المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌2 - الحضارة والترف والملاهى - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٤

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌العصر العباسى الثانى

- ‌الفصل الأوّل:الحياة السياسية

- ‌1 - استيلاء الترك على مقاليد الحكم

- ‌2 - تدهور الخلافة

- ‌3 - ثورة الزنج

- ‌4 - ثورة القرامطة

- ‌5 - أحداث مختلفة

- ‌الفصل الثّانى:الحياة الاجتماعية

- ‌1 - طبقات المجتمع

- ‌2 - الحضارة والترف والملاهى

- ‌3 - الرقيق والجوارى والغناء

- ‌4 - المجون والشعوبية والزندقة

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثالث:الحياة العقلية

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل: نقل ومشاركة وتفلسف

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه

- ‌5 - الاعتزال وانبثاق المذهب الأشعرى

- ‌الفصل الرّابع:نشاط الشعر

- ‌1 - علم الشعراء بأسرار العربية

- ‌2 - ذخائر عقلية خصبة

- ‌3 - التجديد فى الموضوعات القديمة

- ‌4 - نمو الموضوعات الجديدة

- ‌5 - نمو الشعر التعليمى

- ‌الفصل الخامس:أعلام للشعراء

- ‌1 - على بن الجهم

- ‌2 - البحترى

- ‌3 - ابن الرومى

- ‌4 - ابن المعتز

- ‌5 - الصنوبرى

- ‌الفصل السّادس:شعراء السياسة والمديح والهجاء

- ‌1 - شعراء الخلفاء العباسيين

- ‌مروان بن أبى الجنوب أبو السمط

- ‌أبو بكر الصولى

- ‌2 - شعراء الشيعة

- ‌ محمد بن صالح العلوى

- ‌الحمّانى العلوىّ

- ‌المقجّع البصرىّ

- ‌3 - شعراء الثورات السياسية

- ‌ محمد بن البعيث

- ‌4 - شعراء الوزراء والولاة والقواد

- ‌ أبو على البصير

- ‌ أحمد بن أبى طاهر

- ‌ ابن دريد

- ‌5 - شعراء الهجاء

- ‌ الصّيمرى

- ‌الحمدونى

- ‌ابن بسام

- ‌الفصل السّابع:طوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل وشاعراته

- ‌فضل

- ‌2 - شعراء اللهو والمجون

- ‌ الحسين بن الضحاك

- ‌3 - شعراء الزهد والتصوف

- ‌ الحلاّج

- ‌الشبلىّ

- ‌4 - شعراء الطرد والصيد

- ‌5 - شعراء شعبيون

- ‌جحظة

- ‌الخبز أرزىّ

- ‌الفصل الثامن:نشاط النثر

- ‌1 - تطور النثر

- ‌2 - الخطابة والمواعظ والنثر الصوفى

- ‌3 - المناظرات

- ‌4 - الرسائل الديوانية

- ‌5 - الرسائل الإخوانية والأدبية

- ‌الفصل التّاسع:أعلام الكتاب

- ‌2 - الجاحظ

- ‌3 - ابن قتيبة

- ‌4 - سعيد بن حميد

- ‌5 - أبو العباس بن ثوابة

- ‌خاتمة

الفصل: ‌2 - الحضارة والترف والملاهى

‌2 - الحضارة والترف والملاهى

رأينا تفنّن الخلفاء والوزراء فى بناء القصور، حتى ليشبه بعضها مدنا صغرى تمتلئ بالأبنية والأفنية والأساطين والقباب والبساتين والجداول والبرك والنافورات، مع التأنق فى أبوابها ونوافذها وشرفاتها وزخرفة حيطانها بالنقوش والصور وتعليق الستائر الحريرية عليها، ومع ما يموج فيها من البسط والسجاجيد والطنافس والمناضد والتحف المرصعة بالجواهر.

وقد افتتح العصر بالمتوكل وقصوره الباذخة التى كلفت الدولة ملايين الدنانير، ويكفى لتصور ما كان فى عصره من بذخ وترف شديد أن نروى ما قصّه الرواة عن حفله الذى أقامه بمناسبة إعذار (ختان) ابنه المعتز، فقد أمر وزيره الفتح بن خاقان أن يلتمس فى خزائن الفرش بساطا لإيوان قصر البركوار الذى أقام فيه الإعذار، وأن يكون فى طوله وعرضه، وكان طوله مائة ذراع وعرضه خمسين، ووجد طلبته: بساطا مذهبا مبطنا، يقال إن التجار قوّموه بعشرة آلاف دينار.

