المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌4 - ابن المعتز - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٤

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌العصر العباسى الثانى

- ‌الفصل الأوّل:الحياة السياسية

- ‌1 - استيلاء الترك على مقاليد الحكم

- ‌2 - تدهور الخلافة

- ‌3 - ثورة الزنج

- ‌4 - ثورة القرامطة

- ‌5 - أحداث مختلفة

- ‌الفصل الثّانى:الحياة الاجتماعية

- ‌1 - طبقات المجتمع

- ‌2 - الحضارة والترف والملاهى

- ‌3 - الرقيق والجوارى والغناء

- ‌4 - المجون والشعوبية والزندقة

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثالث:الحياة العقلية

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل: نقل ومشاركة وتفلسف

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه

- ‌5 - الاعتزال وانبثاق المذهب الأشعرى

- ‌الفصل الرّابع:نشاط الشعر

- ‌1 - علم الشعراء بأسرار العربية

- ‌2 - ذخائر عقلية خصبة

- ‌3 - التجديد فى الموضوعات القديمة

- ‌4 - نمو الموضوعات الجديدة

- ‌5 - نمو الشعر التعليمى

- ‌الفصل الخامس:أعلام للشعراء

- ‌1 - على بن الجهم

- ‌2 - البحترى

- ‌3 - ابن الرومى

- ‌4 - ابن المعتز

- ‌5 - الصنوبرى

- ‌الفصل السّادس:شعراء السياسة والمديح والهجاء

- ‌1 - شعراء الخلفاء العباسيين

- ‌مروان بن أبى الجنوب أبو السمط

- ‌أبو بكر الصولى

- ‌2 - شعراء الشيعة

- ‌ محمد بن صالح العلوى

- ‌الحمّانى العلوىّ

- ‌المقجّع البصرىّ

- ‌3 - شعراء الثورات السياسية

- ‌ محمد بن البعيث

- ‌4 - شعراء الوزراء والولاة والقواد

- ‌ أبو على البصير

- ‌ أحمد بن أبى طاهر

- ‌ ابن دريد

- ‌5 - شعراء الهجاء

- ‌ الصّيمرى

- ‌الحمدونى

- ‌ابن بسام

- ‌الفصل السّابع:طوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل وشاعراته

- ‌فضل

- ‌2 - شعراء اللهو والمجون

- ‌ الحسين بن الضحاك

- ‌3 - شعراء الزهد والتصوف

- ‌ الحلاّج

- ‌الشبلىّ

- ‌4 - شعراء الطرد والصيد

- ‌5 - شعراء شعبيون

- ‌جحظة

- ‌الخبز أرزىّ

- ‌الفصل الثامن:نشاط النثر

- ‌1 - تطور النثر

- ‌2 - الخطابة والمواعظ والنثر الصوفى

- ‌3 - المناظرات

- ‌4 - الرسائل الديوانية

- ‌5 - الرسائل الإخوانية والأدبية

- ‌الفصل التّاسع:أعلام الكتاب

- ‌2 - الجاحظ

- ‌3 - ابن قتيبة

- ‌4 - سعيد بن حميد

- ‌5 - أبو العباس بن ثوابة

- ‌خاتمة

الفصل: ‌4 - ابن المعتز

هو يضع لبعض الأخلاق الذميمة صورا مجسمة كصورة المتكبر (1) والأكول (2) والثقيل (3)، وبالمثل الأخلاق المحمودة كالصبر والتجلد، وقد مثلنا فى الفصل الماضى لهما بقطعة من شعره.

وكان ابن الرومى لا يعود إلى أشعاره بتنقيح ولا تهذيب، وكان إذا نظم أكثر وامتد نفسه امتدادا بعيدا. فكان طبيعيّا أن يكون فى أشعاره ما يهبط درجات عما حوله، ففيها المصقول وغير المصقول، وفيها ما يرتفع إلى الأفق الأعلى وما يدنو إلى الآفاق الدنيا، بحكم أنه لا يعاود عمله، ويؤكد ذلك ما يروى عن تلميذه أبى عثمان الناجم من أنه رآه ذات مرة قد غضب، فصنع قصيدة طويلة لساعته كلها هجاء، فسأله أين مسوّدتها؟ . فأجابه: هى هذه، فقال له الناجم: ما فيها حرف مصلح، فقال:

قد استوت بديهتى وفكرتى فما أعمل شيئا فأكاد أصلحه. وليس معنى ذلك أنه يوجد فى أشعاره غثّ كثير، فقد تلافى ذلك عنده ما امتاز به من أفكار وأخيلة نادرة، وما كان يحرص عليه من بث الفنون الجديدة فى أشعاره وخاصة الجناس، وكانت له أذن موسيقية رائعة. وكل ذلك حمى الصياغة عنده من الهبوط عن المستوى الرفيع إلا ما كان يريد أن يقترب فيه من الذوق الشعبى، لشعبية كانت متأصلة فى ذات نفسه.

والحق أنه كان شاعرا بارعا، بل لا شك فى أنه أبرع شعراء العصر لما يحفل به ديوانه من الموضوعات والمعانى والأخيلة المبتكرة مما يملأ النفس إعجابا متصلا به وبأشعاره.

‌4 - ابن المعتز

(4)

ولد عبد الله لأبيه المعتز بسامرّاء قبل مقتل جده المتوكل فى سنة 247 للهجرة بأربعين يوما، فلم يكد يستقبل الحياة حتى صرع جده هذا المصرع الخطير،

(1) الديوان ص 95.

(2)

الديوان ص 175.

(3)

الديوان ص 73.

(4)

انظر فى ابن المعتز وحياته وشعره كتاب الأوراق: أشعار أولاد الخلفاء للصولى ص 107 وما بعدها وكتاب الأغانى (طبعة دار الكتب المصرية) 10/ 274 والفهرست ص 174 وتاريخ بغداد 10/ 95 ومروج الذهب 4/ 203 والطبرى 10/ 140 ونزهة الألباء لابن الأنبارى وابن خلكان-

ص: 324

صرعه جنده وقواده الأتراك الذين فسح لهم فى الحكم والسلطان والتسلط، فإذا هم يسفكون دمه غير مراعين عهدا ولا ذمّة. وسرعان ما يتوفّى ابنه المنتصر الذى خلفه، ويصبح الخلفاء لعبة فى أيديهم، فيولّون المستعين ويخلعونه ويقتلونه، ويولّون المعتز (252 - 255 هـ) وكان لا يزال فى نحو العشرين من عمره، وكان جميل الوجه، وكأنما ورث جمال أمه الرومية التى سماها المتوكل قبيحة لجمال صورتها، من أسماء الأضداد، وكان مرهف الحس رقيق الذوق دقيق المشاعر، مما أنطقه بالشعر المصفّى. وكان يعكف على اللهو والصيد، فمجالسه لا تزال غاصة بشارية وعريب وزنام وابن بنان وغير هؤلاء من المغنيات والمغنين، ومواكبه لا تزال ذاهبة آيبة من الصيد. وفى مواضع مختلفة من كتاب الديارات للشابشتى نرى قصفه وشرابه وسماعه للغناء فى قصره وفى بعض الأديرة (1)، ونطلع على جانب من ترفه فى قصريه «الزوّ» و «الكامل» بسامراء، ومرّ بنا وصف البحترى للقصر الأخير وبستانه الممتد أمامه، ولعله نفس البستان الذى كان يزخر بالحيوانات، والذى كان يتسلّى بالفرجة فيه هو وأصدقاؤه على السبع والفيل كيف يتواثبان (2).

