المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - ابن قتيبة - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٤

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌العصر العباسى الثانى

- ‌الفصل الأوّل:الحياة السياسية

- ‌1 - استيلاء الترك على مقاليد الحكم

- ‌2 - تدهور الخلافة

- ‌3 - ثورة الزنج

- ‌4 - ثورة القرامطة

- ‌5 - أحداث مختلفة

- ‌الفصل الثّانى:الحياة الاجتماعية

- ‌1 - طبقات المجتمع

- ‌2 - الحضارة والترف والملاهى

- ‌3 - الرقيق والجوارى والغناء

- ‌4 - المجون والشعوبية والزندقة

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثالث:الحياة العقلية

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل: نقل ومشاركة وتفلسف

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه

- ‌5 - الاعتزال وانبثاق المذهب الأشعرى

- ‌الفصل الرّابع:نشاط الشعر

- ‌1 - علم الشعراء بأسرار العربية

- ‌2 - ذخائر عقلية خصبة

- ‌3 - التجديد فى الموضوعات القديمة

- ‌4 - نمو الموضوعات الجديدة

- ‌5 - نمو الشعر التعليمى

- ‌الفصل الخامس:أعلام للشعراء

- ‌1 - على بن الجهم

- ‌2 - البحترى

- ‌3 - ابن الرومى

- ‌4 - ابن المعتز

- ‌5 - الصنوبرى

- ‌الفصل السّادس:شعراء السياسة والمديح والهجاء

- ‌1 - شعراء الخلفاء العباسيين

- ‌مروان بن أبى الجنوب أبو السمط

- ‌أبو بكر الصولى

- ‌2 - شعراء الشيعة

- ‌ محمد بن صالح العلوى

- ‌الحمّانى العلوىّ

- ‌المقجّع البصرىّ

- ‌3 - شعراء الثورات السياسية

- ‌ محمد بن البعيث

- ‌4 - شعراء الوزراء والولاة والقواد

- ‌ أبو على البصير

- ‌ أحمد بن أبى طاهر

- ‌ ابن دريد

- ‌5 - شعراء الهجاء

- ‌ الصّيمرى

- ‌الحمدونى

- ‌ابن بسام

- ‌الفصل السّابع:طوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل وشاعراته

- ‌فضل

- ‌2 - شعراء اللهو والمجون

- ‌ الحسين بن الضحاك

- ‌3 - شعراء الزهد والتصوف

- ‌ الحلاّج

- ‌الشبلىّ

- ‌4 - شعراء الطرد والصيد

- ‌5 - شعراء شعبيون

- ‌جحظة

- ‌الخبز أرزىّ

- ‌الفصل الثامن:نشاط النثر

- ‌1 - تطور النثر

- ‌2 - الخطابة والمواعظ والنثر الصوفى

- ‌3 - المناظرات

- ‌4 - الرسائل الديوانية

- ‌5 - الرسائل الإخوانية والأدبية

- ‌الفصل التّاسع:أعلام الكتاب

- ‌2 - الجاحظ

- ‌3 - ابن قتيبة

- ‌4 - سعيد بن حميد

- ‌5 - أبو العباس بن ثوابة

- ‌خاتمة

الفصل: ‌3 - ابن قتيبة

‌3 - ابن قتيبة

(1)

هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينورى، ولد سنة 213 للهجرة ببغداد وقيل بالكوفة، أصله فارسى أو تركى من مرو بخراسان، ومن ثم نسب إليها، فقيل المروزى، اختلف فى صباه إلى الكتّاب، فحفظ شيئا من القرآن الكريم والحديث النبوى والأشعار وشدا شيئا من الفقه والنحو والحساب، ولم يكد يشبّ عن الطرق حتى أخذ يختلف إلى المساجد الجامعة بموطنه بغداد يأخذ عن علمائها كل ما عندهم من علوم اللغة والشريعة والحديث، وعكف على المترجمات يقرأ فيها ويستوعب، وخاصة ما ترجم عن الفارسية، ولمع اسمه فى بيئة الفقهاء، فتولّى القضاء بدينور، ولذلك يقال له الدّينورى. وعاد إلى بغداد مؤثرا الاشتغال بالتدريس والتعليم حتى توفى سنة 276 للهجرة. وقد أكبّ على كتب الجاحظ يدرسها ويتمثلها، مع أنهما كانا على طرفى نقيض، فقد كان الجاحظ معتزليّا كما مرّ بنا، وكان ابن قتيبة سنّيّا، وله كتابان: مشكل القرآن وتأويل مختلف الحديث، وفيهما وخاصة فى الثانى يحمل على الجاحظ والمعتزلة حملات شعواء، وهما منشوران. وله بجانبهما كتب كثيرة منها كتاب فى الفقه وكتاب فى دلائل النبوة وغريب القرآن وكتب غيرهما كثيرة فى مختلف الميادين سقطت من يد الزمن. ومن كتبه المنشورة المعارف وفيه يتحدث عن مبدأ الخلق وقصة الطوفان نقلا عن ترجمة للتوراة، ويعقب ذلك بتاريخ الأنبياء والرسل والعرب الجاهليين وسيرة الرسول عليه السلام، ثم أخبار موجزة عن العلماء فى كل فن وعن الفرس قبل الإسلام. وله كتاب الأشربة وهو منشور بدمشق وكتاب الميسر والقداح وهو منشور بالقاهرة وكتاب الاختلاف فى اللفظ والرد على الجهمية والمشبّهة وهو منشور أيضا بالقاهرة ونشر

