنها تمت في سرية تامة وفي ظلام الليل، انبعث هؤلاء المشركون يحلفون بالله: ما كان من شيء، وما علمناه حتى أتوا عبد الله بن أبي بن سلول، فجعل يقول: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي ليفتئتوا على مثل هذا. لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني. أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض، ثم لاذوا بالصمت. فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات.
ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين فرجعوا خاثبين.
وعاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر. لكنهم لم يزالوا يتنطسونه، يكثرون البحث عنه ويدققون النظر فيه حتى تأكد لهم أن الخبر صحيح، والبيعة قد تمت فعلا. وذلك عندما نفر الحجيج إلى أوطانهم، فسارع فرسانهم بمطاردة اليثربيين، ولكن بعد فوات الأوان، إلا أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، فطاردوهما. فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فألقوا القبض عليه. فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، وجعلوا يضربونه، ويجرونه، ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم بن عدي، والحارث بن أمية فخلصاه من أيديهم إذ كان سعد يجير لهما
قوافلهما المارة بالمدينة، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه، فإذا هو قد طلع عليهم، فوصل القوم جميعا إلى المدينة (1)).
1 -
تحركت قريش كالذي أصابه الشيطان من المس، وجاءت مخيم الخزرج، وراح المشركون يحلفون بالله ما فعلوها، وهم صادقون، وراح عبد الله بن أبي ينفي الأمر نفيا قاطعا ويؤكد استحالته فما كان لقومه أن يفتئتوا عليه بمثل ذلك.
وصدق وهو كذوب، فما علم بأن الانقلاب السري الذي تم التخطيط له لا يمكن البوح بأسراره، ولو قطعت الرقاب على ذلك.
ويحضرنا سؤال دقيق في هذا المجال: لماذا لم يعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة حلفه ودولته، وقريش تبحث عن الخبر، والمسلمون يلوذون بالصمت، والمشركون يحلفون الأيمان المغلظة على كذب هذا الإدعاء؟ والجواب سهل وواضح غير أن أثره وفقه الدرس فيه يغيب بكل أسف عن أذهاب الشباب في الحركة الإسلامية.
جواب السؤال: هو أن الظروف غير مواتية لهذا الإعلان، وطاقة المسلمين ضعيفة إذا قيست بطاقات مكة والمشركين عامة في أرض مكة. أو إعلان الحرب على دولة الكفر أو إعلان قيام دولة الإسلام، كل هذه الأمور رهينة بالإمكانيات التي تملكها الجماعة المسلمة ضمن التخطيط المنظم المحكم لها. ولا تتحرك هذه الأمور أبدا بالعواطف وردود الفعل. إنما تتحرك بقرار القيادة المناسب للإعلان، والتي تتوخى القيادة فيه الظروف المواتية.
ونود لو يترك شباب الحركة الإسلامية لقيادتها إعلان المواجهة وطبيعتها حسب ما تقتضيه الظروف العامة - العربية والدولية.
ويتحدد هذا الدرس في نقطتين:
النقطة الأولى: هي أن الذي يحدد ميلاد الدولة الإسلامية هو القيادة لا
(1) الرحيق المختوم ص 170 و 171 و 172.
القاعدة سواء أكان هذا في أرضها أو غير أرضها، وهذه القضية كثيرا ما تأخذ طابع الاتهام للقيادة بالجبن أو الانحراف لو تأخرت في ذلك.
فبعض الشباب الإسلامي مثلا لا يستطيع أن يتصور قيام انقلاب إسلامي أو حركة إسلامية في أرض أو دولة، إلا وواجب الإعلان عن هوية هذه الثورة، هو الحق وهو الشجاعة، مع أن المصلحة السياسية قد تقتضي أحيانا إرجاء الإعلان عن هوية الانقلاب أشهرا بل سنوات أحيانا. ويرى هؤلاء الشباب أن هذا التأخير هو انحراف عن الإسلام حين لا يتحدث هؤلاء الانقلابيون غير محددي الهوية في الأصل، عن الإسلام، بل يذكرون بعض المبادىء الوطنية للتغطية حتى يتم التمكن والتمكين وهذا تصور خاطىء، وحكم جائر.
