الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر الجسر الذي كان يعبر عليه في النيل
اعلم أنه كان في النيل جسر من سفن فيما بين الفسطاط والجزيرة التي تعرف اليوم:
بالروضة، وكان فيما بين الجزيرة، والجيزة أيضا جسر في كل جسر منهما ثلاثون سفينة.
ذكر ما قيل في ماء النيل من مدح وذم
قال الرئيس أبو عليّ ابن سينا عفا الله عنه، وقوم يفرطون في مدح النيل إفراطا شديدا، ويجمعون محامده في أربعة: بعد منبعه، وطيب مسلكه، وغمورته، وأخذه إلى الشمال عن الجنوب. فأخذه إلى الشمال عن الجنوب: ملطف لما يجري فيه من المياه، وأما غمورته فيشاركه فيها غيره. قال: فأفضل المياه مياه العيون، ولا كل العيون ولكن مياه العيون الحرّة الأرض التي لا يغلب على تربتها شيء من الأحوال والكيفيات الغريبة أو تكون حجرية فتكون أولى بأن لا تعفن عفونة الأرضية لكن التي هي من طينة حرّة خير من الحجرية، ولا كل عين حرّة، بل التي هي مع ذلك جارية، ولا كل جارية بل الجارية المكشوفة للشمس، والرياح وإنّ هذا مما يكسب الجارية فضيلة. وأما الراكدة فربما اكتسب بالكشف رداءة لا تكسبها بالغور والستر.
واعلم أنّ المياه التي تكون طيبة المسيل خير من التي تجري على الأحجار، فإنّ الطين ينقي الماء ويأخذ منه الممزوجات الغريبة ويروّقه، والحجارة لا تفعل ذلك. لكنه يجب أن يكون طين مسيله حرّا لا حمأة، ولا سبخة، ولا غير ذلك. فإن اتفق أن كان هذا الماء غمرا شديد الجرية يحيل بكثرة ما يخالطه إلى طبيعته. فإن كان يأخذ إلى الشمس في جريانه فيجري إلى المشرق، وخصوصا إلى الصيفيّ منه، فهو أفضل لا سيّما إذا بعد جدّا من ميدانه، ثم ما يتوجه إلى الشمال والمتوجه إلى المغرب والجنوب رديء خصوصا عند هبوب ريح الجنوب، والذي ينحدر من مواضع عالية مع سائر الفضل أفضل، وما كان بهذه الصفة كان عذبا يخيل، إنه حلو ولا يحتمل الخمر إذا مزج به منه إلا قليلا، وكان خفيف الوزن سريع البرد، والتسخين لتخلخله باردا في الشتاء حارا في الصيف لا يغلب عليه طعم البتة، ولا رائحة ويكون سريع الانحدار من الشراسيف سريعا لهري ما يهري فيه وطبخ ما يطبخ فيه.
قال الرئيس علاء الدين عليّ بن أبي الحرم بن نفيس في شرح القانون: هذه المحامد التي ذكرها ليست علامات للحمد بل هي من الأشياء الموجبة لكونه محمودا وأحد هذه الأربعة بعد منبعه، وقد بينا أنّ ذلك يوجب لطافة الماء بسبب كثرة حركته، واعلم أن منبع النيل من جبل يقال له جبل القمر، وهذا الجبل وراء خط الاستواء بإحدى عشرة درجة وثلاثين دقيقة، فماؤه أعظم دائرة في الأرض بثلاثمائة درجة وستين، وابتداء هذا الجبل من السادسة والأربعين درجة وثلاثين دقيقة من أوّل العمارة من جهة المغرب، وآخره عند آخر
إحدى وستين درجة وخمسين دقيقة، فيكون امتداد هذا الجبل مقدار خمس عشرة درجة وعشرين دقيقة، مما به أعظم دائرة في الأرض ثلثمائة وستون درجة، ويخرج من هذا الجبل عشرة أنهار من أعين فيه ترمي كل خمسة منها إلى بحيرة عظيمة مدوّرة، وإحدى هاتين البحيرتين مركزها حيث البعد من ابتداء العمارة بالمغرب خمسون درجة، والبعد من خط الاستواء في الجنوب سبع درج وإحدى وثلاثون دقيقة، ومركز الثانية حيث البعد عن أوّل العمارة بالمغرب سبع وخمسون درجة، وحيث البعد من خط الاستواء في الجنوب سبع درج وإحدى وثلاثون دقيقة، وهاتان البحيرتان متساويتان وقطر كل واحدة منهما مقدار خمس درج، ويخرج من كل واحدة من البحيرتين أربعة أنهار ترمي إلى بحيرة صغيرة مدوّرة في الإقليم الأوّل بعد مركزها عن أوّل العمارة بالمغرب ثلاث وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، وعن خط الاستواء من الشمال درجتان من الإقليم الأوّل، ومقدار قطرها درجتان ويصب كل واحد من الأنهار الثمانية في بحيرة وفي هذه البحيرة نهر واحد وهو: نيل مصر، ويمرّ ببلاد النوبة «1» نهر آخر ابتداؤه من غير مركزها على خط الاستواء كبيرة مستديرة مقدار قطرها ثلاث درج وبعد مركزها من أوّل العمارة بالمغرب: ثلاث وأربعون درجة، ويلقي نهر هذه العين لنهر النيل حيث البعد من أوّل العمارة بالمغرب ثلاث وأربعون دقيقة، وإذا تعدّى النيل مدينة مصر إلى بلد يقال له: شطنوف «2» يفرق هناك إلى نهرين يرميان إلى البحر المالح أحدهما يعرف ببحر رشيد، ومنه يكون خليج الإسكندرية، وثانيهما يعرف ببحر دمياط، وهذا البحر إذا وصل إلى المنصورة تفرّع منه نهر يعرف ببحر أشمون يرمي إلى بحيرة هناك. وباقية يرمي إلى البحر المالح عند دمياط، وزيادة النيل هي من أمطار كثيرة ببلاد الحبشة، والله أعلم.
واعلم أن الوزن من الدستورات المنتخبة من حال الماء فإنّ الأخف في أكثر الأحوال أفضل فهذا ما ذكره الرئيس ابن سيناء من صفات المياه الفاضلة، واعتبر ما قاله تجد ذلك قد اجتمع في ماء النيل.
فأوّله أن ماء النيل عين تمرّ على أراضي حرّة، ولا يغلب على تربه ما يمرّ به شيء من الأحوال والكيفيات الردية كمعادن النفط، والشب والأملاح والكباريت، ونحوها بل يمرّ على الأراضي التي تنبت الذهب بدليل ما يظهر في الشطوط من قراضات الذهب، وقد عانى جماعة تصويل الذهب من الرمل المأخوذ من شطوط النيل فربحوا منه مالا وفضيلة كون الذهب في المال لا تنكر.
الثاني: أن النيل في جريانه أبدا مكشوف للشمس والرياح.
الثالث: أنّ طينه من طين مسيل مياه مجتمعة من أمطار تمرّ على أراضي حرّة، ويظهر لك ذلك من عطرية روائح الطين إذا نديته بماء.
الرابع: غمورة ماء النيل، وشدّة جريته التي تكاد تقصف العمد إذا اعترضتها، وتدفع الأثقال العظيمة إذا عارضتها.
الخامس: بعد مبدأ خروجه من مصبه في البحر المالح، وقد تقدّم من طول مسافته ما لا نجده في نهر غيره من أنهار المعمور.
السادس: انحداره من علوّ فإن الجنوب مرتفع عن الشمال لا سيما إذا صار إلى الجنادل انحط من أعلى جبل مرتفع إلى وادي مصر.
وذكر ابن قتيبة في كتاب غريب الحديث من حديث جرير بن عبد الله البجليّ حين سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن منزله ببلنسة فذكره إلى أن قال: وماؤنا يمتنع أن يجري من علوّ، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«خير الماء السنم» أي ما كان ظاهرا على وجه الأرض والسنم: الماء على وجه الأرض، وكل شيء علا شيئا فقد تسنمه مأخوذ من سنام البعير لعلوّه.
وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ
[المطففين/ 27] أي يمزج بما ينزل من علوّ.
السابع: أنه يمرّ من الجنوب إلى الشمال فتستقبله ريح الشمال الطيبة دائما.
الثامن: من خفته في الوزن، وقد اعتبر ذلك غير مرّة مع غيره من المياه فخف عنها في الوزن.
التاسع: عذوبة طعمه وحسن أثره في هضم الغذاء وأحداره عن المعدة بحيث إنه يحدث بعد شربه جشاء، وهذه صفات إن كنت ممن مارس العلم الطبيعيّ، وعرف الطب فإنه يعظم عندك قدر ماء النيل، وتبين لك غزارة نفعه وكثرة محاسنه.
ويقال: إنّ ذا القرنين كتب كتابا فيه ما شاهده من عجائب الدنيا فضمنه كل أعجوبة، ثم قال في آخره: وليس ذلك بعجب بل العجب نيل مصر، وقال بعض الحكماء: لولا ما جعل الله في نيل مصر من حكمة الزيادة في زمن الصيف على التدريج حتى يتكامل ريّ البلاد، وهبوط الماء عنها عند بدء الزراعة لفسد إقليم مصر، وتعذر سكناه لأنه ليس فيه أمطار كافية، ولا عيون جارية تعم أرضه إلا بعض إقليم الفيوم، ولله در القائل:
واها لهذا النيل أيّ عجيبة
…
بكر بمثل حديثها لا يسمع
يلقي الثرى في العام وهو مسلم
…
حتى إذا ما ملّ عاد يودّع
مستقبل مثل الهلال فدهره
…
أبدا يزيد كما يريد ويرجع
وقال آخر:
كأنّ النيل ذو فهم ولب
…
لما يبدو لعين الناس منه
فيأتي حين حاجتهم إليه
…
ويمضي حين يستغنون عنه
وقال تميم بن المعتمر:
يوم لنا بالنيل مختصر
…
ولكل يوم مسرّة قصر
والسفن تجري كالخيول بنا
…
صعدا وجيش الماء منحدر
وكأنما أمواجه عكن
…
وكأنما داراته سرر
وقال أيضا:
أما ترى الرعد بكى واشتكى
…
والبرق قد أومض واستضحكا
فاشرب على غيم بصنع الدجى
…
يضحك وجه الأرض لما بكى
وانظر لماء النيل في مدّه
…
كأنما صندل أو مصطكا «1»
وقال آخر:
والله مجرى النيل منه إذا الصبا
…
أرينا به من برها عسكرا بحرا
بشط بنهر السمهرية دبلا
…
وموج بنهر البيض هندية بترا
إذا مرّ حاكى الورد غضا وإن صفا
…
حكى ماءه لونا ولو بعده مرّا
وقال أبو الحسن محمد بن الوزير في تدريج زيادة النيل وعظم منفعته:
أرى أبدا كثيرا من قليل
…
وبدرا في الحقيقة من هلال
فلا تعجب فكل خليج ماء
…
بمصر مسيب بخليج مال
زيادة أصبع في كل يوم
…
زيادة أذرع في حسن حال
وقال الشهاب أحمد بن فضل الله العمري:
بمصر فضل باهر
…
لعيشها الرغد النضر
في سفح روض يلتقي
…
ماء الحياة والخضر
وقال ابن قلاقس:
انظر إلى الشمس فوق النيل غاربة
…
وانظر لما بعدها من حمرة الشفق
غابت وألقت شعاعا منه يخلفها
…
كأنما احترقت بالماء في الغرق
وللهلال فها وافى لينفدها
…
في إثرها زورق قد صيغ من ورق
وقال بشر الملك ابن المنجم:
يا رب سامية في الجو قمت بها
…
أمدّ طرفي في أرض من الأفق
حيث العشية في التمثيل معترك
…
إذا رآها جبان مات للفرق
للشمس غاربة للغرب ذاهبة
…
بالنيل مصفرّة من هجمة الغسق
وللهلال انعطاف كالسنان بدا
…
من سورة الطعن ملقى في دم الشفق
وقال القاضي الفاضل رحمه الله تعالى عليه: وأما النيل، فقد ملأ البقاع، وانتقل من الأصبع إلى الذراع، فكأنما غار على الأرض، فغطاها وأغار عليها فاستقعدها، وما تخطاها فما يوجد بمصر قاطع طريق سواه، ولا مرغوب مرهوب إلا إياه.
ونيل مصر: مخالف في جريه لغالب الأنهار، فإنه يجري من الجنوب إلى الشمال وغيره، ليس كذلك إلا نهران فإنهما يجريان كما يجري النيل، وهما نهر مكران بالسند ونهر الأريط «1» ، وهو الذي يعرف اليوم بنهر العاصي في حماه إحدى مدائن الشام. وقد عاب ماء النيل قوم.
قال أبو بكر ابن وحشية «2» في كتاب الفلاحة النبطية: وأما ماء النيل فمخرجه من جبال وراء بلاد السودان يقال لها جبال القمر، وحلاوته وزيادته يدلان على موقعه من الشمس أنها أحرقته لا كل الإحراق، بل أسخنته إسخانا طويلا لينا لا تزعجه الحرارة، ولا تقوى عليه بحيث تبدّد أجزاءه الرطبة وتبقى أجزاءه الراسخة، بل يعتدل عليه فصار ماؤه لذلك حلوا جدّا، وصار كثرة شربه يعفن البدن، ويحدث البثور، والدماميل والقروح، وصار أهل مصر- الشاربون منه- دمويين محتاجين إلى استفراغ الدم عن أبدانهم في كل مدّة قصيرة، فمن كان عالما منهم بالطبيعة، فهو يحسن مداواة نفسه حتى يدفع عن جسمه ضرر ماء النيل، وإلا فهو يقع فيما ذكرنا من العفونات وانتشار البثر والدماميل.
