الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لهذه الثقافة فى كتابه الثانى «الحيوان» فهو يقرّب هذه الثقافة من الشعب، بحيث يجد فيها لذة ومتاعا، وهو يمزج بينها وبين ما عرف عند أرسطو وغيره من علم الحيوان، ليتضح أن هذا العلم لم يكن غريبا ولا بعيدا عن العرب، بل لقد استظهروا منه كثيرا فى أشعارهم. وهو لا يقرّب هذا العلم من العامة وحده، بل يقرّب أيضا علم الكلام ونظريات أصحابه من المعتزلة أمثال النظام، بل أدق الدقائق من هذه النظريات وما حملت من براهين عقلية سديدة، وكأنما كان يريد للعامة أن تتمثل هذه البراهين حتى تتسلح عقليّا فى مناقشتها للمسائل ومحاورتها لأصحاب الملل وخاصة النصارى كما أسلفنا منذ قليل. وأما كتاب عيون الأخبار فقد عرض فى مجلداته الأربعة الثقافات المعاصرة له عرضا بسيطا سهلا، حتى يجعل قطوفها دانية للعامة، وحتى لا يظنوا-كما أشرنا إلى ذلك فى غير هذا الموضع-أن بينها تعارضا، فتلك آداب الفرس وتقاليدهم فى السياسة والحكم، وتلك وصايا العرب فى القضاء وغير القضاء وخطبهم وأشعارهم، وتلك أقوال المسيح عليه السلام وأقوال أصحاب الكتب السماوية فى الزهد، وتلك أحكام وقواعد فى الطعام والنبات والحيوان منقولة عن اليونان.
وكل ذلك يسوّى منه الكتاب فى لغة سهلة يسيرة واضحة أشد الوضوح، بحيث تتيح له أن يتغلغل فى طبقة الشعب، وبحيث يتبين فى وضوح أنه لا توجد حواجز ولا سدود بين الثقافة العربية والثقافات الأجنبية وما قد يظنّ من ذلك كله إنما هو أقواس وهمية. وبلغ من قرب هذا الكتاب من نفوس جميع طبقات الشعب الخاصة والعامة أن أكبّ الناس على ما فيه من آداب الفرس وأهملوا كل ما صوّر هذه الآداب من كتب أخرى، إذ استطاع ابن قتيبة أن يعطيها صبغة شعبية تجعلها واضحة كل الوضوح، كما استطاع أن يكسوها بأساليبه البديعة ثوبا عربيّا ناصعا، بحيث أصبحت فى ثوبها الجديد أنصع وأبهى وأنضر من ثوبها القديم.
2 - علوم الأوائل: نقل ومشاركة وتفلسف
تحدثنا فى كتاب العصر العباسى الأول عن حركة الترجمة فيه وكيف أنها شملت كل ما استطاع العرب نقله من علوم الهند والفرس واليونان، وكان أكثر ما نقلوه عن الفرس والهند فى مجال الفلك والرياضيات، ونقلوا عن اليونان
إما عن اليونانية مباشرة وإما عن السريانية والفارسية مجموعات العلوم التى تتصل بهم من الرياضيات والعلوم الطبيعية، وسرعان ما أخذوا يشاركون فى هذا التراث فإذا يوحنا بن ماسويه ينفذ إلى إضافة مباحث جديدة فى التشريح، وإذا هم يضعون لحركات الأفلاك زيجات وجداول جديدة أكثر دقة من المأثورات الفارسية واليونانية، وإذا محمد بن موسى الخوارزمى ينشئ عصرا جديدا فى التاريخ العالمى للرياضيات فيكتشف علم الجبر وقواعده ويعطيه اسمه الذى عرف به فى العالم كله.
والدولة هى التى هيأت لذلك كله منذ أبى جعفر المنصور، فقد شجعت على الترجمة والنقل بكل الوسائل، ولم يلبث هرون الرشيد أن أنشأ دار الحكمة وجلب إليها المترجمين من مدرسة جنديسابور الفارسية ومن السريان والفرس، وخلفه المأمون فاستحالت هذه الدار جامعة كبرى، إذ ألحق بها مرصدا ومكتبة ضخمة، وأرسل البعوث إلى بيزنطة وبلاد الروم تأتيه بالمأثورات اليونانية المختلفة، وأخذت هذه المأثورات تستولى على معظم النشاط فى النقل والترجمة، حتى أصبحت لها نهائيّا الغلبة على المأثورات الفارسية والهندية.
