المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - المناظرات - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٤

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌العصر العباسى الثانى

- ‌الفصل الأوّل:الحياة السياسية

- ‌1 - استيلاء الترك على مقاليد الحكم

- ‌2 - تدهور الخلافة

- ‌3 - ثورة الزنج

- ‌4 - ثورة القرامطة

- ‌5 - أحداث مختلفة

- ‌الفصل الثّانى:الحياة الاجتماعية

- ‌1 - طبقات المجتمع

- ‌2 - الحضارة والترف والملاهى

- ‌3 - الرقيق والجوارى والغناء

- ‌4 - المجون والشعوبية والزندقة

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثالث:الحياة العقلية

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل: نقل ومشاركة وتفلسف

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه

- ‌5 - الاعتزال وانبثاق المذهب الأشعرى

- ‌الفصل الرّابع:نشاط الشعر

- ‌1 - علم الشعراء بأسرار العربية

- ‌2 - ذخائر عقلية خصبة

- ‌3 - التجديد فى الموضوعات القديمة

- ‌4 - نمو الموضوعات الجديدة

- ‌5 - نمو الشعر التعليمى

- ‌الفصل الخامس:أعلام للشعراء

- ‌1 - على بن الجهم

- ‌2 - البحترى

- ‌3 - ابن الرومى

- ‌4 - ابن المعتز

- ‌5 - الصنوبرى

- ‌الفصل السّادس:شعراء السياسة والمديح والهجاء

- ‌1 - شعراء الخلفاء العباسيين

- ‌مروان بن أبى الجنوب أبو السمط

- ‌أبو بكر الصولى

- ‌2 - شعراء الشيعة

- ‌ محمد بن صالح العلوى

- ‌الحمّانى العلوىّ

- ‌المقجّع البصرىّ

- ‌3 - شعراء الثورات السياسية

- ‌ محمد بن البعيث

- ‌4 - شعراء الوزراء والولاة والقواد

- ‌ أبو على البصير

- ‌ أحمد بن أبى طاهر

- ‌ ابن دريد

- ‌5 - شعراء الهجاء

- ‌ الصّيمرى

- ‌الحمدونى

- ‌ابن بسام

- ‌الفصل السّابع:طوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل وشاعراته

- ‌فضل

- ‌2 - شعراء اللهو والمجون

- ‌ الحسين بن الضحاك

- ‌3 - شعراء الزهد والتصوف

- ‌ الحلاّج

- ‌الشبلىّ

- ‌4 - شعراء الطرد والصيد

- ‌5 - شعراء شعبيون

- ‌جحظة

- ‌الخبز أرزىّ

- ‌الفصل الثامن:نشاط النثر

- ‌1 - تطور النثر

- ‌2 - الخطابة والمواعظ والنثر الصوفى

- ‌3 - المناظرات

- ‌4 - الرسائل الديوانية

- ‌5 - الرسائل الإخوانية والأدبية

- ‌الفصل التّاسع:أعلام الكتاب

- ‌2 - الجاحظ

- ‌3 - ابن قتيبة

- ‌4 - سعيد بن حميد

- ‌5 - أبو العباس بن ثوابة

- ‌خاتمة

الفصل: ‌3 - المناظرات

‌3 - المناظرات

مرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول ما يصور اندلاع المناظرات بين المعتزلة وطوائف المتكلمين وبينهم وبين أصحاب الملل والنحل اندلاعا هيّأ لظهور كثير من كبار المناظرين فى شئون الدين والعقل كما هيأ لبسط المعانى ومدّها بذخائر جديدة من توليد الأفكار وتشعيبها والتعمق فى مساربها الخفية، وقد أسلفنا أن مجد المعتزلة سقط فى هذا العصر منذ وقف المتوكل قولهم القائل بخلق القرآن وفسح لآراء أهل السنة، وقد عضب غضبا شديدا على ممثل المعتزلة فى بلاط المعتصم والواثق من قبله، ونقصد أحمد بن أبى دؤاد.

لم يعد للمعتزلة مجدهم القديم، ولكنهم لم يتراجعوا عن الوظيفة التى ندبوا لها أنفسهم إزاء أصحاب النحل والملل، فكانوا بالمرصاد للملاحدة، ومرّ بنا كتاب الانتصار للخياط المعتزلى الذى ردّ ردّا مفحما على ابن الراوندى الملحد. وظل الجدل عنيفا بين المعتزلة وغيرهم من المتكلمين، على نحو ما يصور لنا ذلك الجاحظ فى كتاباته وخاصة فى كتابه «فضيلة المعتزلة» وتلاه فى رياسة المعتزلة بالبصرة أبو يعقوب الشّحّام، وكان يعاصره فى بغداد جعفر بن حرب المعتزلى، وحكى الخياط مناظرة بينه وبين السّكاك الرافضى فى علم الله جل جلاله وحدوثه وقدمه وإثباته ونفيه (1)، وفى موضع آخر يحكى المناظرات التى انعقدت بين هذا الرافضى وأبى جعفر الإسكافى المعتزلى قائلا:«وهذه مجالسة مع أبى جعفر الإسكافى معروفة يعلم قارئها والناظر فيها مقدار الرجلين وفرق ما بين المذهبين (2)» . وكانت تدور فى مجالس أبى على الجبّائى المتوفى سنة 303 مناظرات كثيرة أهمها ما دار بينه وبين ربيبه وتلميذه أبى الحسن الأشعرى المتوفى سنة 324، وكانت ترجح كفّة الأشعرى غالبا. من ذلك مناظرتهما فى الصلاح والأصلح إذ كانت المعتزلة ومعهم أبو على الجبّائى يوجبون على الله فعل الأصلح، وقد سأله الأشعرى فى أثناء احتدام

(1) الانتصار للخياط ص 110.

(2)

الانتصار ص 142.

ص: 535

المناظرة عن عاقبة ثلاثة: مؤمن وكافر وصبى ماتوا جميعا، فأجابه بأن المؤمن من أهل الدرجات والكافر من أهل الهلكات والصبى من أهل النجاة. وأخذ الأشعرى يراجعه إلى أن قال له: فلو قال الكافر: يا رب علمت حال الصبى وأنه لو بقى لعصى وعوقب فراعيت مصلحته، وعلمت حالى مثله، فهلاّ راعيت مصلحتى. حينئذ انقطع الجبّائى وألزمه الأشعرى أن الله يخصّ من شاء برحمته ومن شاء بعقابه وأن أفعاله غير معلّلة (1).

وكان الخلاف واسعا بين بعض أصحاب المذاهب الفقهية، فكثرت المناظرات بينهم، وفى طبقات الشافعية للسبكى أطراف من هذه المناظرات، ومما يذكره أن أبا العباس بن سريج القاضى رئيس الشافعية ببغداد كان مشغوفا بمناظرة داود الظاهرى، حتى إذا توفى داود مضى يناظر ابنه محمدا فى المذهب الظاهرى، يقول: ولهما المناظرات المشهورة والمجالس المروية، ويحكى أن ابن داود قال لابن سريج يوما: أبلعنى ريقى، فقال له: أبلعتك نهر دجلة، وقال له يوما: أمهلنى ساعة، فقال له: أمهلتك من الساعة إلى قيام الساعة (2). وبالمثل كان اللغويون والنحاة يتناظرون، وشائعة معروفة مناظرات المبرد مع ثعلب بدار محمد بن عبد الله بن طاهر حاكم بغداد فى مسائل اللغة والنحو (3). وكان تلاميذ ثعلب يتعرضون أحيانا للمبرد فى محاضراته بالمسجد، فما يزال يناظرهم ويجادلهم ويجاورهم حتى ينزعهم من أستاذهم ثعلب ويلحقهم بتلامذته وحلقته (4).

ومن المناظرات التى اشتهرت بأخرة من العصر مناظرة السيرافى ومتّى بن يونس المترجم المتفلسف فى مجلس الوزير الفضل بن جعفر بن الفرات لسنة 320 وكان السيرافى من علماء النحو النابهين، وله كتاب كبير فى شرح كتاب سيبويه. وكان موضوع المناظرة النحو والمنطق أيهما أكثر نفعا فى معرفة صحيح الكلام من سقيمه. وقد روى المناظرة أبو حيان التوحيدى ونقلها عنه ياقوت فى معجمه (5)، والطريف أنه يذكر فى فاتحتها من كان فى المجلس من العلماء والفضلاء، ويذكر

(1) طبقات الشافعية للسبكى 3/ 356 وما بعدها.

(2)

السبكى 3/ 23.

(3)

تاريخ بغداد 5/ 208 وإنباه الرواة 1/ 141 ومعجم الأدباء 5/ 137.

(4)

معجم الأدباء 19/ 117.

(5)

معجم الأدباء 8/ 190.

ص: 536

أنهم كتبوا المناظرة فى ألواح وبمحابر كانت معهم، مما يعطى صورة عن مجلس المناظرات حينئذ. وتبدأ المناظرة بسؤال السيرافى لمتّى بن يونس عن المنطق ما يعنى به، حتى يكون كلامه معه فى قبول صوابه وردّ خطئه على سنن مرضىّ وطريقة معروفة، ويجيبه متى: أعنى به أنه آلة من الآلات يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه وفاسد المعنى من صالحه كالميزان فإنه يعرف به الرجحان من النقصان والشائل من الجانح. ويقول السيرافى:

«أخطأت لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالعقل. هبك عرفت الراجح من الناقص من طريق الوزن من لك بمعرفة الموزون أهو حديد أو ذهب أو شبه (نحاس) أو رصاص؟ وأراك بعد معرفة الوزن فقيرا إلى معرفة جوهر الموزون وإلى معرفة قيمته وسائر صفاته التى يطول عدّها. فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذى كان عليه اعتمادك، وفى تحقيقه كان اجتهادك، إلا نفعا يسيرا من وجه واحد، وبقيت عليك وجوه، فأنت كما قال الأول: «حفظت شيئا وضاعت منك أشياء» وبعد فقد ذهب عليك شئ ههنا، ليس كل ما فى الدنيا يوزن، بل فيها ما يوزن، وفيها ما يكال، وفيها ما يذرع (يقاس بالذراع) وفيها ما يمسح، وفيها ما يحزر. وهذا وإن كان هكذا فى الأجسام المرئية فإنه أيضا على ذلك فى المعقولات المقروءة، والإحساس ظلال العقول، وهى تحكيها بالتبعيد والتقريب مع الشبه المحفوظ والمماثلة الظاهرة. ودع هذا إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها من أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه ويتخذوه حكما لهم وعليهم وقاضيا بينهم ما شهد له قبلوه وما أنكره رفضوه. قال متّى: إنما لزم ذلك لأن المنطق يبحث عن الأغراض المعقولة والمعانى المدركة ويتصفّح الخواطر السانحة والسوانح الهاجسة والناس فى المعقولات سواء، ألا ترى أن أربعة وأربعة ثمانية عند جميع الأمم؟ وكذلك ما أشبهه». قال السيرافى:

«لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة وطرائقها المتبانية إلى هذه المرتبة البينة فى أربعة وأربعة أنهما ثمانية زال الاختلاف

ص: 537

وحضر الاتفاق، ولكن ليس الأمر هكذا، ولقد موهت بهذا المثال، ولكم عادة فى مثل هذا التمويه، ولكن ندع هذا. إذا كانت الأغراض المعقولة والمعانى لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟ ».

ويناقش السيرافى متّى فى ترجمة المنطق من اليونانية إلى السريانية ثم إلى العربية وأنه ربما حدث حيف على المنطق فى أثناء هذا الطريق الطويل الذى سلكه إلى الفصحى، ويقول له: كأنك تقول لا حجة إلا عقول يونان ولا برهان إلا ما وصفوه.

ويقول متّى إنهم أصحاب عناية بالحكمة ولولاهم ما نشأت العلوم وأصحاب الصناعات. وهو تعميم أكثر مما ينبغى. ويحتدّ الجدال، ويسأله السيرافى عن حرف واحد من الحروف التى يهتمّ بها النحو يدور فى كلام العرب وهو حرف الواو ومعانيه المتميزّة عند النحاة، ويقول له استنبطها من ناحية منطق أرسططاليس الذى تدلّ به وتباهى بتفخيمه وعرّفنا ما أحكامه وكيف مواقعه وهل هو على وجه واحد أو وجوه. ويبهت متّى، ويقول: هذا نحو، والنحو لم أنظر فيه، لأنه لا حاجة بالمنطقى إلى النحو، أما النحوى فمحتاج إلى المنطق، لأن المنطق يبحث عن المعنى والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مرّ المنطقى باللفظ فبالعرض وإن عبر النحوىّ بالمعنى فبالعرض، والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضع من المعنى.

وينكر عليه السيرافى قوله ويحاول أن يثبت أن النحو يدور على المعانى ويسأله عن معانى الواو وكيف أنه يجهلها، وهى حرف واحد، فما باله لو سأله عن معانى جميع الحروف، ويصوّر له معانيها وأن المنطق الذى يزهى به متّى لا يستطيع بيانها.

ثم يعرض عليه قولهم: «زيد أفضل الإخوة» ، ويسأله أيجوز أن يقال: زيد أفضل إخوته، ولا يستطيع متّى التفرقة بين العبارتين فيقول له إن العبارة الثانية لا تصح فى الكلام لأن إخوة زيد هم غير زيد، وزيدا خارج عن جملتهم، ويقحمه فى متشابكات نحوية وعبارات موهمة لا يحلها سوى النحو. ويعرض عليه طائفة من مصطلحات المناطقة والفلاسفة، ويقول له إن كل ذلك لا حاجة للعقل السليم به.

وفى الحق أن لسن السيرافى وفصاحته وقدرته على التعبير كل ذلك هو الذى أتاح له الظفر بخصمه فى تلك المناظرة الطويلة التى امتدت إلى أكثر من عشرين صحيفة،

ص: 538

وقد أردنا بعرضها أن نصور احتدام المناظرات فى العصر وأنها تناولت كل جوانب المعرفة.

وحتى الكتب المؤلفة فى العصر نجد عليها مسحة المناظرة والجدل واضحة، حتى على عنواناتها، إذ كثيرا ما تعنون بكلمة الرد أو كلمة النقض، فالكتاب يؤلّف ردّا أو نقضا لكتاب آخر، وكأن المناظرات لم تقف عند المجالس والمحاضرات فى المساجد. بل امتدت إلى الكتب والمصنفات، ويوضح ذلك الجاحظ فى بعض كتبه ورسائله، فقد بنيت فى جمهورها على فكرة المناظرات إذ نرى الحيوان» يبنى على مناظرة امتدت إلى أكثر من مجلد بين معبد والنظام فى الكلب والديك أيهما أفضل؟ . وله كتاب افتخار الشتاء والصيف وهو مناظرة واضحة بين الفصلين، وكتاب الفخر ما بين عبد شمس ومخزوم، وهو مناظرة بين العشيرتين القرشيتين، وكتاب فخر القحطانية والعدنانية وهو مناظرة بين اليمنية والمضرية. وقد يمدح الشئ فى رسالة ثم يدمحه فى أخرى، وكأنه يكتب مناظرة فى رسالتين مثل رسالته فى مدح النبيذ ورسالته فى ذم النبيذ ومثل رسالته فى مدح الكتّاب ورسالته فى ذم الكتّاب، ومثل رسالته فى مدح الورّاق (بائع الكتب) ورسالته فى ذم الوراق وله كتب مختلفة يجعل عنوانها كلمة الرد مثل كتاب الرد على المشبّهة وكتاب الرد على النصارى وكتاب الرد على اليهود، وله كتاب العثمانية وكتاب الرد على العثمانية.

وله كتاب نقض الطب ومن رسائله التى أدارها على المناظرة رسالته «فخر السودان على البيضان» ورسالته «مفاخرة الجوارى والغلمان» . وقد لا توضع فكرة المناظرة أو الرد والنقض أو المدح والذم على الكتاب والرسالة، فإذا قرأنا فيهما وجدناهما يأخذان شكل مناظرة كبيرة مثل كتاب التربيع والتدوير، نراه فيه ينتصر للقصر تارة وللطول تارة ثانية، وتارة ثالثة للتوسط بين الطرفين المتناقضين.

وكأنما كانت المناظرات والمحاورات لغة العصر الفكرية، فدائما مناظرات ومجادلات فى كل مكان وفى كل موضوع علمى أو فلسفى أو أدبى. والمناظر ينتصر تارة، وتارة ينهزم فى تلك الساحة الفكرية الكبيرة: بغداد، وهم لا يكلّون ولا يملّون ولا يتوقفون فدائما جدل وحوار وتشعيب لدقائق المعانى وغوص على خفياتها وكوامنها

ص: 539

المستورة، ولا يمنع الانهزام يوما صاحبه من التجمع للمناظرة والتحفز للحوار فى يوم ثان أو لقاء ثان، بل قد ينهزم المناظر وينتصر فى المجلس الواحد مرارا، وفى هذا الحوار الواسع ومعاركه الدائرة دون توقف يقول ابن الرومى مشيرا إلى المتناظرين وجدالهم العنيف:

لذوى الجدال إذا غدوا لجدالهم

حجج تضلّ عن الهدى وتجور

وهم كآنية الزجاج تصادمت

فهوت وكلّ كاسر مكسور

ويبدو ابن الرومى نفسه فى شعره مناظرا كبيرا، إذ تطبع جوانب من شعره كما أسلفنا-بطوابع الجدال وما يطوى فيه من قدرة وبراعة على نسج الأدلة تارة ونقضها تارة أخرى. ومرّ بنا ذمه للورد ونقضه محاسنه وقلبها مساوئ ذميمة فى قصيدته «النرجس والورد» وهى مناظرة شعرية طريفة.

وتسرى هذه الروح فى قصص وحكايات وأخبار جمعت ونسّقت فى الكتاب المسمى بكتاب المحاسن والأضداد المنسوب خطأ إلى الجاحظ، لأنه يفتتح بكلمة:«قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ» وتتوالى نقول عنه فى فضائل الكتب ووصف فوائدها، نجدها مبثوثة فى كتاب الحيوان. ولعل هذا الاستهلال هو الذى جعل القدماء يظنون أن الكتاب من تأليف الجاحظ، وأيضا فإنه ينقل عنه فى بعض فصوله نقولا مختلفة، ولكن من يعرف أسلوب الجاحظ المطّرد فى كتبه يعرف توّا أن الكتاب ليس له، والطريف أن صاحبه ذكر فى مستهله عن الجاحظ قوله فى بعض رسائله: «إنى ربما ألفت الكتاب المحكم المتقن فى الدين والفقه والرسائل والسيرة والخطب والخراج والأحكام وسائر فنون الحكمة وأنسبه إلى نفسى فيتواطأ على الطعن فيه جماعة من أهل العلم بالحسد المركّب فيهم، وهم يعرفون براعته ونصاعته، وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفا لملك معه المقدرة على التقديم والتأخير والحطّ والرفع والترهيب والترغيب فإنهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلمة. . . وهم قد ذموه وثلبوه لما رأوه منسوبا إلىّ وموسوما بى. وربما ألفت الكتاب الذى هو دونه فى معانيه وألفاظه فأترجمه باسم غيرى وأحيله على من تقدمنى عصره مثل ابن المقفع والخليل وسلم صاحب بيت الحكمة ويحيى بن

ص: 540

خالد والعتّابى ومن أشبه هؤلاء من مؤلفى الكتب فيأتينى أولئك القوم بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذى كان أحكم من هذا الكتاب لاستنساخه وقراءته علىّ، ويكتبونه بخطوطهم ويصيّرونه إماما يقتدون به ويتدارسونه بينهم ويتأدبون به ويستعملون ألفاظه ومعانيه فى كتبهم وخطاباتهم ويروونه عنى لغيرهم من طلاب ذلك الجنس فتثبت لهم به رياسة. ويأتمّ بهم قوم فيه لأنه لم يترجم باسمى ولم ينسب إلى تأليفى». وقد يكون فى ذلك ما يدل على أن المؤلف رأى أن يحاكى الجاحظ فى إنكاره لاسمه أحيانا على بعض آثاره، فنسبه إليه. ليرى رأى الناس فيه وحكمهم عليه. وربما كان هو نفس مؤلف كتاب المحاسن والمساوى الذى سنعرض له عما قليل. ومما يشهد بأن الكتاب ليس للجاحظ وإنما هو لمؤلف تال لعصره أن نجد فيه نقولا عن عبد الله بن المعتز (1)، وكان فى الثامنة من عمره حين توفى الجاحظ.

والكتاب مجموعة كبيرة من المناظرات فى الأخلاق والشمائل، فكل خلق أو كل شئ تعرض محاسنه ثم تعرض معايبه، وتصوّر المعايب والمحاسن فى أخبار وأقاصيص وحكايات، تلتقى فيها الثقافات المعروفة حينئذ وما كان يتسرب منها إلى كتب السمر، وفى مقدمتها الثقافة الإسلامية، وهى تتضح فى الاقتباس أحيانا من الذكر الحكيم (2) والاستشهاد الدائم بالأحاديث النبوية (3)، وتتسع الثقافة الدينية لتجلب بعض أقوال الزهاد أو بعض قصص الأنبياء أو بعض وصايا من التوراة من مثل:«اشكر من أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت ولا إقامة لها إذا كفرت، والشكر زيادة فى النعم وأمان من الغير» (4) وبجانب ذلك تلقانا عناصر كثيرة من الثقافة العربية فى مقدمتها الأمثال (5)، والأشعار وهى أكثر من أن ندلّ عليها فى موضع معين من الكتاب. وتكثر أخبار الجاهليين وأقاصيصهم المصوّرة لمكارم أخلاقهم أو مذامها. وبالمثل أخبار حكّام العرب وحكاياتهم على توالى الحقب من إسلاميين وعباسيين وخاصة حكام بنى أمية والرشيد والمأمون، وتكثر أخبار الأعراب وأقاصيصهم ويلمع فيها اسم الأصمعى.

(1) المحاسن والأضداد (طبع دار مكتبة العرفان ببيروت) ص 138، 169.

(2)

المحاسن والأضداد ص 39، 42.

(3)

انظر مثلا ص 32.

(4)

المحاسن والأضداد ص 31.

(5)

انظر مثلا ص 55، 104، 175.

ص: 541

وتلقانا حكم وأقاصيص منقولة عن بعض كتب الهند من مثل: «ليس لكذوب مروءة ولا لضجور رياسة ولا لملول وفاء ولا لبخيل صديق» (1)، وبالمثل تلقانا أقاصيص وأخبار وحكم منقولة عن اليونان من مثل:«كلّم رجل سقراط عند قتله بكلام أطاله، فقال أنسانى أول كلامك طول عهده وفارق آخره فهمى لتفاوته، ولما قدّم بكت امرأته فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: تقتل ظلما قال: وكنت تحبين أن أقتل مظلوما أو أقتل ظالما» (2). ولملوك الفرس ووزرائهم شطر كبير من الأقاصيص والأخبار. ونختار بابا من أبواب المحاسن نسوق منه ما يصور سيول هذه الثقافات، وهو باب محاسن السخاء، ومما جاء فيه (3):

«روى عن نافع قال: لقى يحيى بن زكريا عليه السلام إبليس لعنه الله فقال له: أخبرنى بأحب الناس إليك وأبغضهم، قال: أحبهم إلىّ كل مؤمن بخيل وأبغضهم إلىّ كل منافق سخىّ قال: ولم ذاك؟ قال إبليس: لأن السخاء خلق الله الأعظم فأخشى أن يطلع عليه فى بعض سخائه فيغفر له وقال النبى صلى الله عليه وسلم: السخىّ قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة قريب من النار، والجاهل السخى أحب إلى الله عز وجل من عابد بخيل، وأدوأ الدواء البخل. وقال صلى الله عليه وسلم: ما أشرقت شمس إلا ومعها ملكان يناديان يسمعان الخلائق غير الجن والإنس وهما الثقلان: اللهم عجل لمنفق خلفا ولممسك تلفا، وملكان يناديان: أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى. وعن الشعبى قال: قالت أم البنين ابنة عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز وزوجة الوليد بن عبد الملك: لو كان البخل قميصا ما لبسته أو طريقا ما سلكتها، وكانت تعتق فى كل يوم رقبة (عبدا) ونحمل على فرس مجاهدا فى سبيل الله. . . وقال بهرام جور: من أحب أن يعرف فضل الجود على سائر الأشياء فلينظر إلى ما جاد الله به على الخلق من المواهب الجليلة والرغائب النفيسة. . . وقال الموبذان لأبرويز (ملك فارس): أكنتم تمنّون أنتم وآباؤكم بالمعروف وتترصّدون عليه المكافأة؟ قال: ولا نستحسن ذلك لعبيدنا، فكيف

(1) المحاسن والأضداد ص 38.

(2)

المحاسن والأضداد ص 22.

(3)

المحاسن والأضداد ص 62 وما بعدها.

ص: 542

نرى ذلك وفى كتاب ديننا (كتاب زرادشت: الأفستا) من فعل معروفا خفيّا وأظهره ليتطوّل به على المنعم عليه فقد نبذ الدين وراء ظهره واستوجب ألا نعدّه من الأبرار ولا نذكره فى الأتقياء والصالحين. وسئل الإسكندر: ما أكبر ما شيّدت به ملكك؟ قال: ابتدارى إلى اصطناع الرجال والإحسان إليهم. وكتب أرسططاليس فى رسالته إلى الإسكندر: اعلم أن الأيام تأتى على كل شئ فتخلقه (فتبليه) وتخلق آثاره وتميت الأفعال إلا ما رسخ فى قلوب الناس، فأودع قلوبهم محبة بأثرك تبقى بها حسن ذكرك وكريم فعالك وشريف آثارك. ولما قدّم بزرجمهر (وزير فارسى) إلى القتل قيل له: إنك فى آخر وقت من أوقات الدنيا وأول وقت من أوقات الآخرة، فتكلم بكلام تذكر به، فقال: أى شئ أقول، الكلام كثير ولكن إن أمكنك أن تكون حديثا حسنا فافعل. وتنازع رجلان أحدهما من أبناء العجم والآخر أعرابى فى الضيافة فقال الأعرابى: نحن أقرى للضيف، قال:

وكيف ذلك؟ قال: لأن أحدنا ربما لا يملك إلا بعيرا فإذا حلّ به ضيف نحره له، فقال له الأعجمى: فنحن أحسن مذهبا فى القرى (الضيافة) منكم، قال:

وما ذلك، قال: نحن نسمى الضيف: مهمان، ومعناه أنه أكبر من فى المنزل وأملكنا له. وقال المأمون: الجود بذل الموجود والبخل سوء الظن بالمعبود. وشكا رجل إلى إياس بن معاوية (قاضى البصرة المشهور فى العصر الأموى) كثرة ما يهب ويصل وينفق، فقال: إن النفقة داعية إلى الرزق، وكان جالسا بين بابين فقال للرجل:

أغلق هذا الباب، فأغلقه، فقال: هل تدخل الريح البيت قال: لا، قال:

فافتحه، ففتحه، فجعلت الريح تخترق البيت، فقال: هكذا الرزق أغلقت البيت فلم تدخل الريح، فكذلك إذا أمسكت لم يأتك الرزق. ونزل على حاتم ضيف ولم يحضره القرى فنحر ناقة الضيف وعشّاه وغدّاه، وقال له: إنك أقرضتنى ناقتك فاحتكم علىّ، قال الرجل: راحلتين قال حاتم: لك عشرون أرضيت؟ قال: نعم وفوق الرضا. . . وقيل فى المثل هو أجود من كعب بن مامة الإيادى، وبلغ من جوده أنه خرج فى ركب فيهم رجل من بنى النّمر فى شهر قيظ. فضلّوا وتصافنوا (تقاسموا بالحصص) ماءهم، فجعل النمرى يشرب نصيبه ويظهر أنه عطشان، فكان كعب إذا أصاب نصيبه قال للساقى: آثر أخاك النّسرىّ حتى أضرّ به العطش فلما رأى ذلك استحثّ راحلته وبادر حتى وصل

ص: 543

إلى ورد ماء، وقيل له: رد كعب، إنك وارد، ولكن العطش غلبه فمات. . .

ومن قول أبى تمام.

ولو لم يكن فى كفه غير نفسه

لجاد بها فليتّق الله سائله»

وإنما سقنا ذلك كله لندل على المزيج الثقافى الذى يتكوّن منه كتاب المحاسن والأضداد، وهو مزيج به عناصر قصصية عن الأنبياء وعناصر إسلامية من الحديث التبوى وعناصر عربية من أخبار العرب رجالا ونساء، وعناصر فارسية من أخبار الفرس وحكاياتهم وعناصر يونانية من أخبار الإسكندر المقدونى وكلاّم أرسططاليس. وبين السطور نحسّ شعوبية المؤلف حين يعلى ضيافة الفرس وكرمهم على ضيافة العرب وما عرف عنهم من خصلة الكرم والجود.

ولم يكفه ذلك فقد جعل حاتما يذبح ناقة ضيفه ليقدّم له الغداء والعشاء، وإن عاد يقول إنه أعطاه بدلا منها عشرين ناقة، فكأنه يريد أن يستر شعوبيته. ولعل هذا الجانب فى الكتاب هو الذى جعل المؤلف لا يظهر اسمه، حتى لا يؤخذ به. وفى هذه الفقرة الطويلة ما يصور سيول الأخبار وما قد يكون فيها من قصّ. ودائما نلتقى فى الكتاب بطرائف من الحكم والأخبار، على نحو ما جاء فى محاسن حفظ اللسان إذ قيل: إنه تكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات كأنما رميت عن قوس واحد، قال كسرى: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر منى على ردّ ما قلت. وقال ملك الهند: إذا تكلمت بكلمة ملكتنى وإن كنت أملكها. وقال قيصر: لا أندم على ما لم أقل وقد ندمت على ما قلت. وقال ملك الصّين: عاقبة ما قد جرى به القول أشد من الندم على ترك القول (1). وفى الكتاب قصص كثير متنوع فى موضوعاته وفى مصادره وموارده، ويكثر فيه القصص عن المرأة العربية، وكذلك عن المرأة الفارسية، فمما جاء فيه عن المرأة العربية قصة رواها العتبى على هذا النمط (2):

«قال العتبى: كنت كثير التزوج فمررت بامرأة فأعجبتنى، فأرسلت إليها ألك زوج؟ قالت: لا فصرت إليها، فوصفت لها نفسى، وعرّفتها موضعى فقالت: حسبك قد عرفناك، فقلت لها: زوّجينى نفسك، قالت نعم:

(1) المحاسن والأضداد ص 21.

(2)

المحاسن والأضداد ص 184.

ص: 544

ولكن ههنا شئ هل تحتمله؟ قلت: وما هو؟ قالت: بياض فى مفرق رأسى.

قال: فانصرفت، فصاحت بى ارجع، فرجعت إليها، فأسفرت عن رأسها.

فنظرت إلى وجه حسن وشعر أسود، فقالت: إنا كرهنا منك، عافاك الله، ما كرهت منا، وأنشدت:

أرى شيب الرجال من الغوانى

بموضع شيبهنّ من الرجال

وهى قصة طريفة، وفى الكتاب قصص عن النساء ووفائهن وكيدهن، تكثر فيها عناصر التشويق، مما يجعلها قصصا بديعة من ذلك قصة أضيفت إلى شيرين الملكة الفارسية المشهورة ملخصها أن زوجها كسرى أبرويز أتاه صياد بسمكة كبيرة (1) فأعجب به وأمر له بأربعة آلاف درهم، فقالت له شيرين: أمرت لصياد بأربعة آلاف درهم فإن أمرت بمثلها لرجل من وجوه حاشيتك قال: إنما أمر لى بمثل ما أمر به للصياد. فقال لها كيف أصنع وقد أمرت له بما أمرت؟ قالت إذا أتاك فقل له:

أخبرنى عن السمكة أذكر هى أم أنثى؟ فإن قال: أنثى فقل: لا تقع عينى عليك حتى تأتينى بالذكر، وإن قال: ذكر، فقل له: لا تقع عينى عليك حتى تأتينى بالأنثى، فلما غدا الصياد على الملك قال له: أخبرنى عن السمكة أذكر هى أم أنثى؟ قال: بل أنثى قال: فأتنى بذكرها، قال: عمّر الله الملك إنها كانت بكرا لم تتزوج بعد، فقال له الملك: حسنا، حسنا، وأمر له بأربعة آلاف درهم، وأمر أن يكتب فى ديوان الحكمة: إن الغدر ومطاوعة النساء يورثان الغرم. وبعض قصص النساء بها غير قليل من الفحش، وقد تذكر أشياء غريزية تنبو عن الأذواق (2) على نحو ما يجرى فى بعض قصص ألف ليلة وليلة، وكانت قد ترجمت، فربما تأثر المؤلف بها، وربما تأثر المؤلف فى ذلك بالشعر المفحش الكثير الذى كان موجودا فى العصر. وقد يكون ذلك من أسباب تنكر المؤلف وإخفائه لاسمه. ويلقانا قصص دينى عن بعض الزهاد، وقد نلتقى بحكايات صوفية، بل قد نلتقى بما يصور كرامات المتصوفة التى سبق أن تحدثنا عنها التى كان ينكرها وشيوخهم الأجلاء، فمن ذلك ما رواه الكتاب،

(1) المحاسن والأضداد ص 201.

(2)

انظر مثلا القصة فى ص 193 وص 214.

ص: 545

قال (1): «عن أبى مسلم الخولانى قال: إنه خرج إلى السوق بدرهم يشترى لأهله دقيقا، فعرض له سائل، فأعطاه بعضه، ثم عرض له سائل آخر فأعطاه الباقى فأتى درب النّجّارين، فملأ جرابه أو مزوده من نشارة الخشب، لتنتفع بها امرأته فى إيفاد التّنّور وأتى منزله، فألقاه، وخرج هاربا من زوجته. وأخذته فإذا هو دقيق أبيض حوّارى (فاخر) لم تر مثله، فعجنته وخبزته، فلما جاء ووجد الخبز سألها: من أين لك هذا الخبز، قالت له: من الدقيق الذى جئتنا به» ! . ويذكر الكتاب كرامة لسفيان الثورى لا تقل غرابة عن الكرامة السابقة. ولا نريد أن نسترسل فى نقل هذا القصص الكثير الذى يزخر به كتاب المحاسن والأضداد، إنما نريد أن نوضح كيف أن هذا القصص يحتوى على عناصر مشوقة كثيرة. وأنه كان يدخل فى الأدب الشعبى العام، ولذلك يخلو من استعمال السجع والأساليب المنمقة، والطريف أنه عرض ليجسّم وجهين متقابلين فى كل خلق وكل خصلة، فمثلا الصدق له محاسنه، ولهذه المحاسن أقاصيصها وله معايبه، ولهذه المعايب أقاصيصها. وبالمثل كل فضيلة، فوفاء النساء لمحاسنه أقاصيصها ولمعايبه أقاصيص تقابلها وتناقضها أشد المناقضة. وبذلك يأخذ عرض هذه الأقاصيص وما يتصل بها من الأخبار والأقوال والأشعار شكل مناظرات أدبية لا تعتمد على الجدال والحوار بالدليل ضد الدليل والحجة العقلية ضد الحجة العقلية، وإنما على الحوار والجدال بالخبر ضد الخبر والشعر ضد الشعر والقصة ضد القصة والحكاية ضد الحكاية.

ويلتقى بهذا الكتاب فى موضوعاته وأكثر مادّته كتاب المحاسن والمساوى لإبراهيم بن محمد البيهقى، وقد أغفلت الحديث عنه كتب التراجم. غير أنه يفهم مما ذكره عن الخليفة المقتدر فى آخر حديثه (2) عن محاسن المسامرة أنه ألف كتابه فى زمنه. وهو يستهلّ كتابه بالحديث عن فضائل الكتب ووصف محاسنها مثل المحاسن والأضداد، ويماثله أيضا فى النقل كثيرا عن الجاحظ. ثم يفتح طائفة من الفصول لم ترد فى الكتاب السالف يتحدث فيها عن محاسن الرسول صلى الله عليه وسلم

(1) المحاسن والأضداد ص 141.

(2)

انظر المحاسن والمساوى (نشر مكتبة نهضة مصر ومطبعتها) 2/ 238.

ص: 546

وفضائله ومساوئ المتنبئين ومحاسن الخلفاء الراشدين ومناقبهم ومساوئ من عادى على بن أبى طالب ومحاسن ابنيه الحسن والحسين ومساوئ قتلة الأخير ومحاسن السابقين إلى الإسلام ومساوئ المرتدين ومحاسن كلام الحسن بن على وعبد الله بن العباس وفضائل بنى هاشم ومحاسن الافتخار بالرسول. وكل هذه المقدمات ينفرد بها هذا الكتاب بالقياس إلى كتاب المحاسن والأضداد، وبمجرد أن نفرغ منها نجد الكتابين يلتحمان، حتى ليصبح كتاب المحاسن والمساوى كأنه نسخة جديدة لكتاب المحاسن والأضداد، مما يؤكد أن مؤلفهما واحد، وكأن البيهقى ألّف الكتاب الأول، وأقحم فيه ما أقحم من أفكار الشعوبية والفحش فى القصص، ثم رأى أن يخرجه إخراجا جديدا وينسبه إلى نفسه، منحّيا منه ما يصور شعوبيته وما ينبو عن الأذواق السليمة من القصص المفحش مع وضع المقدمات آنفة الذكر. ويبدو منها أنه كان يكنّ نزعة شيعية، وإن لم يبرزها بقوة خوفا على نفسه من المقتدر وحواشيه. وهو فى هذه النسخة الجديدة للكتاب يذكر ابن المعتز (1) على نحو ذكره له فى النسخة القديمة أو بعبارة أخرى فى المحاسن والأضداد.

وطبيعى أن تكون مصادر هذا الكتاب هى نفسها مصادر الكتاب الأول المنحول للجاحظ، لأنه ليس أكثر من نسخة مجدّدة له، وغاية ما هناك أنه دخله تنقيح وتهذيب كثير، وإذن فكل ما قلناه عن المزيج الثقافى فى المحاسن والأضداد ينطبق بحذافيره على هذا الكتاب، ففيه بعض آى القرآن والأحاديث النبوية وأقوال بعض الصحابة والزهاد، وفيه أخبار وأقاصيص منقولة عن الأنبياء وعن عيسى وحوارييه، ومن طريف ما نقله عنه، قوله (2):

«إن ابن آدم خلق فى الدنيا فى أربع منازل، هو فى ثلاثة منها واثق بالله عز وجل، وهو فى الرابعة سيّئ الظن، يخاف خذلان الله عز وجل إياه، فأما المنزلة الأولى فإنه خلق فى بطن أمه خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث:

ظلمة البطن وظلمة الرّحم وظلمة المشيمة، ينزل الله جلّ وعزّ عليه رزقه فى جوف ظلمة البطن. فإذا خرج من ظلمة البطن وقع فى اللبن لا يخطو إليه بقدم

(1) راجع المحاسن والمساوى ص 1/ 276، 2/ 44، 45

(2)

المحاسن والمساوى 1/ 459.

ص: 547

ولا ساق ولا يتناوله بيد ولا ينهض بقوة ويكره عليه إكراها، حتى ينبت عليه عظمه ودمه ولحمه. فإذا ارتفع من اللبن وقع فى المنزلة الثالثة فى الطعام بين أبوين يكتسبان عليه من حلال وحرام، فإن مات أبواه من غير شئ عطف عليه الناس، هذا يطعمه، وهذا يسقيه، وهذا يؤويه. فإذا وقع فى المنزلة الرابعة واشتدّ واستوى وكان رجلا خشى ألا يرزق، فيشب على الناس، فيخون أماناتهم، ويسرق أمتعتهم ويكاثرهم على (يغصبهم) أموالهم مخافة خذلان الله عز وجل إياه».

والنص موجود فى المحاسن والأضداد (1)، ولكن العبارة هنا نقحت وهذّبت بصور مختلفة، وكذلك النصوص الأخرى حين نعارض الكتابين فيها بعضهما على بعض نجد دائما هذا التنقيح، مما يشهد بأن يدا واحدة هى التى كتبتهما، وأن أولهما كان أشبه بمسوّدة واتخذ الثانى شكل نسخة مهذبة منقحة قد صفّيت وأخليت من كل الشوائب اللغوية وغير اللغوية، ودخلتها إضافات من الأمثال والأحاديث النبوية والأشعار والأخبار والأقاصيص، كهذه الأقصوصة التى تلقانا فى الحديث عن محاسن الولايات، وهى تمضