الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مصر. وقد خلت من حاميها لغرق أهلها مع فرعون فأخذوا ذخائر فرعون وكنوزه، وعادوا إلى موسى. فذلك توريثهم أرض مصر يعني قول الله عز وجل عن قوم فرعون:
فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ
[الشعراء/ 58] ، كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ
[الدخان/ 28]، وقوله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها
[الأعراف/ 137] يعني أرض مصر أورثناها بني إسرائيل لأنهم هم المستضعفون الذين كانوا فيها بدليل قوله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
[القصص/ 5] . قال جامعه ومؤلفه رحمه الله تعالى: أخبرني داود بن رزق بن عبد الله وكانت له سياحات كثيرة بأرض مصر أنه عبر إلى واد بالقرب من القلمون بالوجه القبلي فرأى فيه مقاتات كثيرة ما بين بطيخ وقثاء وتفاح وكلها حجارة وكان قد أخبرني قديما بعض الأعيان أنه شاهد في سفره إلى البلاد من أرض مصر بطيخا كثيرا كله حجارة وكذلك البطيخ من الصنف الذي يقال له العبدلي.
ذكر أخلاق أهل مصر وطبائعهم وأمزجتهم
قال أبو الحسن عليّ بن رضوان «1» الطبيب: مصر، اسم فيما نقلت الرواة يدل على أحد أولاد نوح النبي عليه السلام، فإنهم ذكروا أنّ مصر هذا نزل بهذه الأرض فانسل فيها، وعمرها فسميت باسمه، والذي يدل عليه هذا الاسم اليوم هو الأرض التي يفيض عليها النيل، ويحيط بها حدود أربعة؛ وهي: أنّ الشمس تشرق على أقصى العمارة بالشرق قبل أن تغيب عن آخر العمارة بالغرب بثلاث ساعات، وثلثي ساعة. فيجب من ذلك أن تكون هذه الأرض في النصف الغربيّ من الربع العامر، والنصف الغربيّ من الربع العامر على ما قال أبقراط، وبطليموس: أقل حرارة وأكثر رطوبة من النصف الشرقيّ. لأنه قسم كوكب القمر، والنصف الشرقيّ في قسم كوكب الشمس، وذلك أن الشمس تشرق على النصف الشرقيّ قبل شروقها على النصف الغربيّ، والقمر يهل على النصف الغربيّ قبل النصف الشرقيّ.
وقد زعم قوم من القدماء أنّ أرض مصر في وسط الربع من المعمور من الأرض بالطبع، فأما بالقياس فعلى ما ذكرنا من أنها في النصف الغربيّ، والحدّ الثالث هو أن أوّل بعد هذه الأرض عن خط الاستواء في جهة الجنوب أسوان وبعدها عن خط الاستواء اثنان وعشرون درجة ونصف، فالشمس تسامت رؤوس أهلها مرّتين في السنة عند كونها في آخر الجوزاء، أو في أوّل السرطان، وفي هذين الوقتين لا يكون للقائم بأسوان نصف النهار ظل أصلا، فالحرارة واليبس والإحراق غالب على مزاجها لأنّ الشمس تنشف رطوبتها، ولذلك صارت ألوانهم سودا وشعورهم جعدة لاحتراق أرضهم.
والحدّ الرابع هو: أن آخر بعد أرض مصر عن خط الاستواء في جهة الشمال طرف بحر الروم، وعليه من أرض مصر بلدان كثيرة كالإسكندرية ورشيد ودمياط وتنيس والفرما.
وبعد دمياط عن خط الاستواء في الشمال أحد وثلاثون جزءا وثلث، وهذا البعد هو آخر الإقليم الثالث، وأوّل الإقليم الرابع. فالشمس لا تبعد عنهم كل البعد، ولا تقرب منهم كل القرب فالغالب عليهم الاعتدال مع ميل يسير إلى الحرارة فإن الموضع المعتدل على الصحة من البلدان العامة وهو أوّل وسط الإقليم الرابع، وأيضا فمجاورة دمياط للبحر وإحاطته بها تجعلها معتدلة بين الحرّ والبرد خارجة عن الاعتدال إلى الرطوبة، فيكون الغالب عليها المزاج الرطب الذي ليس بحارّ ولا بارد، ولذلك صارت ألوانهم سمرا وأخلاقهم سهلة وشعورهم سبطة، وإذا كان أوّل مصر من جهة الجنوب الغالب عليه الاحتراق وآخرها من جهة الشمال الغالب عليها الاعتدال مع ميل يسير نحو الحرارة فما بين هذين الموضعين من أرض مصر الغالب عليه الحرارة، وتكون قوّة حرارته بقدر بعده من أسوان، وقربه من بحر الروم.
ومن أجل هذا قال أبقراط وجالينوس: إن المزاج الغالب على أرض مصر الحرارة قال: وجبل لوقا في مشرق هذه الأرض يعوق عنها ريح الصبا، فإنه لم يوجد بفسطاط مصر صبا خالصة، لكن متى هبت الصبا عندهم، هبت نكبا بين المشرق والشمال، أو المشرق والجنوب، وهذه الرياح يابسة مانعة من العفن. وقد عدمت أهل مصر هذه الفضيلة ومن أجل ذلك صارت المواضع التي تهب فيها ريح الصبا من أرض مصر أحسن حالا من غيرها كالإسكندرية وتنيس، ويعوّق «1» أيضا هذا الجبل إشراق الشمس على أرض مصر إذا كانت على الأفق فيكون زمان لبث الشعاع على هذه الأرض أقل من الطبيعيّ. ومثل هذه الحال سبب لركود الهواء وغلظه.
وأرض مصر أرض كثيرة الحيوان والنبات جدّا لا تكاد تجد فيها موضعا خلوا من الحيوان والنبات. وهي أرض متخلخلة فإنك تراها عند انصراف النيل بمنزلة الحمأة، فإذا حلّت الحرارة ما فيها من الرطوبة تشققت شقوقا عظاما، والمواضع الكثيرة الحيوان والنبات أرض كثيرة العفونة، وقد اجتمع على أرض مصر حرارة مزاجها وكثرة ما فيها من الحيوان والنبات، فأوجب ذلك احتراقها وسواد طينها، فصارت أرضا سوداء. وما قرب منها من الجبل سبخ إما بورقيّ أو مالح. ويظهر من أرض مصر بالعشيات بخار أسود أو أغبر وخاصة في أيام الصيف. وأرض مصر ذات أجزاء كثيرة ويختص كل جزء منها بشيء دون غيره، وعلة ذلك ضيق عرضها واشتمال طولها على عرض الإقليم الثاني والثالث، فإن الصعيد فيه من النخل والسنط وآجام القصب والبردي ومواضع إحراق الفحم وغير ذلك شيء كثير.