وأشرنا فى حديثنا عن الترجمة فى العصر العباسى الأول إلى ما ترجم عن اليونانية، من الأصول المختلفة، فقد ترجمت فى الرياضيات النظريات الفلكية الإغريقية ومن أهم مصنفاتها التى عنى النقلة بترجمتها كتاب المجسطى لبطليموس الإسكندرى، كما عنوا بترجمة كتاب الأصول لأقليدس فى الهندسة، وترجموا كثيرا من المؤلفات اليونانية فى العلوم الطبيعية وخاصة ما اتصل عند أرسطو بعلم الحيوان وبوصف النباتات مما يهم الصيادلة، وترجموا فى الطب مصنفات جالينوس وبقراط. وترجموا لكثيرين من اليونان غير أرسطو، فترجموا لأفلاطون وغير أفلاطون مصنفات مختلفة. ويلاحظ أن العرب استعانوا فى هذه الترجمة بالسريان، وكانوا قد نقلوا إلى لغتهم قبل الإسلام كثيرا من المأثورات اليونانية، وتصادف أن أخذ وها من علماء المذهب الأفلاطونى الجديد، مع ما أضافوه إليها من شروح اقتبسوها من آراء أفلاطون أو من الأفلاطونية الجديدة المتأثرة بفيثاغورس أو بالرواقيين. وليس ذلك فحسب، فإن السريان فيما يبدو نسبوا إلى أرسطو وأفلاطون كتبا كثيرة، ونقلت إلى العرب بهذه النسبة الخاطئة، مثل كتاب
الربوبية المنسوب خطأ إلى أرسطو ومحوره بحوث فى النفس والإنسان تمزج بقصص كثيرة وبقواعد فى السياسة والصحة والتغذية. على أن كثيرا مما نسبوه إليه صحيح وخاصة ما يتصل بالطب والحيوان والعلوم الطبيعية. وكلما تقدمنا مع الزمن كثر الاهتمام به وبترجمة آثاره، حتى غدا المعلم الأول للعرب وعلمائهم وفلاسفتهم المختلفين، وخاصة فى علم المنطق والطبيعيات، أما فى الرياضيات فكان أساتذتهم فيها فيثاغورس وبطليموس وأقليدس.
ويذهب العصر العباسى الأول، ونمضى فى العصر العباسى الثانى فنجد حركة النقل والترجمة تزداد حدة وقوة وتنمو الترجمة عن اليونانية نموا عظيما، ويتم لها الانتقال من الترجمة الحرفية التى تمتلئ بالعثرات والصعوبات اللفظية إلى ترجمة الفقر والعبارات بالمعنى ترجمة دقيقة. وهذا هو السر فى أننا نجد كثيرا فى ترجمات المترجمين أنهم أعادوا ترجمة هذا الكتاب أو ذاك مما ترجمه الحجاج بن مطر وغيره من مترجمى العصر العباسى الأول. ويخيل إلى الإنسان أنهم لم يتركوا حينئذ كتابا يونانيّا فى أصله اليونانى أو فى ترجمته السريانية إلا ترجموه إلى العربية. وكان الذى أذكى الترجمة والنقل حينئذ الأموال الضخمة التى كان يغدقها المتوكل وغيره من الخلفاء على المترجمين، ويكفى أن نذكر ما أهداه المتوكل إلى حنين بن إسحاق المتوفى سنة 264 فإنه أهداه ثلاث دور من دوره وحمل إليها كل ما تحتاج إليه من الأثاث والفرش والآلات والكتب وأنواع الستائر الأنيقة وأقطعه بعض الإقطاعات وجعل له راتبا شهريّا خمسة عشر ألف درهم غير ثلاثة خدم من الروم وغير ما أسبغه على أهله من الاموال والخلع والإقطاعات (1). وكان الوزراء بدورهم يغدقون على المترجمين أموالا كثيرة، سواء أهدوا إليهم بعض ترجماتهم أو بعض ما ألّفوه على هدى ما قرءوه فى اللغتين اليونانية والسريانية، وفى أخبار قسطا بن لوقا أنه أهدى إبراهيم بن المدبر كتابين كما أهدى الحسن بن مخلد وزير المعتمد كتابا (2). وفى أخبار إسحق بن حنين أنه كان منقطعا إلى القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد (3). وكان ثابت بن قرة لا ينقطع عن إسماعيل
(1) طبقات الأطباء لابن أبى أصيبعة (نشر مكتبة دار الحياة ببيروت) ص 270.
(2)
ابن أبى أصيبعة ص 330.
(3)
ابن أبى أصيبعة ص 274.
ابن بلبل وزير المعتمد وله ألّف مقالة فى الهندسة. (1) وكان كثير من الأطباء يكلفون المترجمين نقل كتب طبية أو كتب تتصل بالطب، يقول ابن أبى أصيبعة:«وكان مما نقلت له الكتب اليونانية وترجمت باسمه جماعة من أكابر الأطباء مثل يوحنا بن ماسويه وجبرائيل بن بختيشوع وابنه بختيشوع وداود بن سرابيون وسلمون بن بنان واليسع وإسرائيل بن زكريا بن الطيفورى وحبيش بن الحسن» (2). وكانت هناك أسر وأفراد كثيرون يعدّون أنفسهم حماة للترجمة والمترجمين، وكانوا يتنافسون فى هذه الحماية مع أنفسهم ومع الخلفاء، ذكر منهم ابن أبى أصيبعة طائفة (3)، منها على (4) بن يحيى المنجم صاحب خزانة الحكمة التى سبق أن تحدثنا عنها، وأحمد بن المدبر. وممن نوّه بهم القدماء طويلا فى هذا الجانب بنو موسى (5) بن شاكر وهم محمد والحسن وأحمد، وكان الأول والثانى يشغفان بالهندسة فى حين شغف الثالث بالحيل (الميكانيكا) وكان لهم مرصد أسسوه على دجلة، وكانوا يغدقون رواتب شهرية على جماعة من المترجمين بينهم حنين بن إسحق وحبيش ابن أخته وثابت بن قرة، ويقال إنها كانت تبلغ فى الشهر خمسمائة دينار (6). وكل هذا الاهتمام بالترجمة والإنفاق عليها والتنافس فيها أحدث ازدهارا عظيما لها فى العصر العباسى الثانى فقد أكبّ المترجمون على المأثورات الإغريقية فى كل فروع العلم والفلسفة يترجمونها، وكادوا لا يبقون كتابا بدون ترجمة وبدون شرح أو تلخيص. ومن يرجع إلى ابن أبى أصيبعة والقفطى تهوله الكثرة الغامرة مما ترجموه، إذ يبلغ أحيانا عند المترجم الواحد مئات الكتب والرسائل، سوى ما ألّفوه وصنفوه.