وكانت أم عبد الله بدورها من الجوارى، ولعلها كانت أيضا رومية الأصل مثل جدته، فقد كان جميل المحيّا، وورث عن أبيه كل طباعه، فهو مثله جميل السجايا رقيق المشاعر. وكان ذكى القلب صافى العقل، فأضاف إلى ترفه الذى نشأ منغمسا فيه إقبالا متصلا على الدرس منذ نعومة أظفاره، حتى ليلفت ذلك البحترى، وهو لا يزال فى التاسعة من عمره، فيمدحه قائلا (3):

أبا العباس برّزت على قوم

ك آدابا وأخلاقا وتبريزا

فأما حلبة الشعر فتستولى

على السبق بها فرضا وتمييزا

= وفوات الوفيات 1/ 241 ومرآة الجنان لليافعى 2/ 225 وشذرات الذهب 2/ 221 والنجوم الزاهرة 3/ 164 وفى مواضع مختلفة وعبد الله بن المعتز العباسى لمحمد عبد العزيز الكفراوى (طبع مكتبة نهضة مصر) بالقاهرة وديوانه طبعة بيروت، وهى التى ترجع إليها وطبعة القاهرة، وطبع بعض المستشرقين منه جزءين فى إستانبول. وتوجد منه مخطوطة برواية الصولى بدار الكتب المصرية.

(1)

الديارات ص 110، 164.

(2)

الديارات ص 111.

(3)

ديوان البحترى 2/ 1119.

ص: 325

وقد يكون فى ذلك مبالغة على عادة الشعراء فى الديح، لكن على كل حال فى البيتين وقصيدتهما ما يدل بوضوح على أن ابن المعتز كان يكبّ على القراءة وأن موهبة الشعر بدأت تستيقظ فى نفسه فى هذه السنّ الصغيرة. ويبدو أن أباه كان معجبا به إعجابا شديدا مما جعله يضرب باسمه الدنانير. ويسجل ذلك البحترى فى مدحة (1) طويلة له، يصور فيها جمال طلعته وشمائله الكريمة، ثم يقول:

وأبهجنا ضرب الدنانير باسمه

وتقليده من أمرنا ما تقلّدا

وفى الشطر الثانى ما يصور إرهاض البحترى للمعتز بأن يولىّ عبد الله العهد، ومضى يصرّح بذلك ويطالب به ويهتف فى وضوح. ونراه فى قصيدة (2) ثالثة يتشفع لعبد الله بأبيه كى يهب له من إقطاع أقطعه له ضيعة تجاور ضياعه بالشام، وفى ذلك يقول فى قصيدة رابعة (3):

وملّيت عبد الله إنّ سماحه

هو القطر فى إسباله وأخو القطر

شفعت إليه بالإمام وإنما

تشفّعت بالشمس اقتضاء إلى البدر

ولم يلبث الدهر أن قلب ظهر المجن للمعتز وابنه، فإن جند الأتراك طالبوه فى السنة الرابعة من خلافته برواتبهم وكانت خزائن القصر خالية من المال، فاعتذر، ولم يقبلوا عذره، وظلوا يفاوضونه حتى قبلوا أن يدفع إليهم خمسين ألفا، ولكنه لم يجدها، فصمموا على خلعه، وهجموا عليه وضربوه بالدبابيس، ثم جعلوه فى بيت أو صدوا بابه حتى مات بعد أن أشهدوا عليه أنه خلع نفسه. وصادروا أموال أمه قبيحة كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع، ونفوها إلى مكة ونفوا معها عبد الله ابنه وابنى عميه قصىّ بن المؤيد وعبد العزيز بن المعتمد. وهما محنتان قاسيتان أثّرتا فى نفس الصبى آثارا بعيدة: محنته التى امتحن بها فى أبيه الذى منحه الحياة والذى كان يغمره ببرّه وحنانه وعطفه، ومحنته بالنفى وعذابه ونكاله وعنائه، وما مرّ به فى أثناء ذلك من أمل ويأس ورجاء وقنوط، مع ما صلى به من حزن عميق على أبيه، مما ظل له أثر بعيد فى نفسه، وهو أثر يتراءى بوضوح فى أشعاره، إذ يطالعنا

(1) الديوان 2/ 670.

(2)

الديوان، 2/ 1309.

(3)

الديوان 2/ 1007.

ص: 326

فيها دائما الإحساس بآلام الحياة وما تكتظ به من كوارث وفواجع، كبّرها فى نفسه وخياله ما؟ ؟ ؟ به فى صباه من ترف وحياة لاهية لم تلبث أن حفّت بها الدماء المسفوكة، ؟ ؟ ؟ ، كما حفّ بها النفى والتشريد، فإذا النعيم يصبح جحيما، وينقضى عهده إلى غير مآب، وفى ذلك يقول ابن المعتز باكيا صباه بدموع غزار (1):

لهفى على دهر الصّبا القصير

وغصنه ذى الورق النّضير

وسكره وذنبه المغفور

ومرح القلوب فى الصّدور

وطول حبل الأمل المجرور

فى ظلّ عيش غافل غرير

ودار عام وتولّى المعتمد الخلافة لسنة 256 فأرسل فى طلبه وطلب جدته وابنى عمه وردّهم إلى سامرّاء، وكانت شئون القصر أخذت تستقيم، فلم يعد للترك تسلطهم ولا استطالتهم على الخلفاء، إذ جعل المعتمد الأمر والنهى والسلطان لأخيه الموفق طلحة، وكان من أحزم بنى العباس وأشجعهم وأنبغهم فى إدارة السياسة والحرب وهو الذى قضى على ثورة الزنج وثورة الصفّاريين كما أسلفنا فى غير هذا الموضع.

فاطمأن الغلام المروّع وأخذت جدته قبيحة تعنى بتربيته، وأحضرت له المعلمين فى الفقه والحديث والأدب واللغة، من مثل محمد بن عمران والحسن العنزى الإخباريين، ومحمد بن هبيرة صاحب الفراء، ويبدو أنه كان يلقى المبرد وثعلبا فى أثناء زياراتهما لسامراء قبل انتقاله ونزوله ببغداد لسنة 276. وفى المختار من شعر بشار أن ثعلبا كان أحد مؤدبيه فقطعه وقتا، فكتب إليه من قصيدة طريفة (2):

يا فاتحا لكل علم مغلق

وصيرفيّا عالما بالمنطق

إنا على البعاد والتفرّق

لنلتقى بالذكر إن لم نلتق

وكان يقصد فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم (3). وأهم معلميه أحمد بن سعيد الدمشقى المحدّث الإخبارى، ويروى أن البلاذرى المؤرخ سعى عند جدته كى يصبح من معلميه ومؤدبيه، فغضب ابن سعيد ولزم بيته، وكانت سن ابن المعتز

(1) ديوان المعانى 2/ 153.

(2)

المختار من شعر بشار (طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر) ص 54.

(3)

الفهرست ص 174.

ص: 327

حينئذ ثلاثة عشر عاما، وعلم بغضب أستاذه فكتب إليه أبياتا يترضاه بها، وهى تصور ثقافته تصويرا دقيقا، إذ يخاطبه بقوله (1):

أصبحت يابن سعيد حزت مكرمة

عنها يقصّر من يحفى وينتعل

سر بلتنى حكمة قد هذّبت شيمى

وأجّجت غرب ذهنى فهو مشتعل

أكون إن شئت قسّا فى خطابته

أو حارثا وهو يوم الفخر مرتجل

وإن أشأ فكزيد فى فرائضه

أو مثل نعمان ما ضاقت بى الحيل

أو الخليل عروضيّا أخا فطن

أو الكسائىّ نحويّا له علل

عقباك شكر طويل لا نفاد له

تبقى معالمه ما أطّت الإبل (2)

وهو يقول إن ابن سعيد خرّجه خطيبا فصيحا. لا يقل عن قسّ فى خطابته التى اشتهر بها بين الجاهليين، كما لا يقل عن الشاعر الجاهلى الحارث بن حلزة فى شعره وبداهته، ولا عن زيد بن ثابت فى عمله بالميراث، ولا عن أبى حنيفة فى علمه بالفقه، ولا عن الخليل بن أحمد فى علمه بالعروض، ولا عن الكسائى فى النحو واستنباط علله. وهذه هى مواد ثقافته فى سن الثالثة عشرة، ولم يذكر بينها فلسفة ولا منطقا، غير أنه ينبغى أن نحذر التعميم فى الحكم على ثقافته مما قاله عن نفسه فى تلك السن المبكرة، ومن الطبيعى-وكان نهما بالقراءة-أن يكون قد أطلع على شئ من الفلسفة وقرأ بعض كتب الفلك والتنجيم، ففى أشعاره إشارات لهما (3)، وإن كنا نظن ظنّا أنه لم يلمّ بذلك فى مطالع حياته. ولعل من الطريف أن نجده يقول (4):

ولا تفزعن من كل شئ مفزّع

فما كل تربيع النجوم بضائر

وكأنه كان يتشكك فى حسابات المنجمين وما يزعمونه من طوالع السعد والنحس.