والفيوم فيه من النقائع وآجام القصب ومواضع تعطين الكتان شيء كثير.
وأسفل أرض مصر فيه من النبات أنواع كثيرة كالقلقاس والموز وغير ذلك.
وبالجملة؛ فكل بقعة من أرض مصر لها أشياء تختص بها وتتفضل عن غيرها. قال: والنيل يرطب يبس الصيف والخريف فقد استبان أنّ المزاج الغالب على أرض مصر الحرارة والرطوبة الفصلية وإنها ذات أجزاء كثيرة. وأنّ هواءها وماءها رديئان، وقد بيّن الأوائل أن المواضع الكثيرة العفن يتحلل منها في الهواء فضول كثيرة لا تدعه يستقرّ على حال لاختلاف تصعدها.
وقد كان استبان أنّ هواء أرض مصر يسرع إليه التغير لأنّ الشمس لا يثبت على أرض مصر شعاعها المدّة الطبيعية، فمن أجل هذين كثر اختلاف هواء أرض مصر، فصار يوجد في اليوم الواحد على حالات مختلفة مرّة حرّ، ومرّة برد، ومرّة يابس، وأخرى رطب، ومرّة متحرّك، وأخرى ساكن، ومرّة الشمس صاحية، ومرّة قد سترها الغيم.
وبالجملة هواء مصر كثير الاختلاف غير لازم لطريقة واحدة فيصير من أجل ذلك في الأوعية والعروق من أخلاط البدن لا يلزم حدّا واحدا. وأيضا فإنّ ما يتحلل كل يوم من البخار الرطب بأرض مصر يعوقه اختلاف الهواء وقلة سمك الجبال، وكثرة حرارة الأرض عن الاجتماع في الجوّ، فإذا برد الهواء ببرد الليل انحدر هذا البخار على وجه الأرض فيتولد عنه الضباب الذي يحدث عنه الطل والندا، وربما تحلل هذا البخار بالتحلل الخفي فإذا يتحلل كل يوم ما كان اجتمع من البخار في اليوم الذي قبله فمن أجل هذا لا يجتمع الغيم الممطر بأرض مصر إلا في الندرة. وظاهر أيضا، أنّ أرض مصر يترطب هواؤها في كل يوم بما يترقى إليه من البخار الرطب وما يتحلل.
وقد قال بعض الناس: أنّ الضباب يتكوّن من استحالة الهواء إلى طبيعة الماء فإذا انضاف هذا إلى ما قلناه كان أزيد في بيان سرعة تغير الهواء بأرض مصر، وكثرة العفونة فيها وقد استبان أنّ أرض مصر كثيرة الاختلاف كثيرة الرطوبة الفضلية التي يسرع إليها العفن.
والعلة القصوى في جميع ذلك هو أن أخص الأوقات بالجفاف في الأرض كلها يكثر فيه بمصر الرطوبة لأنها تترطب في الصيف والخريف بمدّ النيل وفيضه. وهذا بخلاف ما عليه البلدان الأخر.
وقد علّمنا أبقراط أنّ رطوبة الصيف والخريف فضيلة أعني: خارجة عن المجرى الطبيعيّ كرطوبة المطر الحادث في الصيف، ومن أجل هذه قلنا: إن رطوبة مصر فضلية، وذلك أن الحرارة واليبس هو بالحقيقة مزاج مصر الطبيعيّ، وإنما عرض له ما أخرجه عن اليبس إلى الرطوبة الفضيلة بمدّ النيل في الصيف والخريف. ولذلك كثرت العفونات بهذه الأرض فهذا هو السبب الأعظم في أن صارت أرض مصر على ما هي عليه من سخافة
الأرض، وكثرة العفن، ورداءة الماء، والهواء. إلا أن هذه الأشياء لا تحدث في أبدان المصريين استحالة محسوسة إذا جرت على عادتها من أجل إلف المصريين لهذه الحال، ومشاكلة أبدانهم لها، فإن كل ما يتولد بأرض مصر من الحيوان والنبات مشابه لما عليه مصر في سخافة الأبدان وضعف القوى، وكثرة التغير وسرعة الوقوع في الأمراض، وقصر المدّة كالحنطة بمصر فإنها وشيكة الزوال سريع إليها العفن في المدّة اليسيرة ولا مطعن أن أبدان الناس وغيرهم تخالف ما عليه الحنطة من سرعة الاستحالة، وكيف لا يكون الأمر كذلك وأبدانهم مبنية من هذه الأشياء فحال ما يتولد بأرض مصر من النبات، والحيوان في السخافة، وكثرة الفضول، والعفن وسرعة الوقوع في الأمراض كحال سخافة أرضها وعفنها، وفضولها وسرعة استحالتها لأنّ النسبة واحدة. ولذلك أمكن حياة الحيوان فيها ونبات النبات بها فإن هذه الأشياء من حيث ناسبتها ولم تبعد من مشاكلتها أمكن حياتها.
فأما الأشياء الغريبة فإنها إذا دخلت إلى مصر تغيرت في أوّل لقائها لهذا الهواء حتى إذا استقرّت وألّفت الهواء، واستمرّت عليه صحت مشاكلة لأرض مصر.
قال: وأما جنس ما يؤكل، ويشرب بأرض مصر. فإنّ الغلات سريعة التغير سخيفة متخلخلة تفسد في الزمان اليسير كالحنطة والشعير والعدس والحمص والباقلاء والجلبان.
فإنّ هذه تسوّس في المدّة القليلة ليس لشيء من الأغذية التي تعمل منها لذاذة ما لنظيره في البلدان الأخر. وذلك أنّ الخبز المعمول من الحنطة بمصر متى لبث يوما واحدا بليلته لا يؤكل وإن أكل لم يوجد له لذاذة ولا تماسك لبعضه ببعض ولا يوجد فيه علوكة، ولكنه يتكرّج في الزمان اليسير وكذلك الدقيق، وهذا خلاف أخبار البلدان الأخر، وكذلك الحال في جميع غلات مصر وفواكهها، وما يعمل فيها فإنها وشيكة الزوال سريعة الاستحالة والتغير. فأما ما يحمل من هذه إلى مصر فظاهر أنّ مزاجها يتبدّل باختلاف الهواء عليها ويستحيل عما كانت عليه إلى مشاكلة أرض مصر إلا أنّ ما كان حديثا قريب العهد بالسفر، فقد بقيت فيه من جودته بقايا صالحة فهذا حال الغلات.