وأهم المترجمين حينئذ وأشهرهم حنين (7) بن إسحق المتوفى سنة 264 وكان طبيبا
(1) ابن أبى أصيبعة ص 300.
(2)
ابن أبى أصيبعة ص 284.
(3)
ابن أبى أصيبعة ص 283.
(4)
انظر أيضا تاريخ الحكماء للقفطى (طبعة ليبزج) ص 132.
(5)
راجع فى بنى موسى ابن أبى أصيبعة ص 260 والفهرست ص 392 والقفطى ص 315، 441 والعلم عند العرب لألدومييلى (نشر الجامعة العربية) ص 139.
(6)
ابن أبى أصبيعة ص 260 وانظر ترجمة الرازى ص 414 وكثرة من ألف الكتب بأسمائهم وأهداها إليهم.
(7)
انظره فى الفهرست ص 123 والقفطى ص 171 وابن أبى أصيبعة ص 257 وألدومييلى ص 132، 139 وتاريخ الفلسفة فى الإسلام لدى بور (طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر-الطبعة الرابعة) ص 37.
مسيحيّا نسطوريّا من مدرسة جنديسابور، رحل إلى بلاد الروم وتعلم اليونانية وكان يجيد بجانبها السريانية والفارسية والعربية، وهو وابنه إسحق (1) وابن أخته حبيش (2) أكثر المترجمين فى العصر إنتاجا، وكانوا يعملون معا، فنسبت بعض الترجمات لهذا تارة ولذاك تارة أخرى. وكان يعاونهم تلاميذ كثيرون، يدل على ذلك ما جاء فى ترجمة حنين من أن الخليفة المتوكل «جعل له كتّابا نحارير عالمين بالترجمة يترجمون بين يديه وهو يتصفح ما ترجموا، وفى مقدمتهم أصطفن بن بسيل (3)» ، ويبدو من اسمه أنه يونانى الأصل. وكان حنين يشغف بترجمة الكتب الطبية.
وقد ترجم لجالينوس منها عشرت إلى العربية والسريانية، غير ما أصلحه لتلاميذه من آثاره مما ترجموه إلى اللغتين. ويصور لنا فى مقدمة بعض الكتب التى ترجمها مدى دقته العلمية فى الترجمة إذ كان لا يزال يجمع للكتاب الذى يريد ترجمته كل ما يمكنه من نسخ، حتى إذا اجتمعت له قابل بينها وعارض عباراتها بعضها على بعض واستخلص للكتاب ترجمة دقيقة (4). وكان ابنه إسحق يعنى بترجمة الكتب الحكمية والفلسفة، فلم يقف عنايته مثله على الكتب الطبية، ولذلك كثرت تزجماته لأرسطو وأقليدس وأرشميدس وبطليموس. أما حبيش فعنى مثل خاله بترجمة الكتب الطبية. واشتهر أصطفن بأنه كان أول من ترجم كتاب ديوسقريدس فى النبات وكتاب أوريباسيوس فى الأدوية المفردة (5).
وبجانب هذه المدرسة الكبيرة للترجمة وأستاذها حنين كان هناك مترجمون يفوقون الحصر، من أشهرهم ثابت (6) بن قرة المتوفى سنة 288 ومن أهم ما ترجمه كتاب الأصول لأقليدس، ويقول ألدومييلى إن النص العربى يصلح النص الإغريقى فى
(1) راجع الفهرست ص 429 والقفطى ص 80 وابن أبى أصبيعة ص 274 ودى بور ص 37 وألدومييلى ص 142.
(2)
انظر الفهرست ص 428 والقفطى ص 177 وابن أبى أصيبعة ص 276 ودى بور ص 37 وألدومييل ص 142.
(3)
ابن أبى أصيبعة ص 262 والقفطى ص 171.
(4)
انظر أصول نقد النصوص ونشر الكتب لبرجستراسر (طبع مطبعة دار الكتب المصرية) ص 94.
(5)
القفطى ص 74 وألدومييلى ص 142.