ومضى يمنح أوقاته للشعر والأدب، وكأنما قرر بينه وبين نفسه الانصراف عن السياسة وشئون السلطان، فقد بلا منهما فى جده المتوكل وأبيه المعتز ما جعله يقرر فى حزم

(1) معجم الأدباء 1/ 133.

(2)

أطت: أنّت تعبا أو حنينا.

(3)

الفن ومذاهبه فى الشعر العربى (الطبعة السابعة) ص 263.

(4)

الديوان ص 249.

ص: 328

الفراغ للحياة الأدبية، وأنفق فى ذلك أعواما كثيرة. وكان يقرأ كتابات سابقيه ويفكر فيما يقرأ منها ناقدا محللا، وما نصل إلى سنة 274 للهجرة حتى نجده يصنّف كتابه «البديع» محاولا أن يضع من جهة لأول مرة فنونه وضعا علميا دقيقا، وأن يثبت من جهة ثانية أن هذه الفنون قديمة فى الأدب العربى وكل ما للمحدثين العباسيين منها إنما هو الإكثار، أما بعد ذلك فهى منثورة فى القرآن الكريم والحديث النبوى وأشعار الجاهليين والإسلاميين. وألف كتبا أدبية أخرى كثيرة مثل كتاب الزهر والرياض ومكاتبات الإخوان بالشعر وكتاب الجوارح والصيد، وكتاب فصول التماثيل فى الشراب وآدابه، وكتاب السرقات، وكتابه «طبقات الشعراء المحدثين» ذائع مشهور وهو يصور ثقافة واسعة بالشعر العباسى الحديث كما يصور نظرات نقدية طريفة وذوقا مهذبا صافيا. وكان يعنى منذ فواتح حياته بالغناء والموسيقى، وفى ذلك يقول أبو الفرج الأصبهانى:«كان عبد الله حسن العلم بصناعة الموسيقى والكلام على النغم وعللها، وله فى ذلك وفى غيره من الآداب كتب مشهورة، ومراسلات جرت بينه وبين عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وبين بنى حمدون وغيرهم تدل على فضله وغزارة علمه وأدبه (1)» . ويسوق أبو الفرج رسالة لعبيد الله إلى ابن المعتز، ومنها نعرف أنه كان يميل فى الغناء إلى التجديد ولا ينكر أن يغير الإنسان بعض نغم الغناء القديم، ثم يورد أبو الفرج من صنعته بعض أصوات أو أدوار تدل فى وضوح على أنه استطاع أن يتخطى دور المتاع بالغناء لعصره إلى دور الإنتاج فيه إنتاجا ممتازا جعل العصور تحمله من بعده، وكثيرا ما كان يزوره بعض المغنين والمغنيات ويغنونه فيما يصنع من الشعر. ومن الجوارى اللائى كن يكثرن من الاختلاف إليه والغناء فى شعره زرياب وبنت الكراعة وخزامى، على نحو ما يحدثنا عنهن أبو الفرج فى ترجمته.

وكان ابن المعتز يأخذ بنصيب غير قليل من متاع الحياة (2)، وكأنه ورث عن أبيه كل مزاجه، أو قل هى حياة القصور المترفة التى تدفع من يعيشها إلى اللهو، مما جعله يفتح بيته للندماء فى بعض الأيام وبعض الليالى يسمعون ويشربون، وكان أكثرهم من الشعراء أمثال النميرى، وبينهما مراسلات شعرية طريفة، وعلى بن مهدى

(1) الأغانى 10/ 276.

(2)

الديارات ص 72.

ص: 329

الأصبهانى الكسروى وبينهما مكاتبات بالأشعار ومجاوبات (1) وجحظة وهو الذى أعطاه لقبه الذى اشتهر به. وكان شغوفا مثل أبيه بالصيد، وسنعرض لبعض أشعاره فيه. وينبغى أن نلاحظ أن مجالسه لم تكن لهوا خالصا، فقد كان يختلف إليه نابهون كثيرون من علماء اللغة والأدب وفى مقدمتهم المبرد وثعلب أستاذاه وصديقاه، ويقول الصولى فى ترجمته له بكتابه الأوراق:«كانت داره مغاثا لأهل الأدب وكان يجالسه منهم جماعة» .

ومرّ بنا أن أباه وهبه إقطاعا كبيرا بالشام، ولا بد أن يكون قد وهبه إقطاعا أو إقطاعات أخرى فى العراق، ومن أجل ذلك كنا نخالف من زعموا أنه كان يعيش فى إقلال، ثم كان عنده ما ورثه عن جدته قبيحة وإن كان القائد التركى صالح ابن وصيف صادر أموالها، فقد كانت لها بقية عاشت منها حتى توفيت سنة 264. ولا بد أنه كان ينال راتبا كثيرا أو قليلا من الدولة لعهد عمه المعتمد الذى امتد حتى سنة 279، ويروى الصولى قصيدتين له مدحه بهما، وفى إحداهما يقول (2):

أهلا وسهلا بالإمام ومرحبا

لو أستطبع إلى اللقاء سبيلا

ولعل ابن المعتز نظم هذه القصيدة بعد أن ردّ الموفق أخاه المعتمد عن الموصل إلى بغداد لسنة 269 وكان قد ظن بأخيه الموفق الظنون وعزم على اللحاق بمصر. وقد يكون فى ذلك ما يدل على أن الناس ومعهم ابن المعتز كانوا يخشون حينئذ لقاء الخليفة خوفا من غضب أخيه وبطشه. وفى أخبار ابن المعتز أنه كان يروى أشعار عمه المعتمد، مما يدل على أنه كان كثير الاختلاف إلى مجالسه، وكان عاكفا على الملاذ والملاهى، فكان طبيعيّا أن يتصل الودّ بين العم وابن أخيه وخاصة إذا كان مثل ابن المعتز شاعرا وإخباريّا ظريفا. ونراه يسوق إلى عمه الموفق الذى أبلى بلاء عظيما فى محاربة الزنج والقضاء على صاحبهم قضاء مبرما غير مدحة، ويبدو أنه

(1) معجم الشعراء ص 149.

(2)

الديوان ص 376 وفى أشعار أولاد الخلفاء ص 131 أنها فى المعتضد.