وأما الحيوان الذي يأكله الناس، فالبلدي منه مزاجه مشاكل لمزاج الناس بهذه الأراضي في السخافة وسرعة الاستحالة فهو على هذا ملائم لطبائعهم، والمجلوب كالكباش البرقية فالسفر يحدث في أبدانها قحلا ويبسا وأخلاطا لا تشاكل أخلاط المصريين.
ولها إذا دخلت مصر مرض أكثرها. فإذا استقرّت زمانا صالحا تبدّل مزاجها ووافق مزاج المصريين.
وأهل مصر يشرب الجمهور منهم من ماء النيل وقد قلنا في ماء النيل ما فيه كفاية وبعضهم يشرب مياه الأبار، وهي قريبة من مشاكلتهم والمياه المخزونة فقلّ من يشربها بأرض مصر.
وأجود الأشربة عندهم الشمسيّ: لأنّ العسل الذي فيه يحفظ قوّته ولا يدعه يتغير بسرعة والزمان
الذي يعمل فيه خالص الحرّ فهو ينضجه والزبيب الذي يعمل منه مجلوب من بلاد أجود هواء.
وأما الخمر فقلّ من يعتصرها إلا ويلقي معها عسلا وهي معتصرة من كرومهم، فتكون مشاكلة لهم، ولهذا صاروا يختارون الشمسيّ عليها وما عدا الشمسيّ والخمر من الشراب بأرض مصر فرديء لا خير فيه لسرعة استحالته من فساد مادّته، كالنبيذ التمري، والمطبوخ والمزر المعمول من الحنطة.
وأغذية أهل مصر مختلفة فإنّ أهل الصعيد يغتذون كثيرا بتمر النخل، والحلاوة المعمولة من قصب السكر، ويحملونها إلى الفسطاط وغيرها. فتباع هناك وتؤكل، وأهل أسفل الأرض يغتذون كثيرا بالقلقاس والجلبان ويحملون ذلك إلى مدينة الفسطاط وغيرها.
فتباع هناك وتؤكل وكثير من أهل مصر يكثرون أكل السمك طريا ومالحا وكثير يكثرون أكل الألبان، وما يعمل منها وعند فلاحيهم نوع من الخبز يدعى كعكا يعمل من جريش الحنطة، ويجفف وهو أكثر أكلهم السنة كلها. وبالجملة فكل قوم قد ابتنت أبدانهم من أشياء بأعيانها وألفتها. ونشأت عليها إلا أن الغالب على أهل مصر الأغذية الرديئة وليست تغير مزاجهم ما دامت جارية على العادة. وهذا أيضا مما يؤكد أمرهم في السخافة وسرعة الوقوع في الأمراض. وأهل الريف أكثر حركة رياضة من أهل المدن ولذلك هم أصح أبدانا لأنّ الرياضة تصلب أعضاءهم، وتقوّيها وأهل الصعيد أخلاطهم أرق وأكثر دخانية وتخلخلا وسخافة لشدّة حرارة أرضهم من أسفل الأرض، وأهل أسفل الأرض بمصر أكثر استفراغ فضولهم، بالبراز والبول لفتور حرارة أرضهم واستعمالهم للأشياء الباردة، والغليظة كالقلقاس. وأما أخلاط المصريين فبعضها شبيه ببعض لأنّ قوى النفس تابعة لمزاج البدن، وأبدانهم سخيفة سريعة التغير قليلة الصبر والجلد، وكذلك أخلاقهم يغلب عليها الاستحالة والتنقل من شيء إلى شيء والدعة والجبن والقنوط والشح وقلة الصبر والرغبة في العلم وسرعة الخوف والحسد والنميمة والكذب والسعي إلى السلطان وذمّ الناس. وبالجملة فيغلب عليهم الشرور الدنية التي تكون من دناءة الأنفس وليس هذه الشرور عامّة فيهم ولكنها موجودة في أكثرهم، ومنهم: من خصه الله بالفضل وحسن الخلق وبرّأه من الشرور، ومن أجل توليد أرض مصر، الجبن والشرور الدنيئة في النفس لم تسكنها الأسد وإذا دخلت ذلت ولم تتناسل وكلابها أقل جرأة من كلاب غيرها من البلدان. وكذلك سائر ما فيها أضعف من نظيره في البلدان الأخر ما خلا ما كان منها في طبعه ملائمة لهذه الحال كالحمار والأرنب.
وقال: إنّ جالينوس يرى أن فصل الربيع طبيعته الاعتدال، ويناقض من ظنّ أنه حار رطب، ومن شأن هذا الفصل أن تصح فيه الأبدان، ويجود هضمها وتنتشر الحرارة لغريزية فيه، ويصفو الروح الحيواني لاعتدال الهواء وصفائه ومساواة ليله لنهاره، وغلبة الدم والهواء المعتدل هو الذي لا يحس فيه ببرد ظاهر ولا حرّ ولا رطوبة ولا يبس، ويكون في نفسه
صافيا نقيا فيقوى فيه الروح الحيواني لهذا السبب، وتصح الأبدان ويكثر نشاط الحيوان وتنمو الأشياء وتزيد وتتوالد. وإذا طلبنا بأرض مصر مثل هذا الهواء لم نجده في وقت من السنة إلا في امشير وبرمهات وبرمودة وبشنس، عندما تكون الشمس في النصف الأخير من الدلو والحوت والحمل والثور. فإنا نجد بمصر في هذا الزمان أياما معتدلة نقية صافية لا يحس فيها بحرّ ظاهر، ولا برد ولا رطوبة ولا يبوسة، وتكون الشمس فيها نقية من الغيوم، والهواء ساكنا لا يتحرّك إلا أن يكون ذلك في برمودة وبشنس فإنه يحتاج إلى أن تهب ريح الشمال ليعتدل ببردها حرّ الشمس.
وفي هذا الزمان تكثر حركة الحيوان وسفاده وتحسن أصواته، وتورق الأشجار ويعقد الزهر، وتقوى القوة المولدة ويغلب كيموس الدم. وهذا الفصل في أرض مصر يتقدّم زمانه الطبيعيّ بمقدار ما ينقص عن آخره، وعلة ذلك قوّة حرارة هذه الأرض، وقد يعرض في أوّل هذا الفصل أيام شديدة البرود وذلك في أمشير إذا هبت ريح الشمال، وكانت الشمس غير نقية من الغيوم، وعلة ذلك دخول فصل الربيع في فصل الشتاء. فإذا هبت ريح الشمال برد ببردها الهواء، فأعادته بعد الاعتدال إلى البرد ولكثرة ما يصعد من الأرض في هذا الزمان من البخار الرطب يرطب الهواء، ويعود إلى حاله في فصل الشتاء، وربما برد الهواء من هبوب رياح أخر فإن ريح الجنوب التي هي أشدّ الرياح حرارة إذا هبت في هذا الزمان اكتسبت برودة من الأرض، والماء الذين قد بردّهما هواء الشتاء.
فإذا مرّت بشيء بردّته ببرودتها العرضية حتى إذا دام هبوبها أياما كثيرة متوالية عادت إلى حرارتها، وأسخنت الهواء، وأحدثت فيه يبسا. والدليل على أن برد رياح الجنوب التي تعرفها المصريون بالمريسي يتولد من برد مياه مصر، وأرضها لا بشيء طبيعي لها أنه لا يجتمع في الجوّ في أيام هبوبها الضباب الذي يجتمع من تحليل الحرارة للبخار الرطب بالنهار. وجمع البرودة له بالليل. فحرارة ريح الجنوب تفرّق البرودة عن جمعه، وتبدّده في الهواء، وإذا دام هبوب هذه الريح أسخنت الماء، والأرض وعادت إلى طبيعتها في الحرارة.
وإذا كان فصل الربيع يتقدّم زمانه الطبيعي، ويختلف هذا الاختلاف. والهواء في الأصل بمصر يختلف بكثرة استحالته، وما يرقى إليه من البخار فما ظنك بغيره من الفصول ولذلك كثرت فيه الرياح.
وأخر الأطباء فيه سقي الأدوية المسهلة إلى أن يستقرّ أمره في شمس الحمل مع الثور، ثم يدخل فصل الصيف في آخر بشنس «1» وبؤنة «2» وأبيب «3» وبعض مسرى «4» . عند ما تكون الشمس في الجوزاء والسرطان والأسد وبعض السنبلة، فيشتدّ الحرّ واليبس في هذا الزمان وتجف الغلات وتنضج الثمار ويجتمع من أكلها في الأبدان كيموسات رديئة وإذا نزلت
الشمس في السرطان أخذ النيل في الزيادة، والفيض على أرض مصر. فيتغير مزاج الصيف الطبيعي بكثرة ما يترقى إلى الهواء من بخار الماء، ويوجد في أوّل هذا الفصل عند ما تكون الشمس في الجوزاء أيام يشاكل هواؤها هواء الربيع عندما تكون الشمس مستورة بالغيوم أو تكون الريح الشمال هاوية. ولهذا يغلط كثير من الأطباء ويسقي الأدوية المسهلة في هذا الزمان، لظنه أن فصل الربيع لم يخرج إلا من كان منهم أحذق فهو يختار ما كان من هذه الأيام أسكن حرارة والأكثر لا يشعرون البتة بهذه الحال.
وفي آخر الصيف يكون فيض النيل فظاهر أن هذا الفصل يتقدّم دخوله الزمان الطبيعيّ بقدر ما يتقدم آخره وأنه كثير الاضطراب بكثرة ما يرقى إليه من بخار الأرض. فلولا استمرار أبدانهم على هذا الاختلاف، ومشاكلتهم لهذه الحال لحدثت فيهم الأمراض التي ذكر أبقراط: أنها تحدث إذا كان الصيف رطبا.
ثم يدخل فصل الخريف وطبيعته يابسة من النصف الأخير من مسرى ثم توت «1» وبابة وبعض أيام هاتور. وتكون الشمس في آخر السنبلة والميزان والعقرب، فتكمل زيادة النيل في أوّل هذا الفصل ويطلق على الأرضين فيطبق أرض مصر ويرتفع منه في الجوّ بخار كثير، فينتقل مزاج الخريف عن اليبس إلى الرطوبة حتى أنه ربما وقع فيه الأمطار، وكثرة الغيم في الجوّ. ويوجد في هذا الفصل أيام شديدة الحرّ لأنها على الحقيقة صيفية. فإذا نقي الجوّ من البخار الرطب عادت إلى طبيعتها من الحرارة. وفيه أيضا أيام شديدة الشبه بأيام الربيع تكون عند ما يساوي الليل النهار ويرطب الماء يبس الهواء، ويشتدّ في هذا الفصل اضطراب الهواء بكثرة ما يرتقى إليه من البخار الرطب، فيكون مرّة حارّا أو أخرى باردا ومرّة يابسا، وأكثر أوقاته يغلب عليه الرطوبة فلا يزال كذلك يتمزج حتى يغلب عليه رطوبة الماء في آخر الأمر ويصاد في أيام الخريف من النيل أسماك كثيرة جدا يولد أكلها في الأبدان أخلاطا لزجة.
وكثيرا ما يستحيل إلى الصفر إذا صادفت في البدن خلطا صفراويا. فمن أجل ذلك يضطرب ما في الأبدان من الروح الحيوانيّ، وتهيج الأخلاط، ويفسد الهضم في البطون والأوعية والعروق ويتولد من ذلك كيموسات رديئة كثيرة الأخلاط بعضها مرّة صفراء وبعضها مرّة سوداء وبعضها بلغم لزج وبعضها خلط خام وبعضها مرّة محترقة، وكثير منها يتركب من هذه الأشياء فتثير الأمراض حتى إذا انصرف النيل في آخر الخريف، وانكشفت الأرض وبرد الهواء، وكثرت الأسماك واحتقن البخار، وكثر ما يرتفع به من الأرض من العفونة، واستحكم عند ذلك وجود العفن تزايدت الأمراض. ولولا إلف أهل مصر لهذه الأشياء لكان ما يحدث فيهم من الأمراض أكثر من ذلك.
