الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 - شعراء الزهد والتصوف
هذه الموجة من اللهو والمجون إنما كانت مقصورة على البيئات المترفة التى أفسدها الترف وعلى الحانات والأديرة ومن كان يختلف إليها من الناس والشعراء؛ ولم يكونوا يؤلفون إلا شطرا ضئيلا من الجمهور. أما شطور الجمهور الأخرى فلم تكن تعرف الترف ولا كانت تنغمس فى الخمر والإثم، إنما كانت تعرف شظف العيش وتعرف تقوى الله وتجد فيها ما يعينها على احتمال أعباء الحياة، مما جعلها تنصرف إلى سماع الوعاظ فى المساجد ببغداد وغير بغداد وسماع أهل الحديث والفقه والتفسير. وكانت دائما تدوّى فى آذانهم كلمات الوعاظ والنسّاك وما يدعون إليه من رفض الدنيا ومتاعها الآثم والتفكير فى مصير الإنسان وما ينتظره من ثواب وعقاب فى الآخرة. وكان هؤلاء النساك والوعاظ كثيرين كثرة مفرطة، وكان لكثير منهم حلقات فى المساجد يستدير الناس من حولهم فيها لسماع ما يتحدثون به عن الوعد والوعيد وعذاب النار ونعيم الجنان والمحشر وما يكون فيه من أهوال. وفى كل مكان نجد بينهم قصّاصا يقصّون على الناس من سير الأنبياء والأمم الداثرة ما يدفعهم دفعا إلى العمل الصالح. وتقرأ ترجمات هؤلاء القصاص والوعاظ فتحس فيهم إيمانا صادقا وورعا مخلصا، وكانوا كلما عرض خليفة أو وال على شخص منهم عملا أو منصبا رفضه فى إصرار، مؤثرا حياته الخشنة على اللباس الليّن والطعام الطيب والماء البارد. حياة كلها خشوع وزهد واحتقار لمتاع الدنيا فى جانب ما أمّل من متاع الآخرة. وظل نفر منهم يرافق الجيوش فى الثغور واعظا وقاصّا ومذكرا بما أعدّ الله للمجاهدين والمستشهدين من ثواب عظيم، على نحو ما هو معروف عن أبى العباس الطبرى المتوفى سنة 335، وكان من أخشع الناس قلبا إذا قصّ، ويروى عن موته أنه قص على الناس بطرسوس (من ثغور الشام) فأدركته روعة مما كان يصف من جلال الله وعظمته وملكوته فخرّ مغشيّا عليه من الموت (1).
(1) طبقات الشافعية للسبكى 3/ 59.
ولا نبالغ إذا قلنا إن القصاص والوعاظ جميعا كانوا من هذا الطراز، وكانوا لذلك قريبين من قلوب العامة، وقد استطاعوا أن ينشروا موجة حادة من الزهد، لا فى الطبقة العامة وحدها، بل أيضا فى الطبقات الأرستقراطية، على الأقل من حين إلى حين، كأن نرى واعظا يقف بين يدى هذا الخليفة أو ذاك محذرا من الظلم وعواقبه وداعيا إلى الإقبال على ما عند الله ونبذ متاع الحياة الزائل، أو مخوفا منذرا بالموت وما بعده من العذاب الأليم والنعيم المقيم. وطبيعى-والزهد قوت العامة فى حين كان المجون قوت الخاصة-أن يتعلق بالنظم فيه أكثر الشعراء، حتى شعراء المجون أنفسهم نرى لهم شعرا زاهدا كثيرا على نحو ما هو معروف عن أبى نواس فى العصر الماضى فقد كان الشعر الذى تتطلبه العامة والذى تجد فيه غذاء مشاعرها وعواطفها، مما جعل الشعراء ينظمون فيه قصائد ومقطوعات كثيرة. وكان الخلفاء إذا سمعوا منه شيئا غلبهم التأثر حتى لو كانوا فى مجلس شراب على نحو ما يروى عن المتوكل فإن الحمّانى نقيب العلويين فى الكوفة الذى ترجمنا له فى الفصل الماضى دخل عليه وهو فى مجلس شراب، فأنشده (1):
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم
…
غلب الرّجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم
…
فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا
…
أين الأسرّة والتّيجان والحلل
وأفصح القبر عنهم حين ساء لهم
…
تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما عمروا دورا لتحصنهم
…
ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
ومضى فى موعظته وبكى المتوكل بكاء طويلا حتى بلّت دموعه لحيته وبكى من حضره، وأمر برفع الشراب، وكأنما ثاب إلى رشده. وممن كان يكثر فى العصر من الوعظ فى شعره العتاهية وأشعار أبيه الزاهدة مشهورة، ويقول ابن المعتز عن الأب إنه كان ناسك الظاهر وكان خبيث الدين يذهب مذهب الثّنويّة، أما الابن فكان صحيح الدين ورعا وولى القضاء برهة، ويروى له موعظة حائية يستهلها بقوله (2):
(1) مروج الذهب 4/ 11.
(2)
طبقات الشعراء لابن المعتز ص 364.
أراعك شيب فى السواد يلوح
…
يبثّ بأسباب البلا وينوح
والموعظة تدور على أن الشيب ناقوس الموت. وقد بدأ يدق بقوة، فعما قليل ستزهق الروح. ويذكر المرزبانى شاعرا معاصرا للمعتز من المعتزلة، ويقول إن له أشعارا يحضّ فيها على القول بالعدل والتوحيد المبدأين المعروفين فى الاعتزال، ثم يذكر له أشعارا (1) كلها مواعظ ودعوة إلى التقوى، وتخويف من الموت وما بعده.
وقد قلنا آنفا إن شعراء اللهو ومن وراءهم من شعراء الخمر كثيرا ما نظموا فى الزهد. ولا يكاد شاعر ممن ترجمنا لهم يخلو ديوانه أو تخلو أشعاره من بعض أبيات زاهدة، وفى ديوان ابن المعتز والصنوبرى وابن الرومى زهد كثير، ولعل أحدا لم يرسم صورة الزاهد فى هذا العصر كما رسمها ابن الرومى فى قصيدة بديعة من قصائده، نكتفى منها بالأبيات التالية (2):
بات يدعو الواحد الصمدا
…
فى ظلام الّليل منفردا
فى حشاه من مخافته
…
حرقات تلذع الكدا؟ ؟ ؟
كلما مرّ الوعيد به
…
سحّ دمع العين فاطّردا
قائل: يا منتهى أملى
…
نجّنى مما أخاف غدا
وخطيئاتى التى سلفت
…
لست أحصى بعضها عددا
ويح عينى ساء ما نظرت
…
ويح قلبى ساء ما اعتقدا
وهذه الموجة الحادة من الزهد أخذت تلتقى بها منذ أواخر القرن الثانى الهجرى موجة صوفية، تعد وليدة الموجة السابقة، ومرّ بنا فى الفصل الثانى حديث مفصل عن نشأتها وتطورها ومقوماتها وكيف أنها قامت على فكرة المحبة الإلهية وما يتصل بهذه الفكرة من إنكار الذات ومن التوكل على الله توكلا خالصا. ونمضى فى العصر ويلقانا ذو النون المصرى الذى يعدّ الأب الحقيقى للتصوف، وهو أول من تكلم عن المعرفة الصوفية فارقا بينها وبين المعرفة العلمية والفلسفية التى تقوم على
(1) معجم الشعراء ص 408
(2)
ديوان ابن الرومى (نشر كامل كيلانى) ص 79 وانظر 49.
الفكر والمنطق، على حين تقوم المعرفة الصوفية على القلب والكشف والمشاهدة، فهى معرفة باطنة تقوم على الإدراك الحدسى، ولها أحوال ومقامات، ومن قوله يخاطب ربه (1):
أموت وما ماتت إليك صبابتى
…
ولا قضيت من صدق حبّك أوطارى
تحمّل قلبى فيك ما لا أبثّه
…
وإن طال سقمى فيك أوطال إضرارى
ويخلفه أبو يزيد البسطامى فيذيع فكرة الفناء فى الذات الإلهية، كما مر بنا فى غير هذا الموضع، ويقصد بها تجرد النفس عن رغباتها وقمعها لشهواتها وانمحاء إرادتها فى الإرادة الإلهية. ونمضى حتى نلتقى بالجنيد رأس الطبقة الثانية من المتصونة ونراه يعبّر عن فنائه فى الذات الربانية بمثل قوله (2):
أفنيتنى عن جميعى
…
فكيف أرعى المحلاّ
وهو الذى عمل على ترسيخ نظام الطرق والمريدين فى التصوف، وكان يكثر من العبارات والشطحات الموهمة فى مواعظه. وكان يعاصره أبو الحسن النورى، وكان شاعرا، ويكثر فى أشعاره من التعبير عن الحب الإلهى وفكرة الفناء فى الذات العلية بمثل قوله (3):
تأمّل بعين الحق إن كنت ناظرا
…
إلى صفة فيها بدائع فاطر
ولا تعط حظّ النفس منها لما بها
…
وكن ناظرا بالحق قدرة قادر
ويلقانا أبو الحسين سحنون الخوّاص، وله شعر كثير فى المحبة الربانية وما يصحبها من وجد لا يماثله وجد وشوق لا يماثله شوق، وكذلك فى فكرة الفناء المطلق فى الله بحيث لا يصبح فى المتصوف أى فضل لإحساس أى شئ من حوله، فقد فنيت فيه جميع الصفات والرغبات ولم تبق إلا رغبة واحدة هى رغبة الانمحاء فى الذات الربانية التى تملك عليه كل شئ من أمره، يقول (4):
(1) طبقات الصوفية للسلمى ص 27.
(2)
السلمى ص 156
(3)
السلمى ص 155
(4)
السلمى ص 189