ص: 330

أكثر حينئذ من تهانيه بظفره. من مثل قوله (1):

ولما طغى أمر الدعىّ رميته

بعزم يردّ السيف وهو كليل

وأعلمته كيف التصافح بالقنا

وكيف تروّى البيض وهى محول (2)

ويتوفى الموفق فى سنة 278 ويخلفه ابنه المعتضد وكان لا يقل شجاعة وحزما عنه وكان عونه وظهيره فى حرب الزنج، ويسلم عمه المعتمد مقاليد الأمور إليه، ويتوفى سنة 279 فيخلفه المعتضد، وكان مهيبا شديد الوطأة، فخافه قواد الترك، وظلوا كما كانوا فى عهد أبيه خانعين. ويتحول بالخلافة إلى بغداد وتصبح حاضرة الدولة، ونرى ابن المعتز يوجه إليه مدائح مختلفة يطلب فيها الإذن له بالتحول من سامراء إلى بغداد من من مثل قوله (3):

لعمرى لئن أمسى الإمام ببلدة

وأنت بأخرى شائق القلب نازع

وما أنا فى الدنيا بشئ أناله

سوى أنا أرى وجه الخليفة قانع

ويأذن له المعتضد وينزل بغداد، وتتحول داره إلى ندوة كبيرة للعلماء والأدباء، ويكثر المبرد من الاختلاف إليه فيها، وتروى كتب الأدب بعض ما كان يدور بينهما من محاورات فى الشعر والشعراء (4). ويصبح من ندماء ابن عمه ورفقائه على الشراب والسماع إلى الغناء، وتقبل الدنيا عليه، وتنعقد صداقة بينه وبين عبيد الله بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد القديم وصديق أبيه، ويهنئه باختيار ابنه محمد لشرطة بغداد قائلا (5):

فرحت بما أضعافه دون قدركم

وقلت عسى قد هبّ من نومه الدّهر

فترجع فينا دولة طاهريّة

كما بدأت والأمر من بعده الأمر

وتتوثق صداقة ثانية بينه وبين عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد، ويبدو أنها صداقة قديمة منذ وزر عبيد الله للمعتمد، وهو يكثر من مدحه وشكره

(1) زهر الآداب للحصرى 3/ 193 وفى أشعار أولاد الخلفاء ص 131 أنها فى المعتضد.

(2)

البيض: السيوف-محول: مجدبة.

(3)

الديوان ص 307 وأشعار أولاد الخلفاء ص 128.

(4)

أخبار البحترى للصولى ص 164.

(5)

أغانى 10/ 286.

ص: 331

على ما يصله به من أعطيات الدولة، وتنشأ بينه وبين ابنه القاسم الذى وزر بعده صداقة ثالثة ومودة أكيدة، وفى ذلك يقول منوّها بتلك الأسرة (1):

لآل سليمان بن وهب صنائع

إلىّ ومعروف لدىّ مقدّما

هم علّموا الأيام كيف تبرّنى

وهم غسلوا عن ثوب والدى الدّما

ويتوفّى المعتضد سنة 289، وكان ابنه المكتفى غائبا، ويضطر رئيس الحرس مؤنس إلى حبس جماعة من وجوه العباسيين حتى تؤخذ البيعة للمكتفى، وتمضى بسلام، ويسلك فيهم ابن المعتز، ونراه يجأر إلى القاسم بالشكوى من هذا الحبس الاضطرارى وسرعان ما يردّ إليه القاسم حريته، كما يرد إليه أعطياته ويوالى له العطاء، فيكثر ابن المعتز من مدحه، معترفا له بصنيعه من مثل قوله (2):

أصلح بينى وبين دهرى

وقام بينى وبين حتفى

ولا يلبث القاسم أن يلبى نداء ربه لسنة 291 ويظل المكتفى يفسح لابن المعتز فى مجالسه، وابن المعتز يكثر من مدائحه، وينوه بانتصارات جيوشه على قرامطة الشام وزعيمهم الحسين بن زكرويه القرمطى المعروف بصاحب الشامة، وينادمه ويحضر مجالس سماعه وشرابه.

ويتوفّى المكتفى لسنة 295 للهجرة ويتولى الخلافة من بعده ابنه المقتدر وسنه لا تتجاوز الثالثة عشرة فيكثر اللغط حوله ويتكلم الناس فى شأنه ويقولون كيف يتولى الخلافة من لم يبلغ الحلم، كما يقول كثيرون ينبغى خلعه. وتدخل سنة 296 وما يوافى شهر ربيع الأول حتى يزداد اللغط والكلام لاستيلاء أمه شغب وقهرمانتها على الحكم كما مر بنا فى غير هذا الموضع ولقصوره الواضح عن تدبيره شئون الخلافة. وفى يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول اجتمعت جماعة كبيرة من القواد والقضاة واتفقت على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتز وبايعته فى اليوم التالى (3)، وكان الرأس المدبر لذلك محمد بن داود بن الجراح الكاتب،

(1) مروج الذهب ص 204.

(2)

الديوان ص 319.

(3)

انظر فى بيعة ابن المعتز ومقتله الطبرى 10/ 140 والنجوم الزاهرة 3/ 164 وذيل زهر الآداب ص 204.

ص: 332

وقلّده ابن المعتز الوزارة وتكلم فى المقتدر قائلا: إنه لم يبلغ الحلم وإنه لا تصح للناس صلاة معه ولا حج ولا غزو وقد آن للحق أن يتضح وللباطل أن يفتضح. ولم يكد يمر يوم على هذه البيعة حتى هبّ مؤنس الخادم فى جند كثيرين فنقضها وجدّد للناس بيعة المقتدر وأخرج لهم الأموال وزاد فى الأعطية. ولم يبق مع ابن المعتز أحد فهرب إلى دار ابن الجصاص تاجر الجواهر المشهور وقبض عليه مؤنس وقتله، وبذلك لم تتم له الخلافة إلا لمدة يوم وليلة، وقيل بل لمدة نصف نهار فحسب. وما كان أحراه أن يبتعد عنها، متعظا بما أصاب أباه منها، ولكن النفس أمارة بالسوء.

ولعل فيما سبق ما يوضح العناصر التى كونت شخصية ابن المعتز الأدبية، فهو عربى عباسى يعتز بعروبته وأسرته، ولد فى القصر العباسى وفى كل ما انبثّ فيه من لهو وطرب، على نحو ما هو معروف عن آبائه: الرشيد والمتوكل والمعتز، إذ كانوا يفرغون للهوهم ومتاعهم كلما أتيح لهم الفراغ، وقد يكون فى ذلك بعض البواعث عنده على الإحساس المادى للأشياء، أو قل على وصفها وصفا ماديّا، إذ كان هذا الوصف هو الذى يلائم مزاجه المترف، كما كان يلائم عقله الذى يعيش فى النعيم فلا يستطيع أن يتعمق الأشياء، وإنما يقف عند ظاهرها الحسى المكشوف، وقديما أشار ابن الرومى إلى تأثير بيئته المترفة فى شعره، وإن كانت إشارته من طرف آخر ولكنه يلتقى بما قدمنا، فقد سأله شخص: لم لا تشبه تشبيه ابن المعتز وأنت أشعر منه؟ فقال له: أنشدنى شيئا من شعره أعجز عن مثله، فأنشده وصف ابن المعتز للهلال:

انظر إليه كزورق من فضّة

قد أثقلته حمولة من عنبر

فقال ابن الرومى له: زدنى، فأنشده:

كأن آذريونها

والشمس فيه كاليه (1)

مداهن من ذهب

فيها بقايا غاليه (2)

وصاح ابن الرومى: واغوثاه! لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ذلك إنما

(1) الآذريون: زهر أصفر فى وسطه حمل أسود.

(2)

الغالية: المسك، وهو أسود.

ص: 333

يصف ماعون بيته، لأنه ابن الخلفاء وأنا مشغول بالتصرف فى الشعر وطلب الرزق به، أمدح هذا مرّة وأهجو هذا كرّة. وأعاتب هذا تارة وأستعطف هذا طورا (1).

وابن الرومى يلاحظ التأثير المادى المترف للبيئة على ابن المعتز. وعنصر آخر اشترك فى تكوين شخصيته الأدبية بقوة، وهو عنصر ثقافته العربية الإسلامية، وقد جعله ذلك أقرب إلى ذوق المحافظين منه إلى ذوق المجددين، حتى إذا انقسمت بيئات النقاد فى عصره إلى مجددين مسرفين فى التأثر بمقاييس البلاغة اليونانية وتحكيمها فى الشعر العربى من جماعة المترجمين ومن التف حولهم، ومحافظين مسرفين فى رفض هذه المقاييس والتأثر بالمقاييس العربية الخالصة من جماعة اللغويين أمثال ثعلب والمبرد والبحترى من الشعراء، ومعتدلين يتأثرون الضربين من المقاييس دون إفناء الشخصية الأدبية العربية فى المقاييس الأجنبية من أمثال أبى تمام وابن الرومى وجدناه يأخذ صف المحافظين لتعمق إحساسه بعروبته وتغلغل الثقافة العربية الإسلامية فى نفسه، ويصرّح بذلك فى كتابه البديع الذى أنشأه ليثبت أن كل ما استحدثه العباسيون المستظهرون للثقافة اليونانية الفلسفية ليس محدثا فى حقيقته، بل هو يستمد من أصول قديمة فى الشعر الجاهلى والإسلامى والقرآن الكريم والحديث النبوى.

وخصّ أبا تمام برسالة احتفظ بها فى ترجمته كتاب الموشح للمرزبانى، وهى تحمل كل الأسس التى كوّن منها الآمدى حملته على أبى تمام. ومعنى ذلك أنه على الرغم من ذوقه المرهف وحسه الرقيق كان ينحو نحو المحافظين فى فهم الشعر ونقده ونظمه. وكتابه «طبقات الشعراء المحدثين» ، يدل على ثقافة واسعة بالشعر العباسى ولكنه استعان بتلك الثقافة نفسها على تأكيد الاتجاه المحافظ عنده؛ إذ سخرّها كما يتضح فى كتابه «البديع» لإثبات أن العباسيين لم يأتوا بشئ ذى بال، وأن كنوز الشعر العربى القديم لا تزال مفتوحة على مصاريعها ليشتق منها العباسيون كل بارع طريف.

ولا بد أن نلاحظ بجانب ذلك مؤثرا نفسيّا أثر فيه وفى شخصيته وشعره آثارا عميقة، ونقصد به مقتل أبيه وجده من قبله، مما آذى نفسه إيذاء شديدا إذ نشأ لا يعرف الأمن ولا اطمئنان القلب، وظل يرافقه هذا الإحساس طوال حياته،

(1) النجوم الزاهرة 3/ 96.

ص: 334

إذ يجلل شعره يأس عميق، وحقّا كان يكبّ كثيرا على اللهو يغرق فيه أحزانه.

ولكنها كانت أعظم من أن تغرق أو تنمحى من نفسه، ولعل ذلك ما جعله يكثر من الفخر بشجاعته، وهو يخاف الترك وغير الترك ويتملق عمومته وأبناءهم خوفا على حياته وإيثارا لعافيته.

وتلك هى مكونات شخصيته، بيئة مترفة ينغمس من فيها فى ضروب عدة من اللهو والمتاع بالحياة، وثقافة عربية إسلامية محافظة، وأحداث خطيرة جعلت الشر يلمّ به مبكرا، وتدلهمّ من حوله الخطوب، فيفكر فى الحياة والموت وما فى الدنيا من بؤس وآلام، وكأنما كتب عليه ألا يشرب كئوس الترف واللهو صافية، فدائما أو قل كثيرا ما تمتزج بها صور من الضيق بالحياة وما فيها من شر ونكر وما ينتظر الإنسان من مصيره المحتوم، وابن المعتز مع ذلك كله غزل ظريف حلو الدعابة جميل المحضر يألفه كثير من الأدباء.

ويبدو أن أكبر شاعر محدث كان يعجب به هو البحترى، فقد روى عنه أنه قال: كان مما حبّب الشعر إلىّ أنى سمعت البحترى ينشد الماضى (يريد أباه المعتز) شعرا تشوّقه الناس واستحسنوه ووصفوه، تصرّف فيه بغزل ووصف ومدح وشكر، وعدّد أصناف ما أخذ، وطلب خاتم ياقوت، وهو عندى من أحسن شعره، وهو:

بودّى لو يهوى العذول ويعشق

فيعلم أسباب الهوى كيف تعلق (1)

والبحترى يستهل القصيدة بغزل ملئ بالشوق إلى علوة صاحبته الحلبية، ويصف طيفها الذى ألمّ به فى حلمه ولهفته على لقائها، وعناقها وصبابته بها ودموعهما وقبلاتهما والتصاق خددوهما حين يلتقيان، حتى ليقول:

فلو فهم الناس التّلاقى وحسنه

لحبّب من أجل التلاقى التفرّق

ويفيض فى مديح المعتز وما أضفى عليه من عطايا، ويستوهبه فى رقة ولطف خاتما. ويلفتنا إعجاب ابن المعتز بهذه القصيدة التى أنشدها البحترى أباه وسنه

(1) أخبار البحترى ص 108 والتحف والهدايا للخالديين نشر الدكتور سامى الدهان ص 73 وانظر الديوان 3/ 1534

ص: 335

لا تتجاوز التاسعة، وتذوقه لها فى هذه السن الباكرة يدل ذلك على أنه كان قد حفظ كثيرا من الشعر، حتى تكوّن له ذوق يستطيع به أن يفقه ما فى الشعر من جمال.

ومرّ بنا وصف البحترى له فى حياة أبيه بأنه يستولى على حلبة الشعر مما يدل على أن الشعر سال على لسانه وهو بعد فى الثامنة أو التاسعة من حياته.

ولم يكن البحترى وحده أستاذه فى مطالع حياته، فأهم منه أبوه المعتز إذ كان شاعرا بارعا، ولو قدّر له أن تمتد حياته لشغل النقاد بأشعاره على نحو ما شغلهم ابنه، وكان ينفق كثيرا من أوقاته فى اللهو والمجون والصيد، وينظم فى ذلك كله أشعاره ويطلب إلى هذا المغنى أو ذاك أن يتغنى فيما ينظم، وكل ذلك ورثه ابن المعتز عن أبيه. وبذلك كان له فى أوائل حياته أستاذان: أستاذ من بيته هو أبوه الذى كان يدرّبه على نظم الشعر، وأستاذ من غير بيته هو البحترى.

ومن المحقق أن نسيج صياغته لا يرتفع فى متانته وجزالته إلى مرتبة صياغة البحترى، حقّا كثيرا ما يرتفع، ولكنه قد يهبط درجات عن صياغته الجزلة الرصينة، مما جعل كثيرين فى عصره وبعد عصره يحملون عليه، وتصدى لهم أبو الفرج ملوّحا فى وجوههم بقوله:«شعره إن كان فيه رقّة الملوكية وغزل الظرفاء وهلهلة المحدثين فإن فيه أشياء كثيرة تجرى فى أسلوب المجيدين ولا تقصر عن مدى السابقين وأشياء ظريفة من أشعار الملوك فى جنس ما هم بسبيله ليس عليه أن يتشبّه فيها بفحول الجاهلية، فليس يمكن واصفا لصبوح فى مجلس شكل ظريف بين ندامى وقيان على ميادين من النّور والبنفسج والنّرجس ومنضود من أمثال ذلك. . . أن يعدل عما يشبهه من الكلام السّبط (السهل) الرقيق الذى يفهمه كل من حضر إلى جعد الكلام ووحشيّه وإلى وصف البيد والمهامه والظّبى والظّليم والناقة والجمل والديار والقفار والمنازل الخالية المهجورة، ولا إذا عدل عن ذلك وأحسن قيل له مسئ، ولا أن يغمط حقّه كلّه إذا أحسن الكثير وتوسّط فى البعض وقصّر فى اليسير وينسب إلى التقصير فى الجميع لنشر المقابح وطىّ المحاسن. فلو شاء أن يفعل هذا كلّ أحد بمن تقدّم لوجد مساغا (1)» . وأبو الفرج بذلك أنصف ابن المعتز، ووضعه فى مكانه الصحيح، فهو فى أكثر شعره محسن، وهو فى بعضه متوسط الإجادة، وفى اليسير

(1) الأغانى 10/ 274.

ص: 336

منه مقصّر، وأكبر الظن أن هذا اليسير من شعر الارتجال إنما كان فى أثناء سمره أو فى أثناء سماعه للغناء وشربه. على أنه لا بد أن نشير إلى مهارته فى الغناء والموسيقى وأن هذه المهارة جعلته من أصحاب الآذان الدقيقة التى تزن جرس الكلام، ولذلك كنا نحس عنده دائما بأنه لا يهمل الأسماع فى شعره، إذ كان يحاول أن يلذّها بأنغامه وألحانه.

وظاهرة ثانية فى أشعاره هى عنايته فيها بالتشبيهات والاستعارات والجناس والطباق وهى ظاهرة طبيعية، إذ كتب فى هذه الفنون كتابه «البديع» ونوّه بها، غير أنه لم يفرط فى الجناس والطباق إفراطا بعيدا، وقد عاب أبا تمام بذلك فى كتابه، لأنه يخرج فيه على طريقة القدماء. والمحافظون من أمثاله وأمثال البحترى كانوا يوازنون بين البديع المستحدث وصوره عند القدماء، فلم يكونوا يسرفون فيه مثل أبى تمام ومسلم ابن الوليد.

ولعل من الواجب أن نستعرض فنون الشعر عنده، لتتضح لنا شاعريته، وأول ما نقف عنده من تلك الفنون المديح، ومرّ بنا أنه مدح من الخلفاء المعتمد والمعتضد كما مدح عمه الموفق البطل المظفر، ونحس ببهجة حقيقة ومشاعر صادقة فى مديحه لابن عمه المعتضد، أما مديحه فى غيره ففاتر، وكان المعتضد كما أسلفنا بطلا مغوارا واستطاع-كما استطاع أبوه الموفق-أن يخضد شوكة الترك، بل أن يقلم أظفارهم، وكأنما كان يشفى غليل ابن المعتز وضغنه القديم عليهم، إذ هم قتلة أبيه وسافكو دمه، وليس ذلك فحسب هو الذى جعل المعتضد يقرب من نفسه، فقد اتخذه نديما وجليسا وتوالت عطاياه عليه، فكان إذا مدحه انبعث فى مديحه عن عاطفة صادقة حارة، وربما كانت خير مدائحه فيه رائيته التى يستهلّها بقوله (1):

سلمت-أمير المومنين-على الدّهر

ولا زلت فينا باقيا واسع العمر

حللت الثريّا خير دار ومنزل

فلا زال معمورا وبورك من قصر

فليس له فيما بنى الناس مشبه

ولا ما بناه الجنّ فى سالف الدّهر

والثريا مجموعة من الدور والقصور بناها المعتضد، ويقال-كما مر بنا فى غير

(1) الديوان ص 215.

ص: 337

هذا الموضع-إنه أنفق عليها أربعمائة ألف دينار وإنها كانت تمتد نحو ثلاثة فراسخ، ومن حولها البساتين والرياض، وقد صوّرها ابن المعتز تصويرا رائعا، إذ يقول فى نفس القصيدة:

وأنهار ماء كالسلاسل فجّرت

لترضع أولاد الرياحين والزهر

جنان وأشجار تلاقت غصونها

فأورقن بالأثمار والورق الخضر

ترى الطير فى أغصانهنّ هواتفا

تنقّل من وكر لهنّ إلى وكر

ويتحدث عن بأس المعتضد وجراءته وأنه يفوق فيهما ليث الغاب الذى يجرّ إلى أشباله كل ليلة ذبيحة وحش أو ذبيحا من البشر، والذى ما يزال يفزع الناس بزئيره وبمن يفترس منهم ويقضمه قضما. وكان المعتضد حقّا شجاعا شجاعة خارقة، ويصور ابن المعتز ما بسط فى البلاد من عدل ومن رفق بالعباد وجبروت شديد بمثل قوله فى القصيدة:

حكمت بعدل لم ير الناس مثله

وداويت بالرّفق الجموح وبالقهر

وليس فى أشعاره مديح أو تهنئات لولاة أو وزراء سوى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وعبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد وابنه القاسم كما أسلفنا، وخير مدائحه فيهم جميعا ما مدح به عبيد الله بن سليمان بن وهب، وهو على كل حال لا يبالغ فى إطرائه له على عادة الشعراء المتكسبين بأشعارهم، إنما هى أبيات ينفث بها صدره من مثل قوله (1):

أيا موصل النّعمى على كل حالة

إلىّ قريبا كنت أو نازح الدّار

كما يلحق الغيث البلاد بسيله

وإن جاد فى أرض سواها بأمطار

لقد عمر الله الوزارة باسمه

وردّ إليها أهلها بعد إقفار

وكانت زمانا لا يقرّ قرارها

فلاقت نصابا ثابتا غير خوّار

(1) الديوان ص 217.

ص: 338

وفى ديوانه وبين أشعاره مراث قليلة وأهمها ما نظمه فى ممدوحيه السالفين وخاصة المعتضد صديقه فقد حزن عليه حزنا شديدا، إذ أحسّ كأنما انهار ركن العباسيين الوطيد وانقض من أساسه، كما أحسّ أن أيام أنسه عادت ظلاما، فقد طوت المنية صديقة الحميم، وطار قلبه فزعا، واسودّت الدنيا من حوله، وقد مضى يرثيه ويتفجع عليه وعلى دولته وما بذله فى حمايتها ووقايتها من جهد جهيد وبأس له شديد، يقول والدموع تنهمر من عينيه وتكاد تخنقه خنقا (1):

يا ساكن القبر فى غبراء مظلمة

بالطاهريّة مقصى الدّار منفردا (2)

أين الجيوش التى قد كنت تسحبها

أين الكنوز التى لم تحصها عددا

أين السرير الذى قد كنت تملؤه

مهابة، من رأته عينه ارتعدا

أين الرّماح التى غذّيتها مهجا

مذ متّ ما وردت قلبا ولا كبدا

ويتحسر على قصره الثريا ووصائفه وملاهيه، وكأنما أصبح طللا مهجورا، ولا أثر ولا عين، كأنما لم يكن به المعتضد يوما. ويحزن حين توفى قبله وزيره عبيد الله ابن سليمان بن وهب، ولكنه لا ينظم فيه قصائد إنما ينظم أبياتا قليلة يبكى فيها قدرته الكتابية أو قدرته السياسية فى الحكم والتدبير من مثل قوله (3):

هذا أبو القاسم فى نعشه

قوموا انظروا كيف تسير الجبال

يا ناصر الملك بآرائه

بعدك للملك ليال طوال

وطبيعى ألا نجد عند ابن المعتز هجاء، فقد كان يرتفع بنفسه عن هذا الفن الذى يستحيل فى أيدى الشعراء سهاما يسددونها إلى خصومهم، ولم يكن له خصوم، ولا كان يكنّ لأحد خصومة إلا ما قد يقوله تندّرا ودعابة من مثل قوله لعلى بن بسام هجّاء عصره (4):

يا قذى فى العيون يا حرقة بي

ن التراقى حزازة فى الفؤاد

يا طلوع العذول ما بين إلف

يا غريما وافى على ميعاد

(1) النجوم الزاهرة 3/ 127.

(2)

الطاهرية: الدار التى دفن بها المعتضد غربى بغداد.

(3)

الديوان ص 389.

(4)

ذيل زهر الآداب ص 181.

