الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقع فيه، واستعاذ بالله من قول أنا، ولا حضر قط سماعا، ولا أنكر على من يحضره، وكان سلوكه صلاحا من غير إصلاح، ويبالغ في الترفع على أبناء الدنيا، ويترامى على الفقراء، ويقدّم لهم الأكل، ولم يقدّم لغنيّ أكلا البتة، وإذا اجتمع عنده الناس، قدّم الفقير على الغنيّ، وإذا مضى الفقير من عنده سار معه، وشيعه عدّة خطوات، وهو حاف بغير نعل ووقف على قدميه ينظره حتى يتوارى عنه، ومن كان من الفقراء يشار إليه بمشيخة، جلس بين يديه بأدب مع إمامته وتقدّمه في الطريق، ويقول: ما أقول لأحد افعل أو لا تفعل، من أراد السلوك يكفيه أن ينظر إلى أفعاله، فإنّ من لم يتسلك بنظره لا يتسلك بسمعه.
وقال له شخص من خواصه: يا سيدي ادع الله لنا أن يفتح علينا، فنحن فقراء، فقال:
إن أردتم فتح الله، فلا تبقوا في البيت شيئا، ثم اطلبوا فتح الله بعد ذلك، فقد جاء لا تسأل الله، ولك خاتم من حديد، ومن كلامه: الفقير بحال البكر، إذا سأل زالت بكارته، وسأله بعض خواصه: أن يدعو له بسعة، وشكا له الضيق، فقال: أنا ما أدعو لك بسعة بل أطلب لك الأفضل والأكمل.
وكان مع اشتغاله بالعبادة واستغراق أوقاته فيها، لا يغفل عن صاحبه، ولا ينسى حاجته حتى يقضيها، ويلازم الوفاء لأصحابه ويحسن معاشرتهم، ويعرف أحوال الناس على طبقاتهم، ويعظم العلم ويكرم الأيتام ويشفق على الضعفاء والأرامل، ويبذل شفاعته في قضاء حوائج الخاص والعام من غير أن يملّ، ولا يتبرّم بكثرة ذلك، ويكثر من الإيثار في السرّ، ولا يمسك لنفسه شيئا، ويستقلّ ما منه مع كثرة إحسانه، ويستكثر ما يدفع إليه وإن كان يسيرا، ويكافىء عليه بأحسن منه، ولم يصحب قط، أميرا ولا وزيرا بل كان في سلوكه وطريقه يرفع في تواضع ويعزز مع مسكنة، وقرب في ابتعاد، واتصال في انفصال، وزهد في الدنيا، وأهلها، وكان أكبر من خبره، ومن دعائه لنفسه ولمن يسأل له الدعاء: اللهم بعّدنا عن الدنيا وأهلها، وبعّدها عنا، وما زال على ذلك إلى أن مات آخر ليلة أسفر صباحها عن الثامن من شهر ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وستمائة، وترك ولدين ليس لهما قوت ليلة، وعليه مبلغ ألفي درهم دينا، ودفن بجوار الجامع، وقبره يزار إلى يومنا هذا.
ذكر شطا
«1»
شطا: مدينة عند تنيس ودمياط، وإليها تنسب الثياب الشطوية، ويقال: إنها عرفت بشطا بن الهاموك، وكان أبوه خال المقوقس، وكان على دمياط، فلما فتح الله الحصن على يد عمرو بن العاص، واستولى على أرض مصر، جهز بعثا لفتح دمياط، فنازلوها إلى أن
ملكوا سور المدينة، فخرج شطا في ألفين من أصحابه، ولحق بالمسلمين، وقد كان قبل ذلك يحب الخير، ويميل إلى ما يسمعه من سيرة أهل الإسلام.
ولما ملك المسلمون دمياط، امتنع عليهم صاحب تنيس، فخرج شطا إلى البرلس والدميرة وأشموم طناح يستنجد، فجمع الناس لقتال أهل تنيس، وسار بهم من كان بدمياط من المسلمين، ومن قدم مددا من عند عمرو بن العاص إلى قتال أهل تنيس، فالتقى الفريقان، وأبلى شطا منهم بلاء حسنا، وقتل من أبطال تنيس اثني عشر رجلا، واستشهد في ليلة الجمعة النصف من شعبان سنة إحدى وعشرين من الهجرة، فقبر حيث هو الآن خارج دمياط، وبني على قبره، وصار الناس يجتمعون هناك في ليلة النصف من شعبان كل عام، ويغدون للحضور من القرى، وهم على ذلك إلى يومنا هذا، وكانت تعمل كسوة الكعبة بشطا.
قال الفاكهيّ: ورأيت فيها كسوة من كسا أمير المؤمنين، هارون الرشيد من قباطيّ مصر مكتوبا عليها: بسم الله بركة من الله لعبد الله هارون أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، مما أمر الفضل بن الربيع مولى أمير المؤمنين بصنعته في طراز شطا، كسوة الكعبة سنة إحدى وتسعين ومائة.
ومن المواضع المشهورة بدمياط: البرزخ: وهو مسجد بحيرة دمياط تسميه العامّة البرزخ، ولا أعرف مستندهم في ذلك، وشاهدت فيه عجبا، وهو أنّ به منارة كبيرة مبنية من الآجرّ إذا هزّها أحد، اهتزت، فلما صعدت أعلاها حيث يقف المؤذنون، وحرّكتها رأيت ظلها، قد تحرّك بتحريكي لها، ويوجد حول هذا المسجد، رمم أموات يشبه أن تكون ممن استشهد في وقائع الفرنج، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
ديبق: قرية من قرى دمياط بنسب إليها الثياب المثقلة والعمائم الشرب الملوّنة، والديبقيّ العلم المذهب، وكانت العمائم الشرب المذهبة تعمل بها، ويكون طول كل عمامة منها مائة ذراع، وفيها رقمات منسوجة بالذهب، فتبلغ العمامة من الذهب، خمسمائة دينار، سوى الحرير والغزل.
وحدثت هذه العمائم وغيرها في أيام العزيز بالله بن المعز سنة خمس وستين وثلثمائة، إلى أن مات في شعبان سنة ست وثمانين وثلثمائة.
النحريرية: قرية من الأعمال الغربية أسس حكرها الأمير شمس الدين سنقر السعدي، نقيب الجيش في أيام الناصر محمد بن قلاون، وبالغ في عمارتها، فبلغت في أيامه عشرة آلاف درهم فضة، ثم خرج عنها، فعمرت للسلطان، واتسع أمرها حتى أنشئ فيها زيادة على ثلاثين بستانا، ووصل حكرها لكثرة سكانها إلى ألف درهم فضة لكل فدّان، وصارت