الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحمدونى
(1)
اسمه إسماعيل بن إبراهيم الحمدونى، جدّه حمدويه صاحب الزنادقة لعهد الرشيد الذى كان يتعقبهم ويأمر بحبسهم أو محاكمتهم، ونجد أبناءه وأحفاده فى أواخر العصر العباسى الأول وفى هذا العصر يخدمون الخلفاء ويتخذونهم ندماء لهم. وعرف إبراهيم أبو اسماعيل بأنه كان ينادم المعتصم ثم الواثق ثم المتوكل، وكان ابنه أحمد على غراره نديما للمتوكل ثم للمستعين. ولا نشك فى أن إسماعيل كان على شاكلة أخيه وأبيه ينادم الخلفاء. وكل شئ فيه كان يعدّه لهذه المنادمة، إذ كان فكها خفيف الروح، وكان شاعرا، وصاحب قصص وأخبار ونوادر مضحكة، واتجه بشعره إلى الهجاء، ولكن أى هجاء؟ الهجاء الذى يلسع لسع الإبر من مثل قوله فى سعيد بن حميد حين ولى رياسة ديوان الرسائل سنة 249 ساخرا منه ومن ملابسه الديوانية الجديدة:
لبس السيف سعيد بعد ما
…
عاش ذا طمرين لا نوبة له
إن لله لآيات وذا
…
آية لله فينا منزله
فقد جرّده من كل استحقاق للوظيفة وزيّها والسيف الذى كان يتقلده من يشغلها لعصره. فهو خلو من كل كفاءة، حتى ليعد تعيينه فيها معجزة لله لا يعلم سرها سواه. وكان سعيد ممن أتقنوا فن الكتابة لعصره وبلغوا فيه شأوا بعيدا. ومن هجائه اللاذع قوله فى بغيض:
سألتك بالله إلا صدقت
…
وعلمى بأنك لا تصدق
أتبغض نفسك من بغضها
…
وإلا فأنت إذن أحمق
(1) انظر فى الحمدونى وأخباره وأشعاره طبقات الشعراء لابن المعتز ص 371 وفوات الوفيات 1/ 24 والأغانى 12/ 61 وترجمة أخيه أحمد فى معجم الأدباء 2/ 217 وتاريخ الطبرى 9/ 264 والعقد الفريد (طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة) 2/ 298 و 3/ 24، و 5/ 343 و 7/ 287 وديوان المعانى 1/ 278 وزهر الآداب 233 وما بعدها
فهو خليق بأن يشترك مع مبغضيه فى بغض نفسه، وكأنما أصبح تمثالا للبغض الكريه، لا عند الناس فحسب، بل أهم من ذلك عند نفسه. ويا ويل من كان يسلّط عليه سهام هجائه. فإنه كان ما ينى يرسلها عليه. وحدث أن ممدوحه أحمد بن حرب المهلبى الذى طالما دبّج فيه مدائحه وهب له طيلسانا أخضر لم يرضه، فمضى ينظم فى طيلسانه مقطوعات. وكلما فرغ من مقطوعة نظم مقطوعة جديدة حتى أكملها خمسين مقطوعة طارت على ألسنة الأدباء والناس فى عصره كل مطار منها:
يا بن حرب كسوتنى طيلسانا
…
ملّ من صحبة الزمان وصدّا
إن تنفّست فيه ينشقّ شقّا
…
أو تنحنحت فيه ينقدّ قدّا
طال ترداده إلى الرّفو حتى
…
لو بعثناه وحده لتهّدى
وألذع الأبيات البيت الأخير، بل كلها لاذعة، فالطيلسان أكل الدهر عليه وشرب، حتى لكأنما ملّ صحبة الدهر، فقد آن له أن يبلى ويستريح، وإن أى حركة فيه لتمزّقه إربا، وكل يوم ينخرق فيه خرق ويذهب به إلى دكان الرّفاء، حتى لو بعث به إليه لعرف الطريق من طول ترداد سيره فيه. وتنوّع هجاؤه لهذا الطيلسان القديم البالى، فهو تارة يضمنه بعض ألفاظ قرآنية من مثل قوله:
طيلسان لابن حرب جاءنى
…
خلعة فى يوم نحس مستمرّ
فإذا ما الريح هبّت نحوه
…
طيّرته كالجراد المنتشر
وقوله:
فيما كسانيه ابن حرب معتبر
…