ثم يدخل فصل الشتاء، وطبيعته باردة رطبة من النصف الآخر من هاتور ثم
كيهك «1» وطوبة، وذلك عند ما تكون الشمس في القوس والجدي، وبعض الدلو وذلك أقل من ثلاثة أشهر والعلة في ذلك قوّة حرارة أرض مصر، وكون الأبدان مضطربة، وتنكشف الأرض في أوّل هذا الفصل وتحرث وتعفن بالجملة لكثرة ما يلقي فيها من البزور وما فيها من أزبال الحيوان، وفضولها ولأنها سخيفة. وهي كالحمأة في هذا الزمان فيتولد فيها من أنواع الفار والدود والنبات والعشب وغير ذلك ما لا يحصى كثرة. وينحل منها في الجوّ أبخرة كثيرة حتى يصير الضباب بالغدوات ساترا للأبصار عن الألوان القريبة، ويصاد أيضا من الأسماك المحبوسة في المياه المخزونة شيء كثير، وقد داخلها العفن لقلة حركتها فيولد أكلها في الأبدان فضولا كثيرة لزجة شديدة الاستعداد للعفن فتقوي الأمراض في أوّل هذا الفصل. حتى إذا اشتدّ البرد، وقوي الهضم في الأبدان، واستقرّ الهواء على شيء واحد، وعادت الحرارة الغريزية إلى داخل، وتطبقت الأرض بالنبات، وسكنت عفونتها صحت عند ذلك الأبدان. وهذا يكون في آخر كيهك أو في طوبة فقد استبان أن الفصول بأرض مصر كثيرة الاختلاف وإن أردأ أوقات السنة عندهم وأكثرها أمراضا هو آخر الخريف وأوّل الشتاء وذلك في شهر هاتور وكيهك، فإذا اختلاف الفصول مشاكل لما عليه أرضهم من الرداءة.
فمضرة الفصول إذا بالأبدان في أرض مصر أقل منها في البلدان الأخر إذا اختلفت هذا الاختلاف، واستبان أيضا أن السبب الأول في ذلك هو: مدّ النيل في أيام الصيف، وتطبيقه الأرض في أيام الخريف بخلاف ما عليه مياه الأنهار في العمارة كلها فإنها إنما تمتدّ في أخص الأوقات بالرطوبة وهو الشتاء والربيع.
قال: وقد استبان مما تقدم أن الرطوبة الفضيلة بأرض مصر كثيرة وظاهر أن أمراضهم البلدية تكون من نوع هذه الرطوبة. فإني أنا قلما رأيت أمراضهم البلدية تكون من نوع هذه كلها لا يشوبها في أول أمرها البلغم والخلط الخام. والأمراض كلها تحدث عندهم في الأوقات كلها كما قال أبقراط، وأكثر أمراضهم هي الفضيلة، أعني العفنة من أخلاط صفراوية وبلغمية على ما يشاكل كل مزاج أرضهم.
وما ذكرناه فيما تقدّم يوجب حدوث الأمراض كثيرا إلا أن مشاكلة هذه بعضها بعضا واتفاقها في سنة واحدة تمنع من أن تكون في أنفسها ممرضة متى لزمت العادة فأما إذا خرجت عن عادتها فهي تحدث مرضا. وخروجها عن عادتها بمصر هو الذي أعدّه اختلافا ممرضا لا الاختلاف الموجود فيها على الدائم، والنيل ليس يحدث في الأبدان كل سنة مرضا، ولكنه إذا أفرطت زيادته ودام مدّة تزيد على العادة كان ذلك سببا لحدوث المرض الوافد. فإن قيل: إذا كانت أبدان الناس بأرض مصر من السخافة على ما ذكرت فلعلها في مرض دائم. فالجواب: لسنا نبالي بهذا كيف كان، لأن المرض هو ما يضرّ بالفعل ضررا
محسوسا من غير توسط. فمن أجل ذلك ليس أبدان المصريين في مرض دائم ولكنها كثيرة الاستعداد نحو الأمراض. قال: أما أمراض مصر البلدية فقد ذكرنا من أمرها ما فيه كفاية وظهر أن أكثرها الأمراض الفضيلة التي يشوبها صفراء وخام على أن باقي الأمراض تحدث عندهم بسرعة، وقرب وخاصة في آخر الخريف وأوّل الشتاء.
وأما الأمراض الوافدة: ومعنى المرض الوافد: هو ما يعمّ خلقا كثيرا في بلد واحد وزمان واحد ومنه نوع يقال له: الموتان؛ وهو الذي يكثر معه الموت، وحدوث الأمراض الوافدة تكون عن أسباب كثيرة يجتمع في أجناس أربعة وهي تغير كيفية الهواء، وتغير كيفية الماء، وتغير كيفية الأغذية، وتغير كيفية الأحداث النفسانية. فالهواء تغير كيفيته على ضربين: أحدهما تغيره الذي جرت به العادة، وهذا لا يحث مرضا وافدا، وليس تغيرا ممرضا. والثاني: التغير الخارج عن مجرى العادة وهذا هو الذي يحدث المرض الوافد.
وكذلك الحال في الأجناس الباقية وخروج تغير الهواء عن عادته يكون: إما بأن يسخن أكثر، أو يبرد أو يرطب، أو يجفف أو يخالطه حال عفنة، والحالة العفنة إما أن تكون قريبة أو بعيدة. فإن أبقراط وجالينوس يقولان: إنه ليس يمنع مانع من أن يحدث ببلد اليونانيين مرض وافد عن عفونة اجتمعت في بلاد الحبشة، وتراقت إلى الجوّ وانحدرت على اليونانيين، فأحدثت فيهم المرض الوافد.