(6)
راجع الفهرست ص 394 والقفطى ص 115 وابن أبى أصيبعة ص 295 ودى بور ص 37 وألدومييلى ص 142.
مواضع مختلفة، وترجم كتاب أرسطو فى النبات تفسير نيقولاوس، وله كتاب قرسطون فى نظرية الميزان واعتدال الأجسام الميكانيكية، وكان له أثر كبير فى لاتينية العصور الوسطى كما يقول ألدومييلى، ومن مصنفاته كتاب الذخيرة فى الطب ألفه لابنه سنان. ومن أنبه المترجمين حينئذ قسطا (1) بن لوقا البعلبكى المتوفى سنة 300 وكان مسيحيّا من أصل يونانى، ومن ترجماته شرح الإسكندر الأفروديسى وشرح جون فيلوبون على السماع الطبيعى وكتاب آراء الفلاسفة المنسوب إلى فلو طرخس وكتاب الحيل لهيرون المنشور فى ليبزج سنة 1900 وكان قد ترجمه للخليفة المستعين.
وترجم لإبراهيم بن المدبر كتابه الجامع فى الدخول إلى علم الطب غير كتب أخرى ألفها أو ترجمها لكثيرين. وله رسالة صغيرة فى الفرق بين النفس والروح ترجمت إلى اللاتينية. وخاتمة هؤلاء المترجمين النابهين أبو بشر متى (2) ابن يونس.
وكان من أصل يونانى، وقد عنى بترجمة جميع آثار أرسطو فى المنطق وغير المنطق، وترجم له كتاب الشعر ترجمة مضطربة، لأنه يدور-كما هو معروف- حول المأساة اليونانية، ولم يكن العرب ولا المترجمون حينئذ يتصورونها، ولذلك يكون لمتى عذره فى اضطراب ترجمته لهذا الكتاب (3). وقد انتهت إليه رياسة المنطقيين فى عصره، وله مناظرة فى المنطق والنحو مع السيرافى سنة 320 احتفظ بها ياقوت فى معجمه (4).
وبمتى بن يونس ينتهى عصر الترجمة العظيم، ومنذ أوائل هذا العصر، بل منذ عصر المأمون، يشارك العرب فى علوم الأوائل التى ترجموها، بحيث يظهر عندهم علماء يزاحمون العلماء الأوائل عند الأمم القديمة بمناكب ضخمة، ويكفى أن نذكر محمد بن موسى الخوارزمى وابتكاره لعلم الجبر الذى أشرنا إليه فى غير هذا
(1) انظر الفهرست ص 424 والقفطى ص 262 وابن أبى أصيبعة ص 329، وألدومييلى ص 424 والقفطى ص 262 وابن أبى أصيبعة ص 329 وألدومييلى ص 155، 165 ودى بور ص 39.
(2)
راجع الفهرست ص 429 وابن أبى أصيبعة ص 317 والقفطى ص 323 وعبد الرحمن بدوى فى كتاب فن الشعر لأرسطو مع الترجمة العربية القديمة لمتى بن يونس نشر مكتبة النهضة المصرية.
(3)
انظر كتابنا البلاغة تطور وتاريخ (طبع دار المعارف) ص 76.
(4)
انظر معجم الأدباء 8/ 180.
الموضع والذى ليس له سابقة عند علماء الأوائل، وله شروح على كتاب أقليدس فى الهندسة وكتاب بطليموس فى الجغرافية، وقد خلّف فيها أول كتاب عربى جغرافى سماه صورة الأرض، ونشطت الكتب والمباحث الجغرافية منذ هذا التاريخ المبكر. ومع افتتاح هذا العصر العباسى الثانى يؤلف عبيد الله بن خرداذبة الفارسى الأصل كتابه «المسالك والممالك» وهو يصرح فى مطالعه بأنه اعتمد فى بيان حدود الأرض ومسالكها على كتابات بطليموس. وأخذ غير عالم يتناول هذا الموضوع، تناوله أبو عبد الله الجيهانى وأبو زيد البلخى، وأهم منهما ابن الفقيه، غير أنه لم يذكر إلا المدائن العظمى ولذلك سمّى كتابه «البلدان» . وأدق منه وأمهر علميّا اليعقوبى أحمد بن يعقوب العباسى، إذ نراه فى كتابه الذى سماه أيضا باسم البلدان يعتمد على الرحلة والطواف ببلاد ديار الإسلام واصفا لها وصف المشاهد المتثبت من الأخبار. وبذلك تم تكامل علم الجغرافيا عند العرب. واهتموا حينئذ بإفراد جزيرة العرب وجغرافيتها ببعض الكتب على نحو ما نجد عند الهمدانى المتوفى سنة 334 فى كتابه «صفة جزيرة العرب» .
وعلى نحو ما نهضوا حينئذ بعلم الجغرافيا نهضوا بالرياضيات والفلك.