وبسط فى الإيوان ووضع للمتوكل فى صدره سرير، مدّ بين يديه أربعة آلاف مرفع (كرسى) مذهبة مرصعة بالجواهر وعليها تماثيل العنبر والندّ والكافور. ومدّت الموائد وتغدّى المتوكل والناس. وجلس على السرير، وأحضر الأمراء والقواد والندماء فأجلسوا على مراتبهم، وجئ بأوعية مملوءة دراهم ودنانير نصفين، صبّت فيها حتى ارتفعت. ووزّع الغلمان الشراب، ودعوا كل من يشرب إلى أن يأخذ ثلاث حفنات أو ما حملت يداه من ذلك المال. وكان الناس يجمعونه فى أكمامهم الواسعة ويخرجون إلى غلمانهم فيدفعونه إليهم ويعودون إلى مجالسهم. وكلما خلا وعاء مما فيه أتى الفراشون بما يملؤه من الدنانير والدراهم حتى يعود كما كان. وخلع على سائر

ص: 67

من حضر ثلاث خلع، وحملوا عند انصرافهم من الحفل على الخيل المطهمّة، وأعتق المتوكل ألف رقبة، وأمر لكل عتيق بمائة درهم وثلاثة أثواب. وكان فى صحن الدار بين يدى الإيوان أربعمائة جارية بين أيديهن أطباق الفواكه من كل صنف، وخمسة آلاف باقة نرجس، وعشرة آلاف باقة بنفسح. ترف لا يماثله ترف! . ونثر المتوكل على هؤلاء الجوارى وخدم الدار والحاشية عشرين مليون درهم، ونثرت زوجه قبيحة أم المعتز مليون درهم على المزين ومن كانوا فى جانبه من الغلمان وبعض الجنود وقهارمة الدار والخدم الخاصة من البيضان والسودان.

مال ينفق ويبعثر بدون حساب، وكأنما أمسك به سفهاء، لا يعرفون حقوقا لرعية ولا يقدرون مسئولية. وحضر الحفل كثير من الندماء فى مقدمتهم ابن حمدون وابن المنجم، وكثير من الشعراء فى مقدمتهم الحسين بن الضحاك وعلى ابن الجهم، وكثير من المغنين فى مقدمتهم عمرو بن بانة وابن المكى وعثعث وسليمان الطبال وصالح الدفاف وزنام الزامر، وكثير من المغنيات فى مقدمتهن عريب وبدعة جاريتها وشارية وجواريها. ويقال إنه أنفق على هذا الإعذار أو الختان ستة وثمانون مليونا من الدراهم (1). سفه ما بعده سفه!

وعلى هذا النحو كانت ملايين الدنانير والدراهم تنفق بدون حساب وبدون أى رقابة فى حفلات القصر، وهى حفلات أمدّت القصص فى كتاب ألف ليلة وليلة بكل ما يقع فى الخيال الواهم من بذخ وترف لا ضفاف له، وبدلا من أن توجّه هذه الملايين إلى مرافق الشعب وحاجاته أو إلى إعداد الجيوش فى حروب الترك والبيزنطيين كانت تبدّد هذا التبديد الأحمق والشعب يكدح ويشقى ويسيل عرقه مدرارا ويتجرّع غصص البؤس والحرمان ليعبث المتوكل وغير المتوكل بأمواله، فإذا قصور شماء تبنى وينفق فيها الملايين تلو الملايين، وإذا هى تستحيل إلى مقاصف يدور فيها الكاس والطاس وتنشر حمول الذهب والفضة.

ويروى أن المتوكل شرب يوما فى القصر السالف ذكره المسمى بالبركوار، فقال لندمائه، ولم تكن الأيام أيام ورود ورياحين: أرأيتم إن عملنا احتفالا بالورود

(1) الديارات للشابشىّ (الطبعة الثانية) ص 150 وما بعدها.

ص: 68

أو كما نطقه بالفارسية: «شاذكلاه» ، فقالوا له: لا يكون الشاذ كلاه إلا بالورد، وليست الأيام أيام ورد، فقال: ادعوا لى عبيد الله بن يحيى-وكان أحد وزرائه- فحضر، فقال له: اضرب لى دراهم، فى كل درهم حبّتان من الفضة، فسأله:

كم المقدار يا أمير المؤمنين، فأجابه خمسة ملايين درهم، فأمر عبيد الله بضربها، فضربت. وأنبأ المتوكل بضربها، فقال له: اصبغ طائفة منها بالحمرة وطائفة بالصفرة وطائفة بالسواد، واترك طائفة على حالها. فصنع عبيد الله ما أمره به، ثم تقدم المتوكل إلى خدمه وحواشيه-وكانوا سبعمائة-فأمرهم أن يعدّ كل منهم قباء جديدا وقلنسوة بخلاف لون قباء صاحبه وقلنسوته، ففعلوا. ثم تحيّن يوما فيه ريح، فأمر أن تنصب قبّة لها أربعون بابا، فاصطبح فيها والندماء حوله، وعلى الخدم الكسوة الجديدة، وأمر المتوكل بنثر الدراهم كما ينثر الورد، طائفة طائفة، فنثرت تباعا، وكانت الريح تحملها لخفتها، فتتطاير فى الهواء كما يتطاير الورد (1).