وقد يتغير أيضا مزاج الهواء عن العادة بأن يصل وفد كثير قد أنهك أبدانهم طول السفر، وساءت أخلاطهم فيخالط الهواء منها شيء كثير، ويقع الأعداء في الناس، ويظهر المرض الوافد. والماء ضا قد يحدث المرض الوافد إما بأن يفرط مقداره في الزيادة أو النقصان، أو يخالطه حال عفنة ويضطرّ الناس إلى شربه، ويعفن به أيضا الهواء المحيط بأبدانهم، وهذه الحال تخالطه إما قريبا أو بعيدا بمنزلة ما يمرّ في جريانه بموضع خرب قد اجتمع فيه من جيف الموتى شيء كثير، أو بمياه تقاطع عفنة فيحذرها معه ويخالط جسمه، والأغذية تحدث المرض الوافد. إما إذا لحقها اليرقان، وارتفعت أسعارها، واضطرّ الناس إلى أكلها، وإما إذا أكثر الناس منها في وقت واحد، كالذي يكون في الأعياد فيكثر فيهم التخم، ويمرضون مرضا متشابها. وإما من قبيل فساد مرعى الحيوان الذي يؤكل، أو فساد الماء الذي يشرب، والأحداث النفسانية تحدث المرض الوافد متى حدث في الناس خوف عام من بعض الملوك فيطول سفرهم وتفكرهم في الخلاص منه، وفي وقوع البلاء، فيسوء هضمهم وتتغير حرارتهم الغريزية. وربما اضطروا إلى حركة عنيفة في هذه الحال، أو يتوقعوا قحط بعض السنين فيكثرون الحركة والاجتهاد في ادّخار الأشياء، ويشتد غمهم بما سيحدث. فجميع هذه الأشياء تحدث في أبدان الناس المرض الوافد متى كان المتعرض لها خلق كثير في بلد واحد ووقت واحد. وظاهر أنه إذا كثر في وقت واحد المرضى بمدينة واحدة؛ ارتفع من أبدانهم بخار كثير فيتغير مزاج الهواء فإذا صادف بدنا مستعدّا أمرضه، وإن
كان صاحبه لم يتعرّض لما يتعرّض إليه الناس.
فالأمراض الوافدة بمصر تحدث إما عن فساد لم تجر به العادة يعرض للهواء سواء كان مادّة فساده من أرض مصر، أو من البلاد التي تجاورها كالسودان والحجاز والشام وبرقة، أو يعرض للنيل بأن تفرط زيادته، فتكثر زيادة الرطوبة والعفن، أو تقل زيادته جدّا فيجف الهواء عن مقدار العادة، ويضطرّ الناس إلى شرب مياه رديئة أو يخالطه عفونة تحدث عن جرب يكون بأرض مصر أو ببلاد السودان أو غيرها يموت فيها خلق كثير، ويرتفع بخار جيفهم في الهواء فيعفنه، ويتصل عفنه إليهم، أو يسيل الماء، ويحمل معه العفن، أو يغلو السعر أو يلحق الغلات آفة، أو يدخل على الكباش ونحوها مضرة أو يحلق الناس خوف عام أو قنوط. وكل واحد من هذه الأسباب يحدث في أرض مصر مرضا وافدا يكون قوّته بمقدار قوّة السبب المحدث له وإن كان أكثر من سبب واحد كان ذلك المرض أشدّ وأقوى وأسرع في القتل.
قال: فمزاج أرض مصر حار رطب بالرطوبة الفضلية، وما قرب من الجنوب بأرض مصر كان أسخن، وأقل عفنا في ماء النيل مما كان منها في الشمال، ولا سيما من كان في شمال الفسطاط. مثل أهل البشمور فإن طباعهم أغلظ، والبله عليهم أغلب، وذلك أنهم يستعملون أغذية غليظة جدّا ويشربون من الماء الرديء.
وأما إسكندرية وتنيس وأمثال هذه، فقربها من البحر، وسكون الحرارة، والبرد عنهم، وظهور الصبا فيهم مما يصلح أمرهم، ويرق طباعهم، ويرفع هممهم ولا يعرض لهم ما يعرض لأهل البشمور من غلظ الطبع، والجمادية وإحاطة البحر بمدينة تنيس، توجب غلبة الرطوبة عليها وما يسر أخلاق أهلها قال: إنه لما كانت أرض مصر، وجميع ما فيها سخيفة الأجسام سريعا إليها التغير، والعفن وجب على الطبيب أن يختار من الأغذية، والأدوية ما كان قريب العهد حديثا. لأنّ قوّته بعد باقية عليه، لم تتغير كل التغير، وأن يجعل علاجه ملائما لما عليه الأبدان بأرض مصر، ويجتهد في أن يجعل ذلك إلى الجهة المضادة أميل قليلا، ويتجنب الأدوية القوية الإسهال، وكل ما له قوّة مفرطة. وإن نكاية هذه الأبدان سريعة. سيما وأبدان المصريين سريعة الوقوع في النكايات، ويختار ما يكون من الأدوية المسهلة، وغيرها ألين قوّة حتى لا يكون على طبيعة المصريين منها كلفة، ولا يلحق أبدانهم مضرّة، ولا يقدم على الأدوية الموجودة في كتب أطباء اليونانيين والفرس. فإن أكثرها عملت لأبدان قويّة البنية عظيمة الأخلاط، وهذه الأشياء قلما توجد بمصر.
فلذلك يجب، على الطبيب أن يتوقف في إعطاء هذه الأدوية للمرضى، ويختار ألينها وينقص عن مقدار شرباتها ويبدل كثيرا منها بما يقوم مقامه، ويكون ألين منه، فيتخذ السكنجبين السكريّ في مقام العسلي، والجلاب بدلا من ماء العسل. واعلم أن هواء مصر
يعمل في المعجونات، وسائر الأدوية ضعفا في قوتها فأعمار الأدوية المفردة والمركبة المعجون منها، وغير المعجون بمصر أقصر من أعمارها في غير مصر. فيحتاج الطبيب بمصر إلى تقدير ذلك وتمييزه حتى لا يشتبه عليه شيء مما يحتاج إليه. وإذا لم يكتف في تنقية البدن بالدواء المسهل دفعة واحدة، فلا بأس بإعادته بعد أيام، فإن ذلك أحمد من إيراد الدواء الشديد القوّة في دفعة واحدة. قال: ولكون أرض مصر تولد في الأجسام سخافة، وسرعة قبول للمرض وجب أن تكون الأبدان على الهيئة الفاضلة بأرض مصر قليلة جدا.
فأما الأبدان الباقية فكثيرة وأن تكون الصحة التامّة عندهم على الأمر الأكثر في القريبة من الهيئة الفاضلة، والطريق الأولى التي تدبر بها الأبدان في الهيئة الفاضلة يحتاج فيها بأرض مصر إلى أن يدبر الهواء، والغذاء والماء وسائر الأشياء تدبيرا يصير به في غاية الاعتدال.
ولأنّ الهضم كثيرا ما يسوء بأرض مصر. وكذلك الروح الحيواني، فيجب صرف العناية إلى مراعاة أمر القلب والدماغ والكبد والمعدة والعروق وسائر الأعضاء الباطنة في تجويد الهضم، وإصلاح أمر الروح الحيواني وتنظيف الأوساخ الأححة.