وذلك أن هذا الماء ناقص البرد عن سائر المياه قد صير له الطبخ قواما هو أثخن من قوام الماء؛ فصار إذا خالط الطعام في الأبدان كثر فيها الفضول الردية العفنة، فيحدث من ذلك ما ذكرناه. ودواء أهل مصر الذي يدفع عنهم ضرر ماء النيل، إدمان شرب ربوب الفاكهة الحامضة القابضة، وأخذ الأدوية المستفرغة للفضول ولو زادت حرارة الشمس على ماء النيل، وطال طبخها له لصار مالحا بمنزلة ماء البحار الراكدة التي لا حركة لها إلا وقت
جزر البحر، وهبوب الرياح، وهو أوفق للزروع والمنابت من الحيوان.
وقال ابن رضوان: والنيل يمرّ بأمم كثيرة من السودان، ثم يصير إلى أرض مصر، وقد غسل ما في بلاد السودان من العفونات، والأوساخ ويشق مارا بوسط أرض مصر من الجنوب إلى الشمال إلى أن يصب في بحر الروم. ومبدأ زيادته في فصل الصيف، وتنتهي زيادته في فصل الخريف، ويرتقي في الجوّ منه في أوقات مدّة رطوبات كثيرة بالتحلل الخفيّ، فيرطب ذلك يبس الصيف، والخريف، وإذا مدّ النهر فاض على أرض مصر فغسل ما فيها من الأوساخ نحو جيف الحيوانات، وأزبالها وفضول الآجام، والنبات ومياه النقاع، وأحدر جميع ذلك معه، وخالطه من تراب هذه الأرض، وطينها مقدار كثير من أجل سخافتها وباض فيه من السمك الذي تربى فيه وفي مياه النقائع، ومن قبل ذلك تراه في أوّل مدّة يخضر لونه بكثرة ما يخالطه من مياه النقائع العفنة التي قد اجتمع فيها العرمض، والطحلب واخضر لونها من عفنها ثم يتعكر حتى يصير آخر أمره مثل الحمأة، وإذا صفا اجتمع منه في الإناء طين كثير، ورطوبة لزجة لها سهوكة، ورائحة منكرة. وهذا من أوكد الأشياء في ظهور رداءة هذا الماء، وعفنه.
وقد بيّن بقراط وجالينوس: أنّ أسرع المياه إلى العفن ما لطفته الشمس بمياه الأمطار ومن شأن هذا الماء أن يصل إلى أرض مصر، وهو في الغاية من اللطافة من شدّة حرارة بلاد السودان، فإذا اختلط به عفونات أرض مصر زاد ذلك في استحالته، ولذلك يتولد منه من أنواع السمك شيء كثير جدّا. فإنّ فضول الحيوانات والنبات وعفونة هذا الماء، وبيض السمك يصير جميعها موادّا في تكوّن هذه الأسماك.
كما قال أرسطاطاليس في كتاب الحيوان: وذلك شيء ظاهر للحس فإن كل شيء يتعفن يتولد من عفونته الحيوان، ولهذا صار ما يتولد من الدود، والفأر والثعابين والعقارب والزنابير والذباب، وغيرها بأرض مصر كثيرا، فقد استبان أن المزاج الغالب على أرض مصر الحرارة والرطوبة الفضلية. وإنها ذات أجزاء كثيرة، وإن هواءها وماءها رديان، وربما انقطع النيل في آخر الربيع وأوّل الصيف من جهة الفسطاط. فيعفن بكثرة ما يلقي فيه إلى أن يبلغ عفنه إلى أن يصير له رائحة منكرة محسوسة. وظاهر أن هذا الماء إذا صار على هذه الحالة غيّر مزاج الناس تغيرا محسوسا، وينبغي أن يستقي ماء النيل من الموضع الذي فيه جريه أشدّ، والعفونة فيه أقل، ويصفي كل إنسان هذا الماء بحسب ما يوافق مزاجه. أما المحرورون في أيام الصيف فبالطباشير، والطين الأرمنيّ، والمغرة والنبق المرضوض، والزعرور المرضوض، والخل. وأما المبرودون في أيام الشتاء فباللوز المرّ، داخل نوى المشمش، والصعتر والشب. وينبغي أن ينظف ما يروّق ويشرب وإن شئت أن تصفيه بأن تجعله في آنية الخزف، والفخار والجلود، وما يمصل من ذلك بالرشح، وإن شئت طبخته