ص: 339

يا ركودا فى يوم غيم وصيف

يا وجوه التجار يوم الكساد

خلّ عنا فإنما أنت فينا

واو عمرو أو كالحديث المعاد

ويكثر ابن المعتز فى شعره من الفخر بجوده وشجاعته ومضائه فى الحروب وفروسيته، وهو يحاكى فى ذلك القدماء فى حماستهم، فهو فخر مصطنع متكلّف فى جمهوره، ويفخر طويلا بأسرته وبجده العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم وبلائه فى موقعة حنين، وبشجاعة آبائه وعمومته وبلاغتهم، وفى ذلك يقول (1):

إنا لننتاب العداة وإن نأوا

ونهزّ أحشاء البلاد جموعا

ونقول فوق أسرّة ومنابر

عجبا من القول المصيب بديعا

قوم إذا غضبوا على أعدائهم

جرّوا الحديد أزجّة ودروعا

وكأن أيدينا تنفّر عنهم

طيرا على الأبدان كنّ وقوعا

والصورة الأخيرة بديعة، فهو يتصور رءوس الأعداء كأنها طير يتطاير بالسيوف مزايلا لمكانه من أبدانهن. ويمتزج الفخر عنده بشكوى كثيرة، وهى شكوى مردّها إلى ما كان يتعمق نفسه من حزن وألم منذ ألمت به محنته فى مقتل أبيه، على نحو ما مرّ بنا آنفا، فقد خلّفت هذه المحنة فى نفسه ضيقا شديدا ولعل ذلك ما جعله يشكو من إخوانه أحيانا.

وكان كثيرا ما يوجه فخره بأسرته إلى العلويين، مبينا أن بيته أحق بالخلافة من بيتهم، وقد ظلت ثوراتهم مشتعلة لا تخمد طوال عصره، مما جعله يكثر من وعيدهم وتهديدهم، مذكرا لهم بأن بيته هو الذى استطاع أن يثأر لهم من الأمويين قتلة الحسين وزيد حفيده (2)، ويحاول فى مقطوعات وقصائد مختلفة أن يستلّ البغض والإحن من نفوسهم على شاكلة قوله (3):

بنى عمّنا عودوا نعد لمودّة

فإنّا إلى الحسنى سراع التعطّف

لقد بلغ الشيطان من آل هاشم

مبالغه من قبل فى آل يوسف

(1) الديوان ص 300 وأشعار أولاد الخلفاء ص 165.

(2)

الديوان ص 50.

(3)

الديوان ص 327.

ص: 340

فهم فى رأيه بيت واحد وإخوة وينبغى أن يتحابوا لا أن يتباغضوا ويتقاطعوا كما حدث بين إخوة يوسف عليه السلام وبينه، حتى باعوه لسيّارة بثمن بخس دراهم معدودة. ويبدو أن بعض معاصريه لامه على ما يوجه للعلويين من لوم وأشاعوا أنه يسب على بن أبى طالب، فنظم قصيدة طويلة فى مديحه والثناء عليه، يقول فى مطالعها (1):

أآكل لحمى وأحسو دمى

فيا قوم للعجب الأعجب (2)

علىّ يظنّون بى بغضه

فهلاّ سوى الكفر ظنّوه بى

ومضى يقول إن الذى يشيع ذلك هم القرامطة الذين حادوا عن جادّة الدين باسم التشيع لعلى وهو منهم برئ وفضله لا ينكره أحد، وأخذ يصور بسالته وبلاغته وأخوّته للرسول عليه السلام ونفوذ بصيرته فى الحكم والقضاء وزواجه من السيدة فاطمة بنت الرسول، وسمّاه بحر العلوم، وذكر مواقفه العظيمة، وأشاد بالحسن والحسين وما كان من مقتل الأخير بيد الأمويين الغاشمة، وبكاء العباسيين عليه وأخذهم لثأره. ولا بد أن نفصل بين شعر ابن المعتز الموجّه إلى العلويين، والآخر الموجه إلى القرامطة والروافض، فهو فى الأول يغلب عليه الاعتدال والميل إلى الإنصاف أما فى الثانى فيملؤه بإنذارات وتهديدات شديدة، مع ما يسمهم به من الإلحاد والكفر والزندقة.

وتلقانا فى ديوانه مقطوعات غزلية كثيرة، ولكنها لا تنبئ عن حب حقيقى كان يكتوى بناره، فهى مقطوعات وقد تكون استهلالات لقصائد، لا تصدر عن وجد شديد، وإنما تصدر غالبا عن ود، وكأن مثله من أبناء القصور لا يستطيع الحب أن يتعمقه، ولذلك كنا نفقد عنده الإلحاح فى الطلب والأمل والشوق المبرح والتضرع الحار، وكل ما نجد إنما هو حب الشباب المترف الذى لا ينبع من أعماق النفس والقلب، أو قل هى أبيات ينظمها فيمن كن يغشين مجالسه من الجوارى أمثال نشر وشرّة على سبيل الدعابة من مثل قوله (3):

(1) الديوان ص 67.

(2)

أحسو: أشرب.

(3)

الديوان ص 52 وأشعاره أولاد الخلفا ص 221 والأغانى 10 - 278.

ص: 341

وابلائى من محضر ومغيب

وحبيب منى بعيد قريب

لم ترد ماء وجهه العين إلا

شرقت قبل ريّها برقيب

وقوله (1):

زاحم كمّى كمّه فالتويا

وافق قلبى قلبه فاستويا

وطالما ذاقا الهوى فاكتويا

يا قرّة العين ويا همى ويا

وهى أبيات لا تصور عذابا فى الحب ولا ألما من ناره المحرقة، إنما هى أقرب ما تكون إلى الدعابة، وختم البيت الرابع بقوله:«ويا» كما يقول الناس: يا أختى ويا ويا مستغنين بذلك عن الشرح. وقد تحولت هذه الصورة من التعبير فيما بعد إلى لون من ألوان البديع سمّاه المتأخرون باسم الاكتفاء. واقرأ فى ابن المعتز فإنك لن تقف على حب لاهب، إنما تقف على دعابات وصور وفنّ من مثل قوله (2):

تقول العاذلات تعزّ عنها

واطف لهيب قلبك بالسّلوّ

وكيف وقبلة منها اختلاسا

ألذّ من الشماتة بالعدوّ

وقوله (3):

إذا اجتنى وردة من خدّها فمه

تكوّنت تحتها أخرى من الخجل

وكان-كما أسلفنا-ينفق على شاكلة أبناء القصور-كثيرا من أوقاته فى اللهو والخمر، وديوانه طافح بكئوسها ودنانها وسقاتها وأديرتها، فهو لا يشربها فى بيته ومجالسه مع أصدقائه فحسب، بل يشربها أيضا فى أمكنتها المعروفة لعصره وخاصة الأديرة مثل دير عبدون، وهو يصرّح بأنه كان يغرق فيها همومه إذ يقول (4):

وليس للهمّ إلا شرب صافية

كأنّها دمعة من عين مهجور

(1) الأغانى 10/ 279.

(2)

مروج الذهب 4/ 203.

(3)

مروج الذهب 4/ 205.

(4)

الديوان ص 230.

ص: 342

فهو يقبل عليها لتنسيه همومه، ولتمسح على كدر حياته بنصاعتها وصفائها، وليتسلى ويتعزّى عن مقتل أبيه الذى لم ينسه يوما، ومثله فى الخمر مثله فى الحب، فهو لا يتعبّد لها كما كان يتعبد أبو نواس ولا يسبّح بآلائها مقدّما إليها قرابينه من الشعر، إنما هو يتسلّى بها ويتسلّى بما ينظمه فيها بمثل قوله فى مديح الصبوح (1):

اسقنى الراح فى شباب النهار

وانف همّى بالخندريس العقار (2)

قد تولّت زهر النجوم وقد بشّ

ر بالصّبح طائر الأسحار

ما ترى نعمة السماء على الأر

ض وشكر الرياض للأمطار

وغناء الطيور كلّ صباح

وانفتاق الأشجار بالأنوار

فكأنّ الربيع يجلو عروسا

وكأنا من قطره فى نثار (3)

وهى أبيات تصور إحساسه بما ينعكس على بصره من جمال الطبيعة صباحا فى الربيع، ولكنها لا تصور حبّا ولا تهالكا على الخمر، ولا عاطفة جامحة أو متقدة، إنها ليست أكثر من أبيات يتسلى بها ويتعزى ويظهر مقدرته على النظم فى الخمر، ولذلك يكون من السهل عليه أن ينقض هذا المدح للصبوح ويضع قصيدة بل قل مزدوجة (4) فى ذمه امتدت إلى نحو مائة وعشرين بيتا وفيها يقول:

فأىّ فضل للصّبوح يعرف

على الغبوق والظلام مسدف (5)

ويطيل فى الأسباب التى من أجلها يذمه ذمّا قبيحا، كأن يعرّض المصطبحين للبرد القارص شتاء والحر اللافح صيفا. وقد يكون مصدر هذا الذم شيوع المناظرات لعصره وبيان محاسن الشئ ومساوئه، كما مرّ بنا عند ابن الرومى فى ذمه للورد، ولكن من المؤكد أن ابن المعتز لم يصور فى ذلك عاطفة، وإنما صور عبثا عقليّا، وقد

(1) الديوان ص 232 وأشعار أولاد الخلفاء ص 190.