وقال في شرح كتاب الأربع لبطليموس: وأما سائر أجزاء الربع الذي يميل إلى وسط جميع الأرض المسكونة أعني بلاد برقة، وسواحل البحر من مريوط إلى الإسكندرية ورشيد ودمياط وتنيس والفرما، وأسفل الأرض بمصر، ونواحي مدينة منف ومدينة الفسطاط، وما يلي شرقي النيل من صعيد مصر والفيوم إلى أعلى الصعيد مما في غرب النيل وأرض الواحات، وأرض النوبة والبجة والأرض التي على البحر في شرقي بلاد النوبة، والحبشة.
فإن هذه البلاد موضوعة في الزاوية التي تؤثر في جميع الربع الموضوع فيما بين الدبور والجنوب. وهي من جملة النصف الغربي من الربع المعمور والكواكب الخمسة المتحيرة تشترك في تدبيرها. فصار أهلها محبين لله، ويعظمون الجنّ، ويحبون النوح، ويدفنون موتاهم في الأرض، ويخفونهم ويستعملون سننا مختلفة، وعادات وآراء شتى لميلهم إلى الأسرار التي تدعو كل طائفة منهم إلى أمر من الأمور الخفية، فيعتقده ويوافقه جماعة ومن أجل هذه الأسرار كان المستخرج للعلوم الدقيقة، كالهندسة والنجوم وغيرها في الزمان الأول أهل مصر، ومنهم تفرقت في العالم وإذا ساسهم غيرهم كانوا أذلّاء. والغالب عليهم الجبن والاستحذاء في الكلام وإذا ساسوا غيرهم كانت أنفسهم طيبة، وهممهم كثيرة، ورجالهم يتخذون نساء كثيرة، وكذلك نساؤهم يتخذن عدة رجال. وهم منهمكون في الجماع، ورجالهم كثيرو النسل، ونساؤهم سريعات الحمل، وكثير من ذكرانهم تكون أنفسهم ضعيفة مؤنثة.
وقال أبو الصلت: وأما سكان أرض مصر فأخلاط من الناس مختلفوا الأصناف والأجناس من قبط وروم وعرب وأكراد وديلم وحبشان، وغير ذلك من الأصناف إلا أن جمهورهم قبط قالوا: والسبب في اختلاطهم تداول المالكين لها، والمتغلبين عليها من
العمالقة واليونانيين والروم، وغيرهم. فلهذا اختلطت أنسابهم، واقتصروا من التعريف بأنفسهم على الإشارة إلى مواضعهم، والانتماء إلى مساقطهم فيها.
وحكى أنهم كانوا في الزمن السالف عباد أصنام ومدبري هياكل إلى أن ظهر دين النصرانية، وغلب على أرض مصر. فتنصروا وبقوا على ذلك إلى أن فتحها المسلمون، فأسلم بعضهم، وبقي بعضهم على دين النصرانية.
وأما أخلاقهم فالغالب عليها اتباع الشهوات والانهماك في اللذات والاشتغال بالترهات والتصديق بالمحالات وضعف المرائر والعزمات، ولهم خبرة بالكيد والمكر، وفيهم بالفطرة قوّة عليه وتلطف فيه وهداية إليه لما في أخلاقهم من الملق والبشاشة التي أربوا فيها على من تقدّم وتأخر. وخصوا بالإفراط فيها دون جميع الأمم. حتى صار أمرهم في ذلك مشهورا والمثل بهم مضروبا وفي خبثهم ومكرهم يقول أبو نواس:
محضتكم يا أهل مصر نصيحتي
…
ألا فخذوا من ناصح بنصيب
رماكم أمير المؤمنين بحية
…
أكول لحيات البلاد شروب
فإن يك باق أفك فرعون فيكم
…
فإن عصا موسى بكف خصيب
قال مؤلفه رحمه الله تعالى: وقد مرّ لي قديما أن منطقة الجوزاء تسامت رؤوس أهل مصر. فلذلك يتحدّثون بالأشياء قبل كونها، ويخبرون بما يكون وينذرون بالأمور المستقبلة. ولهم في هذا الباب أخبار مشهورة.
قال ابن الطوير: وقد ذكر استيلاء الفرنج على مدينة صور، فعاد الحفظ والحراسة على مدينة عسقلان فما زالت محمية بالأبدال المجرّدة إليها من العساكر والأساطيل. والدولة تضعف أوّلا فأوّلا باختلاف الآراء فثقلت على الأجناد وكبر أمرها عندهم، واشتغلوا عنها فضايقها الفرنج حتى أخذوها في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ولقد سمعت رجلا قبل ذلك بسنين يحدّث بهذه الأمور ويقول في سنة ثمان تؤخذ عسقلان بالأمان.
ومن هذا الباب واقعة الكنائس التي للنصارى، وذلك أنه لما كان يوم الجمعة تاسع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وسبعمائة؛ والناس في صلاة الجمعة كأنما نودي في إقليم مصر كله من قوص إلى الإسكندرية بهدم الكنائس. فهدم في تلك الساعة بهذه المسافة الكبيرة عدد كثير من الكنائس كما ذكر في موضعه من هذا الكتاب، عند ذكر كنائس النصارى.
ومن هذا الباب واقعة ألدمر وذلك: أنه خرج الأمير ألدمر «1» أمير جندار يريد الحج
من القاهرة في سنة ثلاثين وسبعمائة؛ وكانت فتنة بمكة قتل فيها ألدمر يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة فأشيع في هذا اليوم بعينه في القاهرة ومصر وقلعة الجبل بأنّ وقعة كانت بمكة قتل فيها ألدمر فطار هذا الخبر في ريف مصر واشتهر، فلم يكترث الملك الناصر محمد بن قلاوون «1» بهذا الخبر. فلما قدم المبشرون على العادة أخبروا بالواقعة. وقتل الأمير سيف الدين ألدمر في ذلك اليوم الذي كانت الإشاعة فيه بالقاهرة. قال جامع السيرة الناصرية:
كنت مع الأمير علم الدين الخازن في الغربية وقد خرج إليها كاشفا، فلما صليت أنا وهو صلاة الجمعة، وعدنا إلى البيت قدم بعض غلمانه من القاهرة فأخبرنا أنه أشيع بأن فتنة كانت بمكة، قتل فيها جماعة من الأجناد، وقتل فيها الأمير ألدمر أمير جندار. فقال له الأمير علم الدين: هل حضر أحد من الحجاز بهذا الخبر؟ قال: لا، فقال: ويحك، الناس ما تحضر من منى بمكة إلا ثالث يوم بعد عيد النحر، فكيف سمعتم هذا الخبر الذي لا يسمعه عاقل؟
فقال: قد استفيض ذلك وكان الأمر كما أشيع.