(1) انظر فى ابن قتيبة الفهرست ص 121 والأنساب للسمعانى الورقة 443 وتاريخ بغداد 10/ 170 وإنباه الرواة للقفطى 2/ 143 ونزهة الألباء (نشر دار نهضة مصر) ص 209 وابن خلكان والنجوم الزاهرة 3/ 75 والديباج لابن فرحون طبع القاهرة ص 35 وشذرات الذهب 2/ 169 ومرآة الجنان لليافعى 2/ 191.

ص: 611

باسمه كتاب الإمامة والسياسة وهو منحول عليه. ومن أهم كتبه كتاب الشعر والشعراء وهو تراجم قصيرة لشعراء العرب حتى عصره، وهو منشور مرارا. وله كتاب معانى الشعر الكبير. وألف طائفة من الكتب لتثقيف الكتّاب الناشئين؛ منها كتابه «أدب الكاتب» ، الذى عرضنا له فى غير هذا الموضع، وهو يمدّ الكاتب فيه بثقافة لغوية واسعة، وأهم منه كتابه «عيون الأخبار» وهو يمد الكاتب فيه بكنوز الثقافات التى تسعفه فى مادة عمله.

وابن قتيبة يعدّ أكبر مؤلف أدبى ظهر فى العصر بعد الجاحظ، وهو سنى محافظ ولذلك يكون من المنطق أن تتضح محافظته فى آرائه النقدية، غير أنه كان فيما يبدو يوازن بين النزعة المحافظة لعصره والنزعات المجدّدة المعتدلة عند الجاحظ وأمثاله من المعتزلة. ويتضح ذلك فى مقدمته الطويلة لكتابه «الشعر والشعراء» إذ نراه يعلن أنه لن ينظر إلى المتقدم من الشعراء بعين الجلالة لتقدمه ولا إلى المتأخر بعين الاحتقار لتأخره، فإن الله لم يقصر البلاغة على زمن دون زمن ولا خصّ بها قوما دون قوم. وهى نظرة منصفة، ولكنه يعود فيقول:«ليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين. . . فيقف على منزل عامر أو يبكى عند مشيّد البنيان لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر والرسم العافى، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير، أو يرد على المياه العذاب الجوارى لأن المتقدمين وردوا الأواجن والطوامى، أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد لأن المتقدمين جروا على ذكر منابت الشّيح والحنوة (1) والعرارة» وهى لا شك نظرة محافظة تستمد من الجو السنّى فى العصر الذى حل محل جوّ الاعتزال منذ فاتحة عهد المتوكل. وكانت هذه النظرة تلتقى مع النظرة السابقة التى لا تضع فى موازين القيمة الشعرية قدم الشعر وحداثته، حتى لا يكون محافظا جامد العقل، بل هو محافظ أميل إلى روح التجديد والمعاصرة. ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أنه كان أحد خصوم الشعوبية، بل كان ثانى اثنين خاضا معركة حامية مع أصحاب هذه النزعة، وعرضنا هناك لمصنّفه:«كتاب العرب أو الرد على الشعوبية» وكانت له وراء ذلك فى نفس الموضوع كتب مختلفة.

(1) الحنوة والعرارة: من أزهار البادية.

ص: 612

وأهم من هذا الموقف له ضد الشعوبية أن نجده يدخل بقوة الثقافات الأجنبية:

اليونانية والفارسية والهندية على الثقافة العربية الإسلامية، ويعمل على تكوين مزيج موحّد منها جميعا، بحيث لا يشغل أصحاب كل ثقافة بالدعوة والترويج لها، مما أحدث هذا الصراع العنيف بين الشعوبيين والعرب الذى طال عليه الأمد منذ عهد المهدى حتى عصره. وحقّا حاول ذلك الجاحظ من قبله، ولكن غلبة النزعتين الكلامية والأدبية عليه حالت دون النفوذ إلى نهاية الغاية، وكانت الثقافة اليونانية أكثر شئ يشغله، حتى ليقول:«لا يكون المتكلم جامعا لأفطار الكلام متمكنا فى الصناعة، يصلح للرياسة، حتى يكون الذى يحسن من كلام الدين فى وزن الذى يحسن من كلام الفلسفة» (1) وأشار غير مرة إلى أن كتابه «أخذ من طرف الفلسفة» . ولم يكن اليونانيون أصحاب النزعة الشعوبية فى العصر، فقد كان الفرس هم الذين يحملون علمها ويبذلون قصارى جهدهم فى الدعوة لها مشيرين دائما إلى كتب الآداب الفارسية. فكان لا بد كى يقضى على هذه النزعة الحادّة من أن تلتقى-على يد كاتب عظيم-ثقافتها وكذلك الثقافة اليونانية والهندية بالثقافة العربية الإسلامية، وتدخل جميعها فى مجرى النهر العربى الإسلامى بحيث تتلاشى فيه نهائيّا، ولا يصبح لها وجود مستقل، فوجودها جزء لا يتجزأ من وجود الثقافة العربية الإسلامية العامة.

وهو ما نهض به ابن قتيبة فى أروع صورة، إذ مضى ينسّق مختارات ومقتطفات من الآداب الفارسية، مع مقتطفات ومختارات من الآداب العربية الخالصة ومع مقتطفات ومختارات من الثقافتين الهندية واليونانية، وكانت ثمرة ذلك أربعة مجلدات ضخمة ألّفت كتابه «عيون الأخبار» ، وقد وزعه على عشرة كتب، أولها كتاب السلطان، وفيه يتحدث عن سيرته وسياسته وصحبته واختياره للعمال والقضاة والحجّاب والكتّاب، ويبدؤه بأحاديث نبوية، ثم يذكر بعض وصايا لشخصيات عربية فى الحكم وسياسة السلطان، ولا يلبث أن يقول: وقرأت فى كتاب من كتب الهند: «شر المال ما لا ينفق منه، وشرّ الإخوان الخاذل، وشرّ السلطان من خافه البرئ، وشر البلاد ما ليس فيه خصب ولا أمن. . . وخير سلطان من أشبه النّسر

(1) الحيوان 2/ 143. (2) الحيوان 1/ 11.

ص: 613

حوله الجيف لا من أشبه الجيفة حولها النسور» ويذكر أقوالا لابن مسعود وعمر بن الخطاب، ثم ينقل فصلا طويلا من كتاب اليتيمة لابن المقفع وما يصوّر من الأدب الأخلاقى فى عهد ملوك الفرس الساسانيين، ثم يقول:«وقرأت فى التاج (وهو فى سيرة أنوشروان) لبعض الملوك: هموم الناس صغار وهموم الملوك كبار، وألباب الملوك مشغولة بكل شئ يجلّ، وألباب السّوق مشغولة بأيسر الشئ» .

ويعود إلى النقل عن بعض النابهين من العرب، ثم يقول:«وقرأت فى بعض كتب العجم كتابا لأردشير بن بابك إلى الرعية، وينقل الكتاب جميعه، ويعقب عليه بكتاب من أرسططاليس إلى الإسكندر وفيه: «املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها، فإن طلبك ذلك منها بإحسانك، هو أدوم بقاء منه باعتسافك، واعلم أنك إنما تملك الأبدان، فتخطّها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أن الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت على أن تفعل، فاجهد ألا تقول تسلم من أن تفعل» . ويتلو ذلك بقوله: «وقرأت فى كتاب الآيين (فى أنظمة الملك والدولة الساسانية) أن بعض ملوك العجم قال فى خطبة له: «إنى إنما أملك الأجساد لا النيات، وأحكم بالعدل لا بالرضا، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر» ويذكر أخبارا عن أنوشروان ومعاوية وعبد الملك بن مروان وعمر الفاروق وعن سياسة الحجاج فى رعيته، ثم يقول:«وقرأت فى كتاب التاج: قال أبرويز لابنه شيرويه وهو فى حبسه: «لا توسعنّ على جندك فيستغنوا عنك، ولا تضيّقنّ عليهم فيضجّوا منك، أعطهم عطاء قصدا، وامنعهم منعا جميلا، ووسّع عليهم فى الرجاء، ولا توسّع عليهم فى العطاء» . ويروى عن عمر بن الخطاب «إن للناس نفرة عن سلطانهم، فأعوذ بالله أن تدركنى وإياك عمياء مجهولة وضغائن محمولة، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران: أحدهما لله والآخر للدنيا فآثر نصيبك من الله، فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى. . . وإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة بهيمة مرّت بواد خصب فلم يكن لها همّ إلا السّمن، وإنما حتفها فى السّمن» . ثم أخبار عن عبد الله بن الزبير فى الرعية، ولا يلبث أن يقول:

وفى كتاب من كتب العجم أن أردشير قال لابنه: «يا بنىّ إن الملك والدين أخوان لا غنى بأحدهما عن الآخر، فالدين أسّ والملك حارس، وما لم يكن له أسّ فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع» ثم يذكر صفات ذميمة لا يصح

ص: 614

أن تكون فى السلطان. ويتحدث عن اختيار العمال ويختم حديثه بقوله: قرأت فى كتاب للهند «السلطان الحازم ربما أحبّ الرجل فأقصاه واطّرحه مخافة ضرّه، فعل الذى تلسع الحية إصبعه، فيقطعها لئلا ينتشر سمّها فى جسده، وربما أبغض الرجل فأكره نفسه على توليته وتقريبه لغناء يجده عنده كتكاره المرء على الدواء البشع لنفعه» . ويعرض لصحبة السلطان وآدابها وتغير السلطان وتلونه، ويقول:

«قرأت فى كتاب للهند: صحبة السلطان على ما فيها من العز والثروة عظيمة الخطار. وإنما تشبّه بالجبل الوعر فيه الثمار الطيبة والسباع العادية، فالارتقاء إليه شديد، والمقام فيه أشد. . . ولا خير فى الشئ الذى فى سلامته مال وجاه، وفى نكبته الجائحة والتلف» . وينقل عن بعض العرب ورجالاتهم وعن آداب ابن المقفع وعن بعض النساك والمعتزلة والوعّاظ وعن بعض كتبه التى كتب بها إلى الحكام والوزراء وعن بعض الكتاب وعن أبرويز فى بعض ما كتب به إلى ابنه شيرويه وعن بعض رجال الحكم من العرب، ويستشهد ببعض الأشعار للقطامى وبشار وغيرهما، ويعرض لخيانات العمّال، وينقل من كتاب التاج: أن أبرويز قال لصاحب بيت المال: «إنى لا أحتملك على خيانة درهم، ولا أحمدك على حفظ ألف ألف درهم، لأنك إنما تحقن بذلك دمك وتعمر به أمانتك، فإنك إن خنت قليلا خنت كثيرا» . ويكثر فى فصل القضاء المعقود فى هذا الكتاب من النقل عن العرب وأحكام الإسلام، ويروى كتاب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى فى القضاء، وهو دستور عظيم فى عدالة القضاء ونزاهته. وتتوالى فصول عن الأحكام والشهادات والظلم، وفيها يكثر من النقل عن العرب نثرا وشعرا، ويعود فى الفصول التالية إلى النقل عن كتب الهند والفرس.

والكتاب الثانى كتاب الحرب، وفيه يتكلم عن آدابها ومكايدها وأوقاتها وحيلها وعددها وسلاحها، ويبدؤه بحديث عن الرسول عليه السلام وببعض وصايا أبى بكر وعمر للجيوش وقوّادها عند عقد الألوية، ويذكر بعض ما قرأ فى كتب العجم والهند، ومما قرأه فى الأخيرة: «الحازم يحذر عدوه فى كل حال، يحذر المواثبة إن قرب، والغارة إن بعد، والكمين إن انكشف، والاستطراد إن ولّى، والمكر إن رآه وحيدا، ويكره القتال ما وجد بدّا، لأن النفقة فيه من الأنفس، والنفقة فى

ص: 615

غيره من المال». ويذكر بعض حيل الفرس والعرب فى الحرب، ويتحدث عن آداب الفروسية عند الأمتين، ويفيض فى الحديث عن الشجعان وإنشاد الشعر الحماسى.

والكتاب الثالث كتاب السؤدد، ويتكلم فيه عن مخايله وأسبابه، ويعرض لجوانب كثيرة من الشرف والأخلاق الرفيعة، ويفتح فيه فصلا للمزاح والرخصة فيه، ويدعو إلى التوسط فى الدين والحلم والعقل والغنى والإنفاق، وكأنه يتأثر بنظرية الأوساط المعروفة عند أرسططاليس. ويفرد الكتاب الرابع للطبائع والأخلاق المذمومة من مثل الحسد والغيبة والسعاية، وفيها يقول: وقرأت فى كتاب للهند:

«قلما يسنع القلب من القول إذا تردّد عليه، فإن الماء ألين من القول، والحجر أصلب من القلب، وإذا انحدر عليه وطال ذلك أثّر فيه، وقد تقطع الشجرة بالفئوس فتنبت، ويقطع اللحم بالسيوف فيندمل، واللسان لا يندمل جرحه والنصول تغيب فى الجوف فتنزع، والقول إذا وصل إلى القلب لم ينزع، ولكل حريق مطفئ: للنار الماء. وللسم الدواء، وللحزن الصبر. وللعشق الفرقة، ونار الحقد لا تخبو» . ويذكر أن واشيا وشى برجل إلى الإسكندر فقال له:

«أتحب أن أقبل منك ما قلت فيه على أن أقبل منه ما قال فيك؟ قال: لا، قال فكفّ عن الشّرّ يكفّ عنك الشر» ، وينقل فى هذا الكتاب عن كثيرين من العرب شعرا ونثرا. ويستطرد إلى الحيوانات وطبائعها متأثرا بالجاحظ، ويعرض للحشرات وينقل فيها عن أطباء العصر، كما يعرض للنبات. ويعقد الكتاب الخامس للعلم والبيان، ويستهله بحديث عن الرسول ويقول: فى كتاب للهند: العالم إذا اغترب معه من علمه كاف كالأسد معه قوته التى يعيش بها حيث توجّه، ويذكر عن بزرجمهر أنه قيل له: بم أدركت ما أدركت من العلم؟ فقال ببكور كبكور الغراب، وحرص كحرص الخنزير، وصبر كصبر الحمار» ويذكر عن أفلاطون أنه قال:«لولا أن فى قول لا أعلم سببا لأنى أعلم لقلت إنى أعلم» .

ويروى بعض كلمات للمسيح عليه السلام، ويفتح فصولا للقرآن الكريم والحديث الشريف والفرق والأهواء فى الدين، ويعرض لبعض صور الكلام والشعر، كما يعرض طائفة كبيرة من الخطب منذ الرسول عليه السلام إلى المأمون.

ص: 616

والكتاب السادس كتاب الزهد، وفيه تبرز بجانب مواعظ كبار النسّاك والوعّاظ والزهاد المسلمين ثقافة ابن قتيبة الدينية لا الإسلامية وحدها، بل أيضا ثقافته بالكتب السماوية وكيف أنه عكف عليها وعلى كل ما يتصل بها يقرأ وينقل، تارة مما كتبه أمثال وهب بن منبه عما أوحى الله عز وجل إلى أنبيائه. وينقل من التوراة ومن الإنجيل، من ذلك قوله:«قرأت فى الإنجيل: لا تجعلوا كنوزكم فى الأرض حيث يفسدها السوس والدود وحيث ينقب السرّاق ولكن اجعلوا كنوزكم فى السماء، فإنه حيث تكون كنوزكم تكون قلوبكم» ويذكر أن رجلا من الحواريين قال للمسيح: أتأذن لى أن أدفن أبى؟ فقال له: دع الموتى يدفنون موتاهم. ويذكر له دعاء طويلا حين أخذه اليهود ليصلبوه بزعمهم فرفعه الله إليه، كما يذكر دعاء لداود وتحميدا طويلا ودعاء ليوسف، ويروى عن المسيح أنه قال: حبّ الدنيا أصل كلّ حطيئة، والمال فيها داء؛ قيل: ما داؤه؟ قال: لا يسلم صاحبه من الفخر والكبر، قيل وإن سلم؟ قال: يشغله إصلاحه عن ذكر الله. وبذلك يكون ابن قتيبة قد أضاف إلى الثقافة الإسلامية ثقافة عامة بالكتب السماوية وأقوال أنبيائها المرسلين. والصلة بين هذا الكتاب وكتاب الزهد فى البيان والتبيين للجاحظ واضحة.

والكتاب السابع كتاب الإخوان، وفيه يتحدث عن اختيارهم وما ينبغى أن يكون بينهم من الوشائج والصلات والاشتراك فى السّرّاء والضّرّاء.، وتلقانا من حين إلى حين نقول عن بعض كتب الهند أو بعض ملوك العجم، كما تلقانا أحاديث نبوية وأشعار وأخبار ونصائح ووصايا على ألسنة كثيرين من رجال العرب النابهين.

والكتاب الثامن كتاب الحوائج واستنجاحها والمواعيد وتنجّزها، ويظل فيه ينقل عن كتب العجم مثل قول بزرجمهر:«إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق، فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق فإنها لا تبقى» . والكتاب التاسع كتاب الطعام وفيه يعرض صنوفه وأخبار العرب فى مآكلهم وآداب الطعام والضيافة وأخبار البخلاء وأوانى الأكل والحمية وشرب الدواء والتّخمة والمياه والأشربة ومنافع بعض النباتات والبقول. وتلقانا لفس الثقافات العربية والفارسية واليونانية، ويصرّح بأنه ينقل فى هذا الكتاب عن الجاحظ وأثر كتابه البخلاء واضح فيه، ويذكر فى الحمية عن الطبيب اليونانى جالينوس أنه قيل له: إنك تقلّ من الطعام؟ قال: غرضى من

ص: 617

الطعام أن آكل لأحيا وغرض غيرى من الطعام أن يحيا ليأكل. وبالمثل ينقل عن أبقراط اليونانى نقولا، كما ينقل عن أطباء العصر العباسى مثل ابن ماسويه وعن كتاب الآيين الأعجمى. والكتاب العاشر كتاب النساء، وفيه يتكلم عن أخلاقهن وما يقبل منهن وما يكره والجمال والقبح والمهور والزواج وسياسة معاشرتهن والجوارى والقيان ومساوئ النساء، ويحكى هنا قصة حصار أردشير لمدينة الحضر الأسطورية التى يقال إنها كانت قائمة فى الزمن القديم بين دجلة والفرات، وكيف أن فتاة ملك الحضر رأته فعشقته، وسرعان ما أرسلت إليه أن تدله على موضع يفتتح منه المدينة إن هو وعدها الاقتران بها، ووعدها، فدلته على الموضع، ودخل المدينة هو وجنوده.

ولعل فيما قدمنا ما يصور بوضوح كيف مزج ابن قتيبة بين الثقافات العربية والإسلامية والفارسية والهندية واليونانية، وكذلك ثقافة أهل الكتاب، فكل الثقافات الأجنبية والعربية من مدنية ودينية استحالت عنده إلى هذه الصورة الجديدة التى نقرؤها فى عيون الأخبار. وبلغت هذه الصورة من النجاح أنه خفت صوت الشعوبية، فإن الكنوز التى كانت تباهى بها تحولت إلى عالم العروبة على يد ابن قتيبة وأصبحت من لبّه، بحيث لم يعد هناك مجال للفخر بها، إذ لم تعد مستقلة ولم تعد تشقّ لنفسها جداول تجرى فيها وحدها، فقد صبّت فى نهر العروبة الكبير وذابت فيه، أذابها ابن قتيبة ببصيرته النافذة وقلمه الباهر، وأكبر الدلالة على ذلك لا تضاؤل صوت الشعوبية تضاؤلا شديدا مع السنين فقط، بل أيضا أنا لا نعود نسمع عن ترجمات لكتابات الفرس الأدبية والتاريخية، فقد أصبحت غير ذات موضوع بعد أن تناولت الأيدى كتاب عيون الأخبار، وبعد أن أصبح المصدر الأساسى لكل من يريد التعرف على الآداب الفارسية وما يمكن أن يفيده الأدب العربى منها ومن الثقافتين الهندية واليونانية وثقافة أهل الكتب السماوية. فكل ذلك قد أصبح تحت أيدى العرب وأبصارهم، ولم يعودوا فى حاجة إلى مزيد منه، ولذلك لم يهتموا فيما بعد بما دوّن الفردوسى فى الشاهنامة من شعر قصصى ولا بما كتب حافظ الشيرازى وغيره من شعر صوفى. وكان من آثار ذلك أن أعداء العرب لم يعودوا يوصفون بوصف الشعوبية والزندقة معا، فقد أصبحوا غالبا يوصفون بالزندقة والإلحاد

ص: 618

فحسب، وشاع ذلك على ألسن العرب وعلمائهم منذ أواخر القرن الثالث الهجرى، مصوّرين بذلك بواعثهم وحقائقهم النفسية.

ولا نغلو إذا قلنا إن من أهم الأسباب فى أن كتاب عيون الأخبار أخذ هذه المكانة الممتازة أسلوب ابن قتيبة فيه، فإن كل هذه المواد الثقافية التى نسّقها سبكها فى أسلوب أدبى رائع، أسلوب يمتاز بوضوحه واصطفاء ألفاظه والمزاوجة بينها على طريقة الجاحظ أحيانا، وأحيانا يسترسل دون محاولة الازدواج، ولكن مع العناية باختيار الكلمات والملاءمة بينها بحيث لا تجد فيها أى نشاز ولا أى اضطراب أو انحراف، فقد كانت اللغة مرنة فى يده، وكان لا يتأبّى عليه أى لفظ، ولا تستعصى عليه أى كلمة. وبهذا الأسلوب المتناسق وما يجرى فيه من استواء صنّف كتابه عيون الأخبار جميعه، بحيث غدا كأنه مصبوب فى قوالب متماثلة، قوالب تستريح لها الأذن، وتجد فيها القلوب والعقول متاعا لا ينفد، واقرأ سطوره الأولى فى المقدمة، فإنها تطرد على هذا المنوال:

«الحمد لله الذى يعجز بلاؤه صفة الواصفين، وتفوت آلاؤه عدد العادّين، وتسع رحمته ذنوب المسرفين، والحمد لله الذى لا تحجب عنه دعوة، ولا تخيب لديه طلبة. ولا يضل عنده سعى، الذى رضى عن عظيم النعم بقليل الشكر، وغفر بعقد الندم كبير الذنوب، ومحا بتوبة الساعة خطايا السنين. والحمد لله الذى ابتعث فينا البشير النذير السراج المنير، هاديا إلى رضاه وداعيا إلى محبّته، ودالاّ على سبيل جنّته. ففتح لنا باب رحمته، وأغلق عنا باب سخطه. . . أما بعد فإن لله فى كل نعمة أنعم بها حقّا، وعلى كل بلاء أبلاه زكاة، فزكاة المال الصدقة، وزكاة الشرف التواضع، وزكاة الجاه بذله، وزكاة العلم نشره، وخير العلوم أنفعها، وأنفعها أحمدها مغبّة، وأحمدها مغبّة ما تعلّم وعلّم لله وأريد به وجه الله تعالى» .

وهذه القطعة فى مستهلّ الكتاب تصور ضربا من العناية بالألفاظ فيه يشبه عناية الجاحظ، فالجاحظ يعمد إلى الازدواج أو العبارات المتقابلة، وقد يجرى السجع على لسانه فى غير تكلف بالضبط كما نرى الآن عند ابن قتيبة. والعبارات الأخيرة التى ردّد فيها ابن قتيبة كلمة الزكاة، وتعقّب فيها الكلمة الأخيرة وردّدها

ص: 619

كما فى كلمة «أنفعها» و «أحمدها» هذا الأسلوب بعينه نجده عند الجاحظ، وكأن ابن قتيبة تمثّل أسلوبه بجميع خصائصه ونمضى معه فى المقدمة، فنراه يقول:

«وهذه عيون الأخبار نظمتها لمغفل التأدّب تبصرة، ولأهل العلم تذكرة، ولسائس الناس ومسوسهم مؤدّبا، وللملوك مستراحا، وصنّفتها أبوابا، وقرنت الباب بشكله، والخبر بمثله، والكلمة بأختها، ليسهل على المتعلم علمها، وعلى الدارس حفظها، وعلى الناشد طلبها، وهى لقاح عقول العلماء، ونتاج أفكار الحكماء، وزبدة المخض، وحلية الأدب، وثمار طول النظر، والمتخيّر من كلام البلغاء، وفطن الشعراء، وسير الملوك، وآثار السلف» .

ولو أننا لم نعرف أن ابن قتيبة هو الذى كتب هذا الكلام، وسئلنا عن صاحبه لأجبنا توّا الجاحظ، إذ نشعر كأنما فصل من أسلوبه بخواصه من الموازنات والمعادلات بين العبارات، بحيث تتقابل الكلمات فى صفوف، وكل كلمة كأنما تمسك بمثيلتها فى العبارة التالية، وكل عبارة كأنما تصافح أختها السابقة، فهى على وتيرتها ومن نفس جنسها ونوعها، وكان هذا يحدث تماسكا شديدا فى أسلوب الجاحظ، لولا ما يداخله أحيانا من استطراد. أما عند ابن قتيبة فلا استطراد ولا خروج من دائرة الفكرة التى يعالجها، وكتابته من هذه الناحية مرتّبة مبوّبة فى أدقّ نسق. ويكفى أن ننظر فى فهرس عيون الأخبار فسنرى الكتاب من كتبه العشرة يفتح، ولكل كتاب فصوله المترابطة معه، وكأنها حلقات فى سلسلة متتابعة وليس فى داخلها ما يوهن العلاقات المنطقية بين الكلام، بل لكأنما الكتاب خيط ممتدّ أحكمت فصوله ونسّقت مواده تنسيقا دقيقا. وابن قتيبة يخطو بالتأليف الأدبى من هذه الناحية بعد الجاحظ خطوات واسعة، إذ لا يسمح لأى فصل داخلى فى كتاب فضلا عن الكتاب نفسه بأى استطراد يخلخل الكلام أو يفقده سياقه. ولكن إذا كان قد تفوّق على الجاحظ من حيث نسق التأليف فإن الجاحظ يتفوق عليه فى وصله الأدب بمجتمعه، على نحو ما صوّرنا من صنيعه فى هذا الجانب. وحقّا نجد عند ابن قتيبة أشعارا معاصرة له، ولكنه لم يحك أخبار الخلفاء والوزراء الذين عاصرهم على نحو ما حكى الجاحظ، ولا حكى أخبار

ص: 620

طبقات المجتمع وخاصة الطبقة العامة. وهو لذلك لا يعدّ كاتبا واقعيّا على نحو ما يعدّ الجاحظ، وإن كان قد حاول أحيانا أن يقتفى أثره. ومرّ بنا أنه بلغ من واقعية الجاحظ أنه لم يكن يجد أى حرج فى أى شئ يخجل منه المتزمتون، حتى العورات كان لا يرى فى ذكرها أى بأس ما دام الكلام يستلزم ذكرها، ويتابعه ابن قتيبة فى تقديمه لعيون الأخبار قائلا:«إنما مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين، وإذا مرّ بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو وصف فاحشة فلا يحملنّك الخشوع أو التخاشع على أن تصعّر خدّك، وتعرض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم فى شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب» .

ومع ذلك فإنه لم يبلغ مبلغ الجاحظ فى صراحته، إذ كان فى حقيقته محافظا متزمّنا لا يستطيع أن يترك لنفسه-مثل الجاحظ-العنان فى الصراحة دون أى مواربة.

ومرّ بنا أن الجاحظ كان يجعل خلط الجد بالهزل خاصة قوية من خصائص كتابته، ومع أن ابن قتيبة كان من أهل السنّة المحافظين الذين يأخذون أنفسهم بالجد والوقار نراه فى مقدمته لعيون الأخبار يعلن أنه سيأخذ بهذا المنهج فى كتابته، يقول:

«ولم أخله من نادرة طريفة، وفطنة لطيفة، وكلمة معجبة، وأخرى مضحكة. . لأروّح بذلك عن القارئ من كدّ الجدّ وإتعاب الحق، فإن الأذن مجّاجة، وللنفس حمضة، والمزح إذا كان حقّا أو مقاربا، ولأحايينه وأوقاته، وأسباب أوجبته مشاكلا، ليس من القبيح ولا من المنكر ولا من الكبائر ولا من الصغائر إن شاء الله. وسينتهى بك كتابنا هذا إلى باب المزاح والفكاهة وما روى عن الأشراف والأئمة فيهما، فإذا مرّ بك أيها المتزمت حديث تستخفه أو تستحسنه أو تعجب منه أو تضحك له فاعرف المذهب فيه وما أردنا به» .

وإذا انتهينا-كما يقول ابن قتيبة-إلى باب المزاح والفكاهة وهو من أبواب كتاب السؤدد لاحظنا توّاأن فكاهاته ونوادره من طراز آخر غير طراز الجاحظ، فمنها كثير لا يثير ابتساما، وما يثير الابتسام قليل جدّا، ويكفى أن يقول إنها مما روى عن الأشراف والأئمة لنعرف مقدّما أنها نوادر وفكاهات يمسح عليها الوقار وأنه يندر أن ترتسم معها ابتسامة على الشفاء. ونسوق منها هذه النوادر عن الشّعبىّ (من علماء الكوفة) لتعرف طوابعها ومدى ما فيها من المزاح:

ص: 621

«دخل رجل على الشعبى ومعه فى البيت امرأة، فقال لهما: أيكما الشعبى، فأجابه الشعبى: هذه. وسأل سائل الشعبى عن لحم الشيطان هل يجوز أكله؟ فأجابه: نحن نرضى منه بالكفاف. ودخل على الأعمش زميله يعوده فى مرض، ونظر من حوله إلى المنزل وما فيه من أثاث بسيط، ثم قال له: أما أنت فتعرف فى منزلك أنك لست من أهل القريتين (مكة والطائف) عظيما» .

وأين هذه النوادر، من نادرة المعلم الأحمق التى رويناها آنفا، والتى مثّل فيها الجاحظ حمقه تمثيلا هزليّا مضحكا؟ . ولا ريب فى أن هذا يرجع إلى اختلاف مزاج الشخصيتين، فالجاحظ أديب فكه بطبعه متحرر من كل قيد، يضحك وتستغرق فى الضحك ولا تستطيع أن تعود منه وتستردّ نفسك إلا بعد ضحك عريض، وابن قتيبة أديب وقور تغلب عليه المحافظة وإن حاول التجرر، ويغلب عليه استشعار الجد، وكأنه إذا هزل أو تندّر خرج عن طبعه، أو قل كأنه إنما كان يريد أن يتشبه بالجاحظ. ومن بقية هذا التشبّه عنده فى باب النوادر والمزاح أن نراه يزعم فى تقديمه لكتاب العيون أنه سيحكى النوادر العامية بلفظها وبما فيها من لحن، ومرّ بنا كلام الجاحظ فى هذا الموضوع وأنه ينبغى أن تظل النادرة العامية بصيغتها ولحّنها وإلا ضاع ما فيها من فكاهة إذا انقلبت ألفاظها من العامية إلى الفصحى وتبدّلت صورتها الفكهة، ويقول ابن قتيبة محتجّا لذلك: «اللّحن إن مرّ بك فى حديث من النوادر فلا يذهبنّ عليك أنا تعمدناه وأردنا منك أن تتعمده، لأن الإعراب ربما سلب بعض الحديث حسنه، وشاطر النادرة حلاوتها، وسأمثل لك مثالا، قيل لمزبّد المدينى (المضحك) -وقد أكل طعاما كظّه (أتخه) -قى (قئ) فقال:

ما أقى، أقى نقا (مخّا) ولحم جدى! مرتى طالق لو وجدت هذا قيّا لأكلته. ألا ترى أن هذه الألفاظ لو وفيت بالإعراب والهمز حقوقها لذهبت طلاوتها، ولاستبشعها سامعها». والنادرة نفسها التى تمثّل بها ابن قتيبة ثقيلة وتدلّ-هى وما سبقها بوضوح-على أنه من مزاج آخر غير مزاج الجاحظ.

والجاحظ فى الواقع قمة بعيدة المنال فى الأدب العربى كله، ومن الظلم لابن قتيبة أن نزنه به ونقيسه إليه، فقد كان فريدا فى عصره والعصور السابقة جميعها، ويكفى ابن قتيبة مجدا أدبيا أسلوبه الواضح الناصع الذى وصفناه وأنه أخرس إلى الأبد

ص: 622