يتقدمهم محمد بن موسى الخوارزمى، ومن تلاميذه فى مرصد المأمون حبش الحاسب، وله جداول فلكية مهمه. ومن نابهى الفلكيين فى أواسط العصر أحمد ابن محمد بن كثير الفرغانى وكتابه:«أصول الفلك» له ترجمات كثيرة إلى اللاتينية، وترك هناك تأثيرا كبيرا حتى عصر كوبرنيقوس (1)، وله كتب مختلفة فى الإسطرلاب.
ومن الفلكيين الذين اشتهروا حينئذ شهرة واسعة أبو معشر البلخى المتوفى سنة 272 وكان له تأثير واسع فى العرب ومسيحيى العصور الوسطى وترجمت له كتب كثيرة إلى اللغة اللاتينية (2). ومن الفلكيين النابهين فى العصر الفضل (3) بن حاتم النيريزى المتوفى سنة 310 وكان متقدما فى علم الهندسة وهيئة الأفلاك وحركات النجوم وله شروح على أصول أقليدس ترجمها جيرار دى كريمونا ونشرها كورتزه فى ليبزج سنة 1899 وله شروح أيضا على كتاب بطليموس فى الفلك وزيج على مذهب
(1) ألدومييلى ص 167 وانظر فى ترجمة الفرغانى الفهرست ص 403 والقفطى ص 286
(2)
ألدومييلى ص 269 وراجع ترجمته فى الفهرست ص 400 والقفطى ص 302.
(3)
انظر فيه ألدومييلى ص 255، 143 والفهرست ص 403 والقفطى ص 254
الهند وكتابها «السند هند» وكتاب سمت القبلة أو معرفة اتجاهها. وكان يعاصره البتّانى (1) محمد بن جابر بن سنان المتوفى سنة 317 «ولا يعلم أحد فى الإسلام بلغ مبلغه فى تصحيح أرصاد الكواكب وامتحان حركاتها، وكان له مرصد فى الرّقّة على نهر الفرات، وله زيج جليل ضمّنه أرصاد النيرين وإصلاح الحركات المثبتة لهما فى كتاب المجسطى لبطليموس، وترجم زيجه إلى اللاتينية، وقد لخص نلّينو أهمية مباحثه الفلكية وتصحيحه لبطليموس كثيرا من أخطائه فى دراسته القيمة عنه بدائرة المعارف الإسلامية.
وبالمثل نهضت العلوم الطبية والطبيعية وكانت تشمل حينئذ الصيدلة والكيمياء، وقد أنتج العصر العباسى الأول أكبر كيميائى فى تلك الحقب القديمة، وهو جابر بن حيان، وسبق أن ألممنا به فى كتابنا عن العصر المذكور. وكان قد ترجم كتاب الحيوان لأرسطو وعلى هديه ألّف الجاحظ كتابه «الحيوان» فى هذا العلم، وحلّل بلاسيوس هذا الكتاب فى مجلة إيزيس العدد الرابع عشر سنة 1939 مبينا ما يشتمل عليه من الطبيعة الكيميائية وعلم الحيوان وعلم الإنسان (2). وظل المترجمون يتوفرون على ترجمة كتب الصيدلة والكيمياء والطب، وكل يحاول تصحيح ترجمة من سبقه وإفادة الأطباء بكل ما يستطيع. ومرّ بنا أنهم كانوا يشجعون بأموالهم الغدقة الترجمة وأن كثيرا من الكتب ترجم باسمهم. ومن أهمهم بختيشوع (3) ابن جبرائيل بن بختيشوع، وبلغ من كثرة ثرائه أن كان يضاهى الخليفة المتوكل فى الزينة والفرش والمأكل والمشرب، ويقال إنه وصف للمتوكل دواء فى بعض وعكاته فأمر له بثلثمائة ألف درهم وثلاثين تختا من الثياب، ونقل له حنين كثيرا من كتب جالينوس الطبية. وكان يعاصره سابور (4) بن سهل المسيحى صاحب بيمارستان جنديسابور المتوفى سنة 255 واشتهر بكتاب له فى الصيدلة كان يقع فى 22 بابا وظل الأطباء والصيادلة يعتمدون عليه حتى ظهر كتاب ابن التلميذ فى القرن السادس
(1) انظر فيه ألدومييلى ص 155، 168 والفهرست ص 403 والقفطى ص 280.
(2)
ألدومييلى ص 96.
(3)
راجع فيه الفهرست ص 427 والقفطى ص 102 وابن أبى أصيبعة ص 201 وفى القفطى أنه كان يلبس الجبة المثقلة؟ ؟ ؟ مالوشى؟ ؟ ؟ قيمتها ألف دينار.
(4)
انظر فى سابور الفهرست ص 147 والقفطى ص 207 وابن أبى أصيبعة؟ ؟ ؟ وألدومييلى ص 170، 172.
ومن كبار الأطباء فى العصر سنان (1) بن ثابت بن قرة الذى أسلم على يد الخليفة القاهر بالله، وقد عاش حتى سنة 331 وتقلد مارستانات بغداد الخمسة سنة 304 وبنى فى سنة 306 مارستانين كبيرين، أحدهما للخليفة المقتدر وكانت نفقته مائتى دينار فى كل شهر والثانى لأمه وكانت النفقة عليه شهريّا ستمائة دينار وأقام للوزير ابن الفرات مارستانا ثالثا ببغداد سنة 311 كانت النفقة عليه شهريّا.