وكل هذا من الفراغ ومن الترف المفرط، فإذا الخلفاء ينعمون بالحياة إلى حد السفه والهوس. وطبقات من ورائهم قتّر عليها فى الرزق، فهى تعيش فى ضنك وضيق شديد. ولعل هذا هو السبب فى أن الشعب لم يهتم أى اهتمام بما كان يجرى فى القصر من تحكّم الأتراك فى الخلفاء، كأنهم لا يعنونهم فى شئ. وكل يوم يسمعون بجديد من هوسهم وسفههم، كأن يسمعوا بأن المتوكل حين انتهى من بناء قصره الجعفرى استدعى أصحاب الملاهى، فقدموا له بعض المساخر والملاعب المضحكة، ومنحهم مليونين من الدراهم (2). وبحقّ يقول المسعودى إن النفقات لم تبلغ فى وقت من الأوقات ما بلغته فى أيام المتوكل (3). وكان أكثر أبنائه على غراره من مثل المعتز، وكان يكثر من عقد مجالس الشراب فى قصوره، وهو أول من ركب من الخلفاء بحلية الذهب (4). ولم يتوقف هذا البذخ والترف طوال العصر، ويصور ذلك من بعض الوجوه استقبال المقتدر لرسل ملك الروم سنة 305 للهجرة وقد جاءوا يطلبون عقد هدنة، إذ فرشت قصوره بأجمل الفرش وملئت دار الخلافة

(1) الديارات ص 160.

(2)

طبرى 9/ 212.

(3)

مروج الذهب 4/ 39.

(4)

مروج الذهب 4/ 94.

ص: 69

ودهاليزها وممراتها وصحونها بالجند والسلاح، وابتدأ ذلك من باب الشّمّاسية إلى دار الخلافة، وكان عدد الجند مائة وستين ألفا بالدروع والسلاح ومن تحتهم الخيل بسروج الذهب والفضة، وكان عدد الغلمان سبعة آلاف خادم وسبعمائة حاجب بالبزّة الرائقة والسيوف والمناطق المحلاة. وكان فى دجلة الشذاءات والطيارات والزبازب والشبّارات والزلالات والسّميريّات (سفن شتى) بأفضل زينة وعلى أحسن تعبئة.

وسار رسل ملك الروم ومن معهم من المواكب إلى أن وصلوا إلى دار الخلافة، ودخلوا قصر الجوسق بين بستانين رائعين، ورأوا بركة عجيبة يمدّها جدول وبها أربع طيارات مذهبة مزينة بالدبيقى المطرز، ثم أدخلوا قصر الشجرة، وهى شجرة من الفضة كانت قائمة وسط بركة مدورة، ولها ثمانية عشر غصنا عليها الطيور والعصافير المذهبة والمفضضة تصفر، والشجرة تتمايل وورقها يتحرك على نحو ما تحدث الرياح للأشجار الطبيعية، ثم أدخلوا إلى قصر الفردوس وبه من الفرش ما لا يقوّم، وفى الدهاليز عشرة آلاف درع مذهبة معلقة (1)، مما راع رسل ملك الروم روعة شديدة.

ويقول هلال بن المحسن الصابى جرت العادة أن يكون جلوس الخليفة على كرسى مرتفع فى عرش أرمنى من الحرير أو من الخز وأن يلبس قباء أسود من الإبريسم (الحرير) وعلى رأسه معممة سوداء، ويتقلّد سيف الرسول عليه السلام ويلبس خفّا أحمر ويضع بين يديه مصحف عثمان وعلى كتفيه بردة النبى صلى الله عليه وسلم ويمسك بقضيبه، ويقف الغلمان والخدم من خلف السرير وحواليه متقلدين بالسيوف، وفى أيديهم الطّبرزينات والدّ بابيس (من أسلحة الحروب).

وكان يقوم من وراء السرير وجانبيه خدم صقالبة يذبّون عن الخليفة بالمذابّ المقمّعة بالذهب والفضة، وتمدّ أمامه ستارة ديباج إذا دخل الناس رفعت، وإذا أريد صرفهم مدّت. ورتب فى الدار قريبا من المجلس خدم بأيديهم قسىّ البندق يرمون بها الغربان والطيور لئلا ينعب ناعب أو يصوّت مصوّت. ترف ليس فوقه ترف، حتى أذن الخليفة يحرسونها من أصوات الغربان والطيور! . وكان زىّ الأمراء من أهل البيت العباسى الأقبية السود، ويلبس القضاة الطيالسة

(1) رسوم دار الخلافة للصابى ص 11 وما بعدها والنجوم الزاهرة 3/ 192.

ص: 70

والقلنسوات الضخمة (1). ويلبس الوزراء الأقبية السود وينتطقون بالسيوف وقد يلبسون دراعة وقميصا ومبطّنة وخفّا. (2) وكان السواد هو اللباس الرسمى العام، وكانوا يلبسون فى أرجلهم الجوارب والأحذية السود المشدودة بالزنانير. وفى يوم الموكب كان يحضر حاجب الحجاب بأكمل لباسه من القباء الأسود والعمامة السوداء والسيف والمنطقة، وأمامه الحجاب ونوّابهم، ويجلس فى الدهليز من وراء الستر، ثم يحضر الوزير وقائد الجيش، ويتكامل الناس فيراسل حاجب الحجاب الخليفة، فإذا أذن الإذن العام دخل وحده حتى يقف فى الصحن ويقبل الأرض، ثم يؤذن له بتقديم الناس، فيخرج ويدعو ولىّ العهد إن وجد، وكذلك أولاد الخليفة، إن كان له أولاد، ثم يدخل الوزير، ويمشى الحجاب بين يديه إلى مقربة من العرش، فإذا قرب تأخروا عنه، وتقدم الوزير بعد تقبيل الأرض إلى أن يدنو من الخليفة فإن مدّ يده إليه أخذها وقبّلها وتراجع حتى يقف فى يمين العرش على بعد خمسة أذرع منه، ويدخل بعده قائد الجيش أو أميره فيقبل الأرض ويقف على يسار العرش، ثم يدخل أصحاب الدواوين والكتّاب، ثم القوّاد ونوّاب الحاجب على مراتبهم، ويقفون يمينا وشمالا على رسومهم، ثم ينادى على بنى هاشم والقضاة ومن يلبسون القلانس ويسلمون ويقفون منفردين، ثم يقع الإذن العام فيدخل الجند ويقفون صفّين. وكل ذلك تعقيد أدت إليه الحضارة والترف وأن الناس لا يشتركون فى الحكم ولا يشاطرون فيه. فتحول إلى رسوم وشكليات وآداب لا يعرفها العرب ولا يعرفها الإسلام. وكان للوزراء بالمثل مواكبهم، وكذلك كان للقواد، ويروى أن نازوك أحد قواد المقتدر كان يمشى فى موكبه بين يديه أكثر من خمسمائة فراش بالشموع الموكبية سوى حملة المشاعل (3).

وكان يرافق هذه الأبّهة أبّهة فى المسكن والملبس والمطعم، فكانت الستور الجميلة تعلّق دائما على حيطان المسكن، وكانت تفرش أرض غرفه وممرّاته وصحونه بالبسط والسجاجيد، وتمتد فوقها المقاعد والوسائد والنمارق، وكانت القصور تكتظ بذلك اكتظاظا شديدا، ويصوّر ذلك من بعض الوجوه أن المتوكل حين غضب على عمر بن فرج الرّخّجىّ أحد كبار موظفى الدولة، وصادر أمواله،

(1) رسوم دار الخلافة ص 90.

(2)

كتاب الوزراء للصابى ص 325.

(3)

رسوم دار الخلافة ص 10.

ص: 71

حملت فرش وأمتعة من داره على خمسين بعيرا (1)، فما بالنا بما كان فى قصور الوزراء، فضلا عن الخلفاء، من فرش فخمة. وعلى نحو ما كانوا يهتمون بالفرش كانوا يهتمون بالثياب، حتى كانت صناعتها أهم الصناعات وأرقاها، وكان الصناع يتفنّنون فى صنعها من الخزّ والديباج والحرير. ويروى صاحب الديارات أن المتوكل جلس يوما فى أحد قصوره على عرش من الذهب وعليه ثياب وشى مشقلة، وأمر ألا يدخل عليه أحد إلا فى ثياب وشى مثله (2)، وكان الخدم يقفون بين يديه وعليهم ثياب حمراء مورّدة (3). ويقال إن المستعين هو الذى أحدث لبس الأكمام الواسعة فجعل عرضها ثلاثة أشبار، وصغّر القلانس وكانت طويلة كأقباع القضاة (4).

وكان المعتضد يلبس الثياب الدبيقية الرفيعة التى كانت تصنع بمصر والثياب الحريرية التى كانت تصنع بمدينة تستر وغيرها من المدن الفارسية (5). ويروى أن إسحق بن إبراهيم المصعبى حاكم بغداد لعهد المتوكل أهدى إلى عمرو بن بانة مغنى العصر عشرة أثواب خزّ أقلها قيمة بمائة دينار (6)، وكان خليفته على بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر يتأنّق فى ثيابه، وقيل إنه كان بينها ثوبان من الوشى قيمتهما ألف وخمسمائة دينار (7)، ومرّ بنا أن الراسبى والى إيران كان له مصنع خاص تنسج فيه ثيابه وثياب حواشيه وأصحابه. وكان الشعراء مثلهم مثل المغنين يلبسون الخز والوشى والثياب الحريرية (8). وكانوا يلبسون فى الشتاء الفراء والثياب الصوفية، واشتهر ثوب باسم الممطر كان يصنع من القماش المشمع للوقاية من المطر، ونرى البحترى يسأل إبراهيم بن الحسن بن سهل ثوبا منه (9). ولبسوا الجوارب الصوفية والقطنية والحريرية والأحذية الحمراء (10). ويبدو أن الرجال كانوا يتنافسون فى اقتناء الحجارة الكريمة، إذ نرى نفرا منهم حين تصادر أمواله تصادر بينها جواهر ثمينة تبلغ قيمتها ألوف الدنانير (11). وكانت خزائن الخلفاء تكتظ بالجواهر من كل صنف،

(1) طبرى 9/ 161.

(2)

الديارات ص 161.

(3)

الديارات ص 57.

(4)

مروج الذهب 4/ 94.

(5)

مروج الذهب 4/ 168.

(6)

الديارات ص 44.

(7)

الديارات ص 123.

(8)

البيان والتبيين 3/ 115.

(9)

ديوان البحترى (طبع دار المعارف) 2/ 892.

(10)

تاريخ بغداد 11/ 166 والأغانى 6/ 85.

(11)

طبرى 9/ 161.

ص: 72

ويذكر أنه كان عند المستعين فص ياقوت أحمر اشتراه الرشيد بأربعين ألف دينار (1)، ويروى أن المقتدر طلب الصناديق وأوعيتها المحفوظة بالخزائن، فاختار منها مائة حبة، ونظمها سبحة يسبح بها وعرضت على تجار الجواهر فقوّموا كل حبة منها بمائة ألف دينار أو تزيد (2).

وكان النساء حرائر وجوارى يبالغن فى أناقتهن وزينتهن، فكن يلبسن ثياب السندس والإستبرق والوشى النفيس من كل لون وكن يتجلين بالجواهر من كل صنف: من الذهب والفضة والزمرد والياقوت واللؤلؤ، وكنّ يتخذن منها تيجانا وعقودا وأقراطا وخلاخيل، وكنّ يضعنها بصور مختلفة على عصائبهن ومراوحهن.

ويروى أنه كان لدى قبيحة زوجة المتوكل وأم المعتز ثلاثة أسفاط: سفط مملوء زمردا، وسفط مملوء ياقوتا وسفط مملوء درّا كبيرا، وقوّمت الأسفاط فبلغت قيمتها مليونين من الدنانير. وكان النساء يتخذن أمشاطا من الصدف والصندل (3).

وكن يتفنن فى أوضاع شعورهن على رءوسهن وجباههن، وقد يلوينها على أصداغهن فى هيئة حرف النون أو على هيئة العقرب، وفى ذلك يقول ابن المعتز (4):

لوى صدغه كالنون من تحت طرة

ممسّكة تزهى بعاج جبين

ويقول أيضا (5):

ريم يتيه بحسن صورته

عبث الفتور بلحظ مقلته

وكأن عقرب صدغه وقفت

لما دنت من نار وجنته

وكن يتعطرن بطيب المسك كما أشار إلى ذلك ابن المعتز فى البيت الأول وبطيب الغالية والزعفران والعنبر. ويقال إن عريب المغنية المتوفاة سنة 277 عن سنّ عالية كانت تغسل شعرها من أسبوع إلى أسبوع وتغلفه فى كل غسلة بستين مثقالا من المسك والعنبر (6). ويقول الجاحظ إن المرأة من الطبقة الوسطى حين كانت تهئ ابنتها للزواج كانت تحليها بالذهب والفضة وتكسوها الثياب الحريرية وتغمرها

(1) مروج الذهب 4/ 83.

(2)

طبرى 9/ 395.

(3)

نساء الخلفاء لابن السامى (طبع دار المعارف) ص 106.

(4)

ديوان ابن المعتز (نشر دار صادر ببيروت) ص 440.

(5)

الديوان ص 100.

(6)

أغانى (طبعة الثانى) 18/ 87.

ص: 73

بالطيب العبق (1). وازدهرت حينئذ بفارس صناعة الروائح العطرية من الزهور والورود والرياحين المتنوعة.

وتفننوا فى المطاعم إلى غير حد، تدل على ذلك المصنفات الكثيرة التى ألفت حينئذ فى فن الطبيخ للحارث بن بسخنّر (من المغنين) ولإبراهيم بن العباس الصولى ولعلى بن يحيى المنجم ولجحظة البرمكى وغيرهم على نحو ما يشير إلى ذلك ابن النديم فى كتابه الفهرست (2)، وكان الخلفاء يأكلون فى آنية الذهب والفضة، ويذكر أن المكتفى كانت تقدّم على مائدته عشرة ألوان فى كل يوم سوى صنوف الحلواء (3)، وكان ما يقدم قبل الخليفة القاهر على مائدة الخلفاء من صنوف الطعام والحلواء يقدّر بثلاثين ديارا (4)، ويقال إن ثمن المسك الذى كان ينفق يوميّا فى مطبخه عشرة دنانير (5) فما بالنا بما كان ينفق على الطعام والحلواء والفاكهة. . .

وبالمثل كان الوزراء يسرفون فى الإنفاق على طعامهم وموائدهم، ومرّ بنا أنه كان لحامد بن العباس وزير المقتدر أربعون مائدة يختلف إليها فى كل غداء أفواج من الناس. ويقول الصابى فى كتابه الوزراء إنه كان لابن الفرات مطبخان: مطبخ للخاصة، ومطبخ للعامة، وكان يقدم إلى الأخير يوميّا تسعون رأسا من الغنم وثلاثون جديا غير المئات من الدجاج، وكان الخبّازون وأصحاب الحلواء يعملون ليل نهار. ويصف لنا الصابى مائدته الخاصة به وبأصحابه المقربين، فيقول:

إنه كان يدعو إلى طعامه فى كل يوم تسعة من أصفيائه الكتّاب، وكان بينهم أربعة نصارى: «فكانوا يقعدون من جانبيه وبين يديه، ويقدّم إلى كل واحد منهم طبق فيه أصناف الفاكهة الموجودة فى الوقت من خير شئ، ثم يجعل فى الوسط طبق كبير يشتمل على جميع الأصناف، وكل طبق فيه سكّين يقطع بها صاحبها ما يحتاج إلى قطعه من سفرجل وخوخ وكمثرى، ومعه طست زجاج يرمى فيه بالثفل. فإذا بلغوا من ذلك حاجتهم واستوفوا كفايتهم شيلت الأطباق وقدّمت الطسوت والأباريق، فغسلوا أيديهم، وأحضرت المائدة مغشّاة بدبيقى فوق مكبّة خيازر، ومن تحتها سفرة (مفرش) أدم فاضلة عنها، وحواليها مناديل. . . فإذا

(1) البخلاء (طبعة دار الكاتب المصرى) ص 25.

(2)

الفهرست لابن النديم (الطبعة الثانية للمكتبة التجارية بمصر) ص 454.

(3)

مروج الذهب 4/ 191.

(4)

عريب ص 183.

(5)

كتاب الوزراء ص 352.

ص: 74

وضعت رفعت المكبّة (غطاء الآنية) والأغشية، وأخذ القوم فى الأكل، وابن الفرات يحدّثهم ويؤانسهم ويباسطهم. فلا يزال على ذلك، والألوان توضع وترفع أكثر من ساعتين. ثم ينهضون إلى مجلس فى جانب المجلس الذى كانوا فيه ويغسلون أيديهم، والفرّاشون قيام يصبون الماء عليهم، والخدم وقوف على أيديهم المناديل الدبيقيّة ورطليّات ماء الورد لمسح أيديهم وصبّه على وجوههم» (1) وكأن العباسيين لم يتركوا للمدنية الحديثة شيئا.

وكان فى بيوت الكبراء شرابى يعنى بالشراب وآلته وبالفاكهة والروائح (2)، وكان بجانبه الشوّاء والطبّاخ والخبّاز والخبّاص وهو الذى يصنع الحلوى، وفى كتاب البخلاء للجاحظ وغيره من كتب العصر أسماء أطعمة كثيرة مثل السّكباج، وهو لحم يطبخ بخلّ ويضاف إليه شئ من الزعفران لتطيب رائحته، والمضيرة وهى لحم ممزوج ببعض التوابل، والشبارقات وهى شرائح مشوية من اللحم، والطباهج وهو طعام من لحم وبيض وبصل، والهريسة وهى لحم وماء وسميذ إلى غير ذلك من أطعمة كثيرة. ثم الحلوى من الفطائر والرقاق، ومنها اللوزينج، وكان يتخذ من اللوز والدقيق والفستق ويرشّ بماء الورد، ومنها الفالوذج وهو حلوى من النشا وعسل النحل والسمن، والخشكنان وهو كعك يحشى بالجوز والسكر.

ثم الأشربة ومنها الجلاّب وهو شراب ممزوج بماء الورد، وكانت تقدّم مع الطعام المشهيات ويسمونها النّقل، وكانت تتألف-كما فى عصرنا-من أشياء حرّيفة.

وكتبوا كثيرا عن آداب الطعام نجد ذلك منثورا فى كتاب البخلاء للجاحظ وعيون الأخبار لابن قتيبة وأدب النديم لكشاجم وكتاب الموشى للوشاء، وفيه فصل طريف عن زى الظرفاء فى الطعام.

وكانوا يفصلون وقت الشراب عن وقت الطعام، وفيه يكون السمر، ودائما نجد الندماء، وكان لكل خليفة ندماؤه من العلماء والمنجمين والأطباء ومن يوردون

(1) كتاب الوزراء ص 240.

(2)

كتاب الفرج بعد الشدة التنوخى 2/ 11.

ص: 75

النوادر والفكاهات ومن يعرفون كيف يرضونه فى ساعات صفوه وساعات سخطه، وكانت تغمرهم الصلات السنية على نحو ما يروى عن على بن يحيى المنجم وما قيل من أنه وصله من المتوكل وحده ثلثمائة ألف دينار، وكان نديما ممتازا، فهو شاعر وطبيب وأديب ومضحك وصاحب نوادر. وتخصصت أسرة حمدون بهذه الصناعة، وهى من سلالة حمدويه صاحب الزنادقة فى عصر المهدى، فكان إبراهيم بن حمدون ينادم المعتصم ثم الواثق ولحق عصر المتوكل، وكان ينادم المعتمد منهم أبو محمد بن حمدون، أما أبو عبد الله أحمد بن حمدون فكان ينادم المتوكل وغيره من الخلفاء، ويقال إن المتوكل وصله فى مدة خلافته بثلثمائة وستين ألف دينار وإن المستعين وصله بأكثر مما وصله به المتوكل (1). ونجد فى بلاط المتوكل كثيرين من الندماء، ومنهم أبو العبر وأبو العنبس الصيمرى الذى قلد أمامه البحترى فى إنشاده الشعر تقليدا مضحكا. وكان المعتمد كثير الندماء مثل المتوكل، وفى مروج الذهب حديث دقيق لبعض ندمائه عن آلات الطرب والغناء والرقص، ويقول المسعودى بعقب ذلك:«وللمعتمد مجالسات ومذاكرات ومجالس فى أنواع من الأدب، منها مدح النديم وذكر فضائله» (2)، ولا بد أن يكون كشاجم استفاد فى كتابه «أدب النديم» من ذلك فوائد كثيرة. وكان المعتضد يفرد حجرة للندماء، ليستدعيهم منها، وكان لكل منهم نوبته أو دوره (3).

واشتهر الراضى بأنه كان يوسع فى مجالسه للندماء «ولم يكن ينصرف عنه أحد من ندمائه فى أى يوم إلا بصلة أو خلعة أو طيب، منهم محمد بن يحيى الصولى وواحد من بنى حمدون» (4). وكان للوزراء ندماؤهم، بل كان أيضا لعلية القوم وكبار الموظفين فى الدولة، ويكفى أن نعرف مثلا أن أحمد بن المدبر كان له سبعة ندماء لا يأنس بغيرهم ولا ينبسط إلى سواهم (5)، ومن المؤكد أن وظيفة هؤلاء الندماء هى التى دفعت الجاحظ إلى كتابة مصنفه البخلاء للتسلية والتندير، وكثر من حوله

(1) معجم الأدباء (طبع القاهرة) 2/ 217.

(2)

مروج الذهب 4/ 138.

(3)

تاريخ بغداد 7/ 380.

(4)

مروج الذهب 4/ 244.

(5)

مروج الذهب 4/ 163.

ص: 76

التأليف فى المغفلين وأصحاب النوادر والفكاهات (1).

وكانوا يشغفون-وفى مقدمتهم الخلفاء-بضروب كثيرة من الملاهى، ويقال إن مجالس المتوكل كانت تمتلئ باللعب والهزل (2)، وممن كان يعجب بهم أصحاب السماجة أو كما نقول الآن التمثيل الهزلى، الذين كانوا يقلدون الناس فى حركاتهم وأصواتهم (3). وكان هو وخلفاؤه كثيرا ما يتفرّجون على نطاح الكباش والديكة (4) وتواثب السباع والفيلة. ويحكى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أن المعتز استدعاه، حتى إذا كان بمجلسه أسمعه غناء شارية وزمرزنام، وأراه آلة عملها أحمد بن موسى الخوارزمى من نحاس يرسل فيها الماء فيسمع لها زمر السرناى (آلة من آلات الطرب)، ثم أدخله إلى نافذة رأى منها الفيل والسبع كيف يتواثبان (5). ومن أهم ملاهيهم لعبة الشطرنج، وكان من يحسنها تفتح له أبواب الخلفاء والوزراء والكبراء مثل أبى القاسم التوّزىّ الشطرنجىّ، ومثل محمد بن يحيى الصولى، ويقال إن المكتفى استقدمه حين علم بإحسانه لعبة الشطرنج وجعله يلعب بين يديه مع لاعب آخر كان مشهورا بلعبه هو الماوردى، ولكن الصولى قهره وغلبة (6). ويحدثنا المسعودى بعقب ذكره ذلك عن الشطرنج وكيف أنه كان يلعب على رقعة أدم مربعة حمراء، ويعرض لآلاته وأنواعها واختلاف هيئاتها، فيذكر بجانب الرقعة المربعة السالفة رقعة مستطيلة ورقعة مدوّرة ورقعة نجومية وتسمى الفلكية. ويقول المسعودى إنه استحدثت فى زمانه رقعة للشطرنج تسمى الجوارحية، سمّوا كل بيت من أبياتها باسم جارحة من جوارح الإنسان، ويقول إن للاعبيها وهوانها فنونا من الهزل والنوادر البديعة. وكانوا يقامرون ويراهنون فى لعبة الشطرنج، وكذلك فى لعبة النّرد (الطاولة)، وكانوا يلعبونها عادة على رقعة

(1) الفهرست ص 449.

(2)

مروج الذهب 4/ 4.

(3)

الديارات ص 39.

(4)

مروج الذهب 4/ 103.

(5)

الديارات ص 110 ومعروف أنه كان بدار الخلافة منذ المعتصم حظيرة الحيوان تسمى حير الحيوان. انظر الأغانى (طبعة الساسى) 10/ 130.

(6)

مروج الذهب 4/ 232.

ص: 77

بها أربعة وعشرون منزلا بثلاثين حجرا وفصّين يجرى بهما اللعب كما هو معروف فى عصرنا. وكان إبراهيم بن المدبر وزير المعتمد مشغوفا به وكان ماهرا فيه، فكان يطلب بلعبه القمار وكسب الرهان، ويروى صاحب الديارات أنه ربح من شخص ذات يوم عشرين دينارا (1).

ولعل ملهى لم يشغل الناس كما شغلهم الغناء، وسنعرض لذلك فى موضع آخر، وكثيرا ما كانوا يتجمعون فى تلك الحقب للفرجة على سباق الخيل، حتى كانت أيامه أشبه بأيام الأعياد. وكذلك كان اللعب بالصوالجة على الخيل، حيث تضرب كرة ويتقاذفها الخيّالة والفرسان، وكانت فى دور الخلفاء ميادين خاصة لتلك اللعبة (2)، وكان يلعبها الخلفاء والوزراء والقواد وحواشيهم، ويروى أن عبيد الله بن يحيى ابن خاقان وزير المعتمد دخل ميدانا فى داره يوم جمعة ليضرب الصوالجة مع بعض غلمانه، فركب فرسه، وثقل، فصدمه غلامه رشيق، فسقط عن فرسه ميتا (3). ويصور ابن قتيبة هذه اللعبة والتفوق فيها، فيقول إن الضارب يضرب الكرة بالصولجان خلسة من تحت مخزم الدابّة تلقاء لبّتها، وعليه أن يحسن كفّ الدابّة فى شدة جريانها متوقيا من الصّرعة والصّدمة المفاجئة.

وكانوا يخرجون للصيد والقنص أفواجا، واشتهر غير خليفة بالخروج له ومعه الكلاب والصقور والفهود، وكان من أشد الخلفاء شغفا به المعتضد «وكان كالمعتصم فى أكثر أموره ومآربه وأشبه به من سائر بيته وبنيه من الخلفاء فى محبته لمباشرة الحرب والصيد وما أشبههما، ولم يكن ينفكّ من حرب إلا إلى صيد ولا من صيد إلا إلى حرب، وكان يخرج لصيد الأسد، فيخيمّ عليها حتى لا يبقى منها باقية» (4) وكان ابنه المكتفى مشغوفا مثله بالصيد «وكان أكثر ما يدمنه الصيد بالفهد والعقاب، وهما سبعا الضوارى والجوارح، ويباشر ذلك بنفسه ويمتهنها فيه لشدة الشغف به

(1) كتاب الديارات ص 11.

(2)

كتاب الوزراء ص 138.

(3)

النجوم الزاهرة 3/ 38.

(4)

المصايد والمطارد لكشاجم (طبع بغداد) ص 5.

ص: 78

والارتياح إليه» (1). ومنذ أبى نواس والشعراء يكثرون من النظم فيه بجميع صوره، ويعرض كشاجم آلاته عرضا مفصلا فى كتابه المصايد والمطارد، كما يعرض روائع ما قيل فيه من أراجيز وأشعار كانوا يسمونها الطّرديات. ومن طريف ملاهيهم المهارشة بين القردة والفيلة (2).

وكانت العامة تجد تسليتها المحبّبة عند قصّاص كانوا منتشرين فى طرقات بغداد وكانوا يقصون عليها نوادر الأخبار وغرائبها، ويبدو أنهم كثروا كثرة مفرطة حتى لنرى المعتمد يأمر فى سنة 279 بالنداء فى بغداد ألا يقعد على الطريق ولا فى المسجد الجامع قاصّ ولا صاحب نجوم ولا زاجر (3). وكان اللعب بخيال الظل معروفا حينئذ، وكان يعتمد على الهزل والسخرية والإضحاك (4). وكان هناك كثير من المضحكين الذين يتفننون فى طرق الهزل، وكان كثير منهم يخلط هزله بحكاية لهجات النازلين ببغداد من الأعراب والخراسانيين والزنوج والفرس والهنود والروم أو يحاكون العميان، وكأنما يجمع الحاكى سمات من يحكيه جميعا، وقد بحاكون بعض الدواب وخاصة الحمير (5). ومن أشهر هؤلاء الحكّائين المضحكين لعصر المعتضد ابن المغازلى، وكان يتكلم على الطريق ويقص على الناس أخبارا ونوادر ومضاحك، وكان فى نهاية الحذق لا يستطيع من يراه إلا أن يضحك، وكان لا يدع حكايته لأعرابى أو مكى أو نجدى أو تركى أو نبطى أو زنجى أو سندى إلا حكاها، وكان يخلط ذلك بنوادر تضحك الثكلى، وسمع به المعتضد فأحضره، فما زال يذكر له نوادر وهو متماسك، حتى أخرجه عن طوره ووقاره إلى الضحك، فضرب بيده وفحص الأرض بقدمه، واستلقى من كثرة الضحك وغلبته عليه (6).

(1) المصايد والمطارد ص 7.

(2)

الحيوان 7/ 62.

(3)

طبرى 10/ 8، 54 والنجوم الزاهرة 3/ 80.

(4)

الديارات ص 187 وما بعدها.

(5)

البيان والتبيين 1/ 69.

(6)

مروج الذهب 4/ 163.

ص: 79