(2)

الخندريس العقار: الخمر.

(3)

النثار: ما ينثر على العروس من الدراهم الفضية.

(4)

الديوان ص 473 وأشعار أولاد الخلفاء ص 251.

(5)

مسدف: مرخى الستور.

ص: 343

يكون أهم من هذا العبث وصفه للبستان فى مزدوجة مشهورة له، إذ يقول:

وياسمين فى ذرى الأغصان

منتظم كقطع العقيان

والسّرو مثل قضب الزبرجد

قد استمدّ العيش من ترب ندى

على رياض وثرى ثرى

وجدو كالمبرد الجلىّ

وجلّنار كاحمرار الخدّ

أو مثل أعراف ديوك الهند

ويستمر فى رصف مثل هذه التشبيهات والصور، وكانت لديه مهارة خارقة فى اجتلابها، والملاءمة بينها وبين ماعون بيته كما لاحظ ذلك ابن الرومى آنفا. وقد لا يستمدها من ماعون بيته، ولكن نحس كأنما عقله كان كنزا زاخرا بالتشبيهات والصور. وأكثر من تصوير أضواء الصباح وهى تحسر عن الأفق خيوط الظلام وسواده، فتارة يشبه الظلام بحبشى أسود والصباح يفترّ عن أسنانه ضاحكا من فراره، أو يشبهه بغراب قوادمه بيضاء أو مقصوص الجناح، أو بأسود عريان يمشى فى الدجى بسراج، وقد يشبه الهلال بزورق من فضة مملوء بالعنبر، ومن بديع تشبيهاته له تصويره بقوله (1):

كمنجل قد صيغ من فضّة

يحصد من زهر الدّجى نرجسا

وتكثر فى الديوان مثل هذه التشبيهات البارعة لعناصر الطبيعة، ولم يقف عند الطبيعة المتحضرة وحدها فقد كان يلم بالطبيعة الصحراوية. ولعل أبا الفرج الأصبهانى لم يرد فى دفاعه عنه الذى مرّ بنا أن ينكر عليه أنه نظم بعض شعره فى الأطلال والبيد وحيواناتها، إنما أراد الإكثار من النظم فى الصحراء إذ له أشعار مختلفة فى وصفها، وقد مرت بنا فى غير هذا الموضع أبيات طريفة له فى وصف الأطلال والديار الخالية، وأخرى فى وصف ثور الوحش وبقره، ومن طريف ماله فى وصف الإبل قليلة اللبن وهى تحلب قوله (2):

رأيت انهمار الدرّ بين فروجها

كما عصرت أيدى الغواسل أثوابا

(1) الديوان ص 278.

(2)

الديوان ص 36.

ص: 344

وقوله فى أخرى وسراه عليها طوال الليل، كأنها هائمة تطلب شيئا ضالا منها (1):

فكأن أيديهنّ دائبة

يفحصن ليلتهن عن صبح

وله فى الخيل أشعار مختلفة، وطبيعى أن يعنى بها، إذ كان شغوفا بالصيد، حتى ليحتل الطّرد جزءا كبيرا من ديوانه وأشعاره، ومن طريف ما نعته بها قوله فى مقدمة إحدى طردياته يصف فرسا له (2):

قد أغتدى والصبح كالمشيب

فى أفق مثل مداك الطيب (3)

بقارح مسوّم يعبوب

ذى أذن كخوصة العسيب (4)

أو آسة أوفت على قضيب

يسبق شأو النظر الرحيب (5)

أسرع من ماء إلى تصويب

ومن رجوع لحظة المريب

وينتقل من وصف الفرس إلى وصف الصقر أداته فى تلك الرحلة للصيد، ويصف مهارته فى تعقب طرائده من الطير وانقضاضه عليها بمنسره ومخالبه، يخزها ويطعنها مسيلا لدمائها مزهقا لأرواحها، يقول:

وأجدل أحكم بالتأديب

سوط عذاب واقع مجلوب (6)

يهوى هوىّ الماء فى القليب

ما طار إلا لدم مصبوب (7)

وعلى نحو ما يصور الصقور الجارحة فى طرده وصيدها للطير يصور البزاة بأبصارها الثاقبة ومناسرها الحادة المرهفة كالأسنة المشرعة، ومن طريف ماله فى تصوير عين باز قوله (8):

ومقلة تصدقه إذا رمق

كأنها نرجسة بلا ورق

(1) الديوان ص 140.

(2)

الديوان ص 86 وزهر الآداب 2/ 23 وأشعار أولاد الخلفاء 209.

(3)

المداك: الحجر الذى يسحق عليه الطيب.

(4)

قارح: مكتمل الخلق. مسوم: معلم حسن الخلق. يعبوب. سريع الجرى.

(5)

أوفت: أشرفت.

(6)

أجدل: صقر.

(7)

القليب: البئر.

(8)

أشعار أولاد الخلفاء ص 218 وديوان المعانى 2/ 140.

ص: 345

وله فى الكلاب طرديات كثيرة يأتسى فيها بأبى نواس، بل هو فى طردياته جميعا يأتسى به ويحاكيه حتى فى ألفاظه التى يفتتح بها تلك الطرديات، من مثل: قد أغتدى. وقد مضى فى إثره يتحدث عن ضمورها ومتانة أعضائها وشدة سمعها وحدّة براثنها ونشاطها وسرعة عدوها على شاكلة قوله فى إحدى طردياته (1):

ومخطف موثّق الأعضاء

ذى أذن ساقطة الأرجاء (2)

كوردة السّوسنة الشّهلاء

وبرثن كمثقب الحذّاء (3)

ومقلة قليلة الأقذاء

صافية كقطرة من ماء

تنساب بين أكم الصحراء

مثل انسياب حيّة رقطاء (4)

وله طرديات أخرى فى الفهد، وفى قوس البندق، ويكثر فيها جميعا من التشبيهات والصور الطريفة، ومن الحق أنه كان بارعا فى تصوير أى شئ يلم به من كوكب فى السماء أو نجم أو سحابة أو رياض وأزهار فى الطبيعة المتحضرة أو حيوانات وأطلال فى الطبيعة المتبدية، وليس بين المحدثين من وصف الحيّة وصفه لها فى قوله (5):

كأنّنى ساورتنى يوم بينهم

رقشاء مجدولة فى لونها بلق

كأنها حين تبدو من مكامنها

غصن تفتّح فيه النور والورق

ينسلّ منها لسان تستغيث به

كما تعوّذ بالسّبّابة الغرق

وله مراسلات بالشعر بينه وبين إخوانه وهى تكثر كثرة تجعلنا نظن ظنّا أنه من أوائل من أعدوا لفتح باب الإخوانيات فى الشعر العربى، وهو فى طائفة منها ينحو نحو الدعابة. ويكثر فى شعره-كما قدمنا-من التفكير فى الموت ومصير الحياة

(1) الديوان ص 18 وأشعار أولاد الخلفاء ص 207.

(2)

مخطف: ضامر. ساقطة الأرجاء: شديدة السمع.

(3)

السوسنة: الزنبقة.

(4)

رقطاء: رقشاء أى بها نقط سود وبيض.

(5)

الديوان ص 330.

ص: 346