ووقع لي في شهر رمضان من شهور سنة إحدى وتسعين وسبعمائة؛ أني مررت في الشارع بين القصرين بالقاهرة بعد العتمة فإذا العامّة تتحدّث بأن الملك الظاهر «2» برقوق خرج من سجنه بالكرك واجتمع عليه الناس فضبطت ذلك، فكان اليوم الذي خرج فيه من السجن وفي هذا الباب من هذا كثير.
ومن أخلاق أهل مصر: قلة الغيرة وكفاك ما قصه الله سبحانه وتعالى من خبر يوسف عليه السلام ومراودة امرأة العزيز له عن نفسه، وشهادة شاهد من أهلها عليها بما بيّن لزوجها منها السوء، فلم يعاقبها على ذلك بسوى قوله: اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ
[يوسف/ 29] .
وقال ابن عبد الحكم: وكان نساء أهل مصر حين غرق من غرق منهم، مع فرعون ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبروا عن الرجال فطفقت المرأة تعتق عبدها، وتتزوّجه. وتتزوّج الأخرى أجيرها وشرطن على الرجال أن لا يفعلوا شيئا إلا بإذنهنّ، فأجابوهنّ إلى ذلك.
فكان أمر النساء على الرجال.
فحدّثني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب: أن نساء القبط على ذلك إلى اليوم إتباعا
لمن مضى منهم لا يبيع أحدهم ولا يشتري إلا قال: استأمر امرأتي. وقال: إن فرعون لما غرق ومعه أشراف مصر. لم يبق من الرجال من يصلح للمملكة، فعدّ الناس في مراتبهم بنت الملك؛ ملكة وبنت الوزير وزيرة وبنت الوالي وبنت الحاكم على هذا الحكم، وكذلك بنات القوّاد، والأجناد فاستولت النساء على المملكة مدّة سنين وتزوّجن بالعبيد واشترطن عليهم أن الحكم والتصرف لهنّ. فاستمرّ ذلك مدّة من الزمان، ولهذا صارت ألوان أهل مصر سمرا من أجل أنهم أولاد العبيد السود الذين نكحوا نساء القبط بعد الغرق، واستولدوهنّ؟!. وأخبرني الأمير الفاضل الثقة ناصر الدين محمد بن محمد بن الغرابيلي الكركيّ رحمه الله تعالى: أنه مذ سكن مصر يجد من نفسه رياضة في أخلاقه وترخصا لأهله ولينا ورقة طبع من قلة الغيرة، ومما لم نزل نسمعه دائما بين الناس إن شرب ماء النيل ينسي الغريب وطنه.
ومن أخلاق أهل مصر الإعراض عن النظر في العواقب فلا تجدهم يدّخرون عندهم زادا كما هي عادة غيرهم من سكان البلدان بل يتناولون أغذية كل يوم من الأسواق بكرة وعشيا.
ومن أخلاقهم: الانهماك في الشهوات والإمعان من الملاذ وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة قال لي شيخنا الأستاذ أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله تعالى: أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب. وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلدان، وأخلاق سكانها فقال: إن الله تعالى لما خلق الأشياء جعل كل شيء لشيء فقال العقل: أنا لاحق بالشام، فقالت الفتنة: وأنا معك، وقال الخصب: أنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك، وقال الشقاء: أنا لاحق بالبادية، فقالت الصحة: وأنا معك.
ويقال: لما خلق الله الخلق خلق معهم عشرة أخلاق: الإيمان والحياء والنجدة والفتنة والكبر والنفاق والغنى والفقر والذل والشقاء، فقال الإيمان: أنا لاحق باليمن، فقال الحياء:
وأنا معك. وقالت النجدة: أنا لا حقة بالشام، فقالت الفتنة: وأنا معك. وقال الكبر: أنا لاحق بالعراق، فقال النفاق: وأنا معك. وقال الغنى: أنا لاحق بمصر، فقال الذل: وأنا معك. وقال الفقر: أنا لاحق بالبادية، فقال الشقاء: وأنا معك.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: المكر عشرة أجزاء. تسعة منها في القبط وواحد في سائر الناس. ويقال: أربعة لا تعرف في أربعة: السخاء في الروم، والوفاء في الترك، والشجاعة في القبط، والعمر في الزنج.
ووصف ابن العربية «1» أهل مصر فقال: عبيد لمن غلب. أكيس الناس صغارا،
وأجلهم كبارا. وقال المسعودي: لما فتح عمر بن الخطاب رضي الله عنه البلاد على المسلمين من العراق والشام ومصر، وغير ذلك، كتب إلى حكيم من حكماء العصر: إنا لناس عرب قد فتح الله علينا البلاد، ونريد أن نتبوّأ الأرض، ونسكن البلاد، والأمصار.
فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها وما تؤثره الترب والأهوية في سكانها. فكتب إليه: وأما أرض مصر؛ فأرض قوراء غوراء ديار الفراعنة، ومساكن الجبابرة ذمّها أكثر من مدحها، هواؤها كدر، وحرّها زائد، وشرّها مائد تكدر الألوان والفطن وتركب الإحن وهي معدن الذهب والجوهر، ومغارس الغلات. غير أنها تسمن الأبدان وتسودّ الإنسان وتنمو فيها الأعمار وفي أهلها مكر ورياء وخبث ودهاء وخديعة. وهي بلدة مكسب ليست بلدة مسكن لترادف فتنها واتصال شرورها.
وقال عمر بن شبه: ذكر ابن عبيدة في كتاب أخبار البصرة عن كعب الأحبار: خير نساء على وجه الأرض: نساء أهل البصرة إلا ما ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم من نساء قريش، وشرّ نساء على وجه الأرض: نساء أهل مصر.
وقال عبد الله بن عمرو: لما أهبط إبليس، وضع قدمه بالبصرة، وفرخ بمصر. وقال كعب الأحبار: ومصر أرض نجسة كالمرأة العاذل يطهرها النيل كل عام.
وقال معاوية بن أبي سفيان: وجدت أهل مصر ثلاثة أصناف: فثلث ناس، وثلث يشبه الناس، وثلث لا ناس. فأما الثلث الذين هم الناس: فالعرب، والثلث الذين يشبهون الناس: فالموالي، والثلث الذين لا ناس: المسالمة- يعني القبط-.