مائتى دينار، وبنى لبجكم حاكم بغداد سنة 329 مارستانا رابعا ببغداد على الشاطئ الغربى لدجلة وزوّده بالأطباء والأدوات المختلفة. ومن طريف ما يروى أن نجد حامد بن العباس أحد وزراء الخليفة المقتدر يأمره أن يفرد أطباء للمسجونين يزورونهم يوميّا ومعهم الأدوية والأشربة، وظل ذلك تقليدا مرعيا حتى نهاية العصر، ونراه يأمره أيضا بإرسال متطببين إلى الفلاحين فى سواد العراق بحوض دجلة والفرات يطوفون به ويقيمون فى كل جانب منه المدة التى تدعو إليها الحاجة، ومعهم خزانة الأدوية والأشربة. ويبدو أن المتطببين كثروا فى العصر، حتى ليذكر ابن أبى أصيبعة أن عددهم فى جانبى بغداد وحدها بلغ فى سنة 319 ثمانمائة رجل ونيفا وستين سوى من كان فى خدمة السلطان.
وطبيب المسلمين غير مدافع فى العصر، كما يقول القفطى، هو أبو بكر محمد (2) بن زكريا الرازى المتوفى حوالى سنة 320 ولد كما يتبين من اسمه بالرى، وسبق أن عرضنا له فى حديثنا عن الزندقة وألممنا بكتابه «مخاريق الأنبياء» وقد بدأ حياته بدراسة العلوم الرياضية، ثم اشتغل بالكيمياء والطب، وعمل فى بيمارستان موطنه وبيمارستانات بغداد وتنقل فى مدن إيران وخراسان، وألف باسم كثيرين من الأمراء وذوى الجاه طائفة من كتبه المهمة، وترجم إلى اللاتينية كثير من كتبه الطبية وظل حجة الطب غير مدافع حتى القرن السابع عشر، وما زال المستشرقون يعنون به وبآثاره حتى اليوم وقد نشر فى باريس سنة 1933
(1) راجع سنان بن ثابت فى الفهرست ص 394، 435 والقفطى ص 190 وابن أبى أصيبعة ص 300 والنجوم الزاهرة 3/ 193، 279.
(2)
انظر فى ترجمته المراجع المذكورة فى حديثنا عنه بين الزنادقة فى الفصل السابق، وراجع دى بور ص 147 وألدومييلى ص 171 - 178
فهرس كتبه الذى ذكره البيرونى ومنه تبين أنه خلّف فى الطب 56 كتابا وفى الطبيعيات 33 وفى الفلسفة 17 وفى الرياضيات 10 وفى الميتافيزيقا 6 وفى المنطق 8 وفى علم الكلام 14 وفى الكيمياء 23 وأكبر كتبه فى الطب كتابه الحاوى، وهو دائرة معارف طبية ضخمة، وقد ترجمت منه أجزاء إلى اللاتينية، واستخرج منه ماكس ما يرهوف 33 ملاحظة إكلينيكية لها خطرها. ويلى هذا الكتاب الطبى فى الأهمية كتابه المنصورى الذى أهداه إلى الأمير السامانى بخراسان المنصور بن إسحق، وهو كتاب نفيس، ترجم إلى اللاتينية مرارا فى العصور الوسطى وعصر النهضة. وترجم له أيضا إلى اللاتينية مرارا كتابه فى الجدرى والحصبة، وهو بحث طبى رائع فى الوبائيات، وله ترجمات حديثة إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية. ولم يعن بالطب الجسمى وحده فقد عنى أيضا بالطب النفسى، إذ ألف كتابا فى الطب الروحانى نشرته جامعة القاهزة، وهو فيه يكبر من شأن العقل عارضا النقائص الخلقية التى تسبب الأمراض والعلل النفسية مبينا أن المصاب بها إذا حكّم معياره العقلى موازنا بين نفعه وضرره تخلص من تلك العلل والأمراض وفارقته إلى غير مآب. وكان ينصح الأطباء أن يوهموا مرضاهم أنهم أصحاء وإن لم يثقوا بذلك لأن مزاج الجسم فى رأيه تابع لأخلاق النفس. وكان يهتم بالكيمياء معلنا أن الفيلسوف لا يكون فيلسوفا حقّا إلا إذا تعلم صناعة الكيمياء ومهر فيها، وله فيها كتب مختلفة كما قدمنا. وكان يؤمن بخمسة مبادئ قديمة تأثر فيها بفلاسفة اليونان مثل إنباذوقليس وأنكساجوراس وهى: الله تعالى والنفس الكلية والهيولى الأولى والمكان المطلق والزمان المطلق، وكان يؤمن بقدم هذه المبادئ وأنه لا بد منها لوجود العالم.
وكان طبيعيّا وقد نقلت الفلسفة اليونانية إلى العربية أن تصبح للعرب بدورهم فلسفة ذات طوابع مستقلة، ومر بنا أن ما ترجم إليهم من تلك الفلسفة صبغ بالصبغة الأفلاطونية الجديدة عن طريق تأثر السريان بها، وكان ذلك سببا فى أن تشوب فلسفتهم تلك النزعة. ولعل أول فيلسوف عربى بالمعنى الدقيق لكلمة فيلسوف نلتقى به فى هذا العصر هو الكندى (1) يعقوب بن إسحق، وهو عربى أصيل من
(1) انظر فى الكندى الفهرست ص 371 والقفطى ص 366 وابن أبى أصيبعة ص 285 ودائرة المعارف الإسلامية وبحثا للشيخ مصطفى عبد الرازق فى مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة لعام =
قبيلة كندة، ولذلك لقب فيلسوف العرب، نشأ بالبصرة ثم تركها إلى بغداد ويبدو أنه أكبّ فى نشأته على الاعتزال، ولعل ذلك ما جعل نجمه يأفل فيما بعد حين أفل نجم المعتزلة لعهد المتوكل. ولا تعرف سنة وفاته ويبدو أنه عاش حتى أواخر العقد السادس من القرن الثالث. وله كتب ورسائل تعد بالعشرات بل بالمئات، وهى تبلغ عند ابن النديم نحو مائتين وأربعين وعند القفطى نحو مائتين وثلاثين وعند ابن أبي أصيبعة نحو مائتين وثمانين، وتتناول العلوم الرياضية والهندسية والفلكية والجغرافية والطبيعية والمنطق والأخلاق والسياسة والكلام والجدل والطب. وقد ترجم كثير منها إلى اللاتينية وأثّر فى شعوبها تأثيرا عميقا، ويقول ألدومييلى إن كتابه فى الهندسة أثّر تأثيرا ملحوظا فى روجر بيكون. وقد يفهم من بعض ما كتبه ابن أبى أصيبعة وغيره عنه أنه كان يترجم عن اليونانية والسريانية ويرى الباحثون أنه لم يكن يعرفهما، إنما كان يصلح ويصحح بعض ما ترجم عنهما، وله تهذيبات لكثير مما ترجم، وله أيضا شروح وتعليقات. ويذكر ابن النديم وغيره أن له كتبا فى التوحيد والعدل والاستطاعة أو حرية الإرادة، مما قد يدل على اتجاهه الاعتزالى، ومما يدل بقوة على هذا الاتجاه عنده إشادته بالعقل. وهو فيلسوف إسلامى بالمعنى إذ له رسائل فى إثبات النبوة والدفاع عنها دفاعا قويّا، وكان يذهب إلى ان العالم محدث مخالفا بذلك أرسطو فى زعمه أنه قديم، وذهب إلى أن النفس بسيطة وأنها من نور الله، وعنها صدر عالم الأفلاك، والنفس الإنسانية تفيض عن هذه النفس الكلية، وهى تتصل بالجسد، ولكنها تظل فى جوهرها مستقلة عنه، حتى إذا فارقته التذت لذة كبيرة، وقال إن الكواكب لا تؤثر فيها، لأنها إنما تؤثر فى الأمور الطبيعية. وله بحوث فلسفية فى الرياضة، ولكنها دون بحوثه الطبيعية وفيما وراء الطبيعة. وربما كانت أهم نظرية فلسفية له طبع بها الفلسفة الإسلامية هى نظريته فى أن العقل مصدر المعارف وتقسيمه له إلى عقل فاعل هو الله، وعقل
= 1933 ودى بور ص 676 وألدومييلى ص 149، 153 ومقدمة الدكتور محمد عبد الهادى أبى ريدة لرسائل الكندى الفلسفية) طبع مطبعة الاعتماد بالقاهرة، وكذلك مقدمة الدكتور أحمد فؤاد الأهوانى لمجموعة أخرى من رسائله، وكتاب دور العرب فى تكوين الفكر الأوربى لعبد الرحمن بدوى (طبع دار الآداب ببيروت).
بالقوة يكمن فى داخل الإنسان، وعقل بالملكة هو العقل المنفعل بعد حصول المعقولات فيه، وعقل مبين يؤدى للغير معقولاته. ومما قرره أن الحواس تدرك الجزئيات والصور المادية فى حين أن العقل يدرك الكليّات وما يتصل بها من الأنواع والأجناس. وذهب إلى تناهى الجسم والزمان والحركة من جهة الفعل لا من جهة القوة، وهاجم الكيمياء هجوما عنيفا، وأكبر الظن أنه إنما كان يقصد ضربا خاصّا من الكيمياء شاع فى عصره، هو المتصل بالسحر والخرافه وكشف الأسرار.
وإذا كان العصر قد افتتح بفيلسوف هو الكندى فإنه اختتم أيضا بفيلسوف له مكانة كبيرة فى الفلسفة الإسلامية هو الفارابى (1) أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان المتوفى سنة 339 ويقال إنه من أصل فارسى، ولد فى فاراب من بلاد الترك فيما وراء النهر. ويبدو أنه تلقن فى نشأته ما كان فى خراسان من علوم الأوائل وسرعان ما مضى يطلبها فى بغداد، وأكبّ على الرياضيات والطبيعيات والإلهيات واستوعب ذلك كله استيعابا منقطع القرين، وسرعان ما أخذ يوفق بينه وبين الدين الحنيف من جهة وبينه وبين العقل الذى أكبره الكندى من جهة أخرى، واستطاع أن ينفذ من خلال ذلك إلى تشكيل الفلسفة الإسلامية فى صورتها المبكرة، بحيث عدّ فيلسوف المسامين غير مدافع. ولعل أول ما يلاحظ على فلسفته أنها تعنى بالإلهيات، فهو لا يعنى بالطبيعيات، وهو يرغب عن فيثاغورس وأضرابه من الرياضيين. ويتضح إكباره العقل فى اهتمامه بالمنطق وما يؤدى إليه من استنباطات كلية مما جعله يعنى بشرح كتبه عند أرسطو وتفصيل مسائله من تصور وتصديق وقضايا وبراهين وأقيسة ومراتب ظنّ متفاوتة، ويتعمق فى بحث الكليات.
وفى كل جانب من فلسفته الإلهية يتضح فكره العقلى المنطقى، من ذلك ذهابه إلى أن كل موجود إما واجب الوجود وإما ممكن، وبذلك جعل أول صفة لله هى أنه
(1) راجع فى الفارابى الفهرست ص 382 والقفطى ص 277 وابن أبى أصيبعة ص 603 ودائرة المعارف الإسلامية وبحثا للمرحوم الشيخ مصطفى عبد الرازق فى الجزء السابع من مجلة المجمع العلمى العربى بدمشق ودى بور ص 192 ومقدمة ديتريصى لرسائله (طبعة ليدن)، وانظر مجموعة أخرى طبعت فى حيدرآباد وظهر الإسلام لأحمد امين (الطبعة الأولى) 2:131.
الموجود الواجب الوجود فى حين أن كل ما عداه ممكن الوجود أو بعبارة أخرى حادث فهو القديم وحده. وصلة هذه الفكرة بالدين الحنيف واضحة، وهو عنده الموجود الأول الفرد بالذات ولا جنس له ولا تركيب فيه ولا يمكن حدّه، إذ هو لا يتحيز فى مكان، وهو أكمل الموجودات ويجب أن تكون معرفتنا به أكمل معرفة. وإذا كانت معرفتنا بالرياضيات أكمل من معرفتنا بالطبيعيات للتعميم السارى فى قضاياها وجب أن تكون معرفتنا به فوق معرفتنا بالرياضيات والطبيعيات جميعا. ويقبس من الفلسفة قبسا يمزجه بقبس آخر من التصوف لعصره، فإذا هو يذهب إلى أن الله يفيض عنه منذ الأزل مثاله وهو العقل الأول الذى يحرّك الفلك الأكبر، وتلى هذا العقل عقول الأفلاك الثمانية، وهى التى تصدر عنها الأجرام السماوية، والعقول التسعة مجتمعة هى ملائكة السماء ومرتبتهم فى الوجود مرتبة ثانية، وفى المرتبة الثالثة العقل الفعّال فى الإنسان وهو روح القدس الذى يصل العالم العلوى بالعالم السفلى.
وفى المرتبة الرابعة النفس الكلية، ومنها ومن العقل تتكاثر أفراد الإنسان. وفى المرتبة الخامسة الصورة. وفى السادسة المادة. والمراتب الثلاث الأولى: الله وعقول الأفلاك والعقل الفعال ليست أجساما، أما المراتب الأخرى فتلابس الأجسام. وواضح الأثر الإسلامى فى هذا التفلسف، فقد ذكر الله وهو العلة الأولى عند الفلاسفة وذكرت الملائكة وروح القدس مع محاولة وضع تفسير جديد لهما. وكان يذهب إلى أن النفس كمال الحسم، أما كمال النفس فهو العقل. . وبحث فى السعادة مبحثا تأثر فيه أيضا بالتصوف تحدث فيه عن شروطها ودرجاتها، وصرّح فى قوة بأن اللذات العقلية والروحية تفوق اللذات المادية الجسمية، وأن السعادة لا تطلب لغاية وراءها وإنما تطلب لذاتها، وأداتها فى رأيه الأفعال والأخلاق الجميلة، وهى لا تدرك إلا إذا تحررت النفس الناطقة من أغلال المادة والشهوات. ويصرّح فى كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة بأن الحاكم ينبغى أن يكون متحليا بكل الفضائل الإسلامية والفلسفية متجنبا اللذات الجسمية، إذ فيه تتمثل المدينة بخيرها وشرها، فإذا كان خيرا فاضلا كانت المدينة فاضلة، وإذا كان شرّيرا فاسقا انهارت المدنية وفسد الحكم فيها فسادا شديدا.
وهو يذكر النبوة كثيرا، وهى عنده أعلى مرتبة يبلغها الإنسان فى العلم والعمل، وهو يضعها-كى يوضحها-فى مرتبة وسطى بين الإدراك الحسى