إن إعلان قيام دولة الإسلام رهين بالظروف المواتية لذلك حسب تقدير القيادة لا حسب تقدير الأفراد، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، أرجأ الإعلان عن هذا التخطيط، لأنه وجد الفرصة غير مواتية في قلب بحر الشرك، وفي مكان غير مركز قوة الأنصار - المدنية. رغم الإحراجات الشديدة التي تعرض لها المسلمون أمام إلحاح قريش بالتأكد من الخبر، فلو أعلن ذلك لكانت قريش قادرة، ومن ورائها الحجيج المشرك أن تذبح هؤلاء السبعين جميعا، وتنتهي قصة الإسلام في الأرض، وحين ترى الحركة الإسلامية أن إعلان هويتها في استلام حكم في مكان ما. قد يفضي بأن تجتاح من العدو من كل جانب، وتستأصل البقية الباقية منها.
وتجربة مدينة حماة كذلك درس قيم لحركة الجهاد الإسلامي، فإعلانها المواجهة المباشرة للسلطة الكافرة، ولم تعد الظروف المواتية لذلك أدى إلى دمار المدينة وسقوط عشرات الألوف صرعى فيها.
النفطة الثانية: هي أن كتمان القيادة بعض الأمور عن أفرادها لا يعني اتهامها بالكذب أو الخداع أو التضليل، حتى لو أتت الظروف المواتية في ظاهر الأمر لذلك. فلم نعلم من خلال السيرة أن المسلمين المهاجرين قد عرفوا
بقضية البيعة عدا أبي بكر وعلي رضي الله عنهما، فلا ضرورة للإعلان عن مثل هذا اللقاء، ومثل هذه البيعة لهم. ما لم يتم تكليف جديد لهم على ضوء هذه البيعة، ولم يجعل هذا الأمر المهاجرين في قلق توتر لكتمان ذلك عليهم حينما عرفوه فيما بعد، فالروايات تذكر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد لأي من الزمن، وحين استقرت الأوضاع في المدينة أخبر المهاجرين بقوله: إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها، فخرجوا إرسالا.
إذن فقد تم إعلامهم بالأمر عندما تقرر فتح باب الهجرة إليهم إلى يثرب.
2 -
ويؤكد هذه المعاني النتائج الصعبة التي ترتبت على تفشي الخبر. مما أوقع سعدا رضي الله عنه في الأسر، وكان يمكن أن يقتل نتيجة هذا الأمر أو تنقل أسرار التنظيم والمبايعة كاملة لقريش لولا لطف الله. ولم يتم الإفراج عن سعد إلا بتدخل من أعلى مستويات قريش. ويمكن أن نتصور الأخطار أكثر أنه كان من الممكن للأنصار أن يعودوا لاستخلاص سعد لولا أن ساقه الله إليهم.
ونلاحظ كذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه لم يتدخلوا لحماية سعد رضي الله عنه لأن هذا يكشف البيعة ويؤكدها بين المسلمين والخزرج، وهو درس كذلك للشباب حين يرون قيادة الحركة تتلكأ في نصر المسلمين نتيجة ظروف قاهرة قد تفوت مصلحة كبيرة لهم.
فالحركة الإسلامية في خطها الجهادي، اقتضت مصلحة الدعوة فيها أن تهادن دولة مجاورة حين التقت مصلحتهما على عدو ثالث. وكان من طبيعة هذه الهدنة أن أمدتها هذه الدولة بالسلاح والتدريب والتحرك على أرضها. وكان من أسس هذه المفاوضات بينهما أن لا تتدخل الحركة بالشؤون الداخلية لهذه الدولة، ومصلحتها في معاملتها للحركة الإسلامية فيها. ونفذ هذا البند بأمانة تامة، رغم أمنية الحركة الإسلامية أن لا يمس أحد من إخوانها بسوء. لكنه شرف المعاملة.