فانظر إليه فإنه إحدى الكبر
قد كان أبيض ثم ما زلنا به
…
نرفوه حتى اسودّ من صدإ الإبر
وتتوالى ألفاظ القرآن فى الأبيات كما هو واضح فى ألفاظ: {(فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ)} و (ك {الْجَرادَ} ال {مُنْتَشِرٌ)} و {(إِحْدَى الْكُبَرِ)} . وكان يعرف كيف يضع اللفظة والآية القرآنية فى مكانها السوىّ. وتارة كان يضمّن هذا الهجاء بعض أبيات شعرية من مثل قوله:
وهبت لنا ابن حرب طيلسانا
…
يزيد المرء ذا الضّعة اتّضاعا
ولست أشكّ أن قد كان قدما
…
لنوح فى سفينته شراعا
وقد غنّيت إذ أبصرت منه
…
جوانبه على تدنى تداعى
«قفى قبل التفرّق يا ضباعا
…
ولا يك موقف منك الوداعا»
وسخرية مرة أن يزعم أن هذا الطيلسان العتيق كان شراعا لسفينة نوح فى أعتق الأزمنة، وصوّر نفسه ملتاعا إزاء تداعيه على جسده نفس لوعة القطامى التى اشتعلت فى صدره عند فراقه لصاحبته «ضباعة» . وقطع كثيرة كان يتغنى فى نهايتها بأبيات على شاكلة بيت القطامى تصور أساه، ودائما يعرف كيف يختارها، مما جعل القدماء يقولون إنه كان يحسن التضمين فى شعره سواء لأبيات الشعر أو للألفاظ والآيات القرآنية. ومرّ بنا فى غير هذا الموضع أن سعيد بن أحمد بن خوسنداذ أهداه شاة هزيلة فمضى يكثر من نظم مقطوعات كثيرة فى تلك الشاة مصورا هزالها وبؤسها، صانعا نفس ما صنعه بهجاء طيلسان ابن حرب من التضمين لأبيات الشعر المشهورة فى الغزل والحب، من مثل قوله:
مرّت على علف فقامت لم تسر
…
عنه وغنّت والمدامع تسجم
«وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى
…
متأخّر عنه ولا متقدّم»
والبيت الثانى من قطعة فى الغزل مشهورة لأبى الشيص كان يعجب بها معاصره أبو نواس إعجابا شديدا. وعلى الرغم مما كانت منادمة الخلفاء توفّره له من أموال كان يدعى الحاجة وأنه مقتّر عليه فى الرزق، وله يشكو ضيق عيشه. بينما غيره موسّع له فى الرزق ينعم أسباب الترف والنعم.
من كان فى الدنيا له شارة
…
فنحن من نظّارة الدّنيا
نرمقها من كثب حسرة
…
كأننا لفظ بلا معنى
وله قصيدة رواها ابن عبد ربه فى العقد الفريد نظمها معارضة للامية تأبط شرا المشهورة، وفيها يتحدث عن حبه وفتوته وعزمه ومضائه وبأسه وشجاعته من مثل قوله:
هو سيف غمده بردتاه
…
ينتضيه الحزم حين يسلّ
لا يشك السمع حين يراه
…
أنه بالبيد سمع أزلّ (1)
وألفاظه فى القصيدة وقوافيه تلتقى مع قوافى تأبط شرا وألفاظه، وكأنما قصد إلى ذلك قصدا يريد تضمين قصيدته نفس كلماته. وله فى الغزل قطع تصور حبه ولوعته فيه وظمأه إلى رؤية محبوبته وما قد يصلاه من عذاب الهجر ونيرانه، وله فى وصف طروق طيف الخيال فى المنام قطعة جيدة يقول فى تضاعيفها:
وصل الحلم بيننا بعد هجر
…
فاجتمعنا ونحن مفترقان
وكأن الأرواح خافت رقيبا
…
فطوت سرّها عن الأبدان
ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور خصب شاعريته، ومن أكبر الدلالة على ذلك القطع الكثيرة التى أنشدها فى هجاء شاة سعيد وطيلسان ابن حرب، وكأنه كان يستمد من نبع لا ينضب رصيده.
(1) السمع: الذئب. الأزل: المتولد بين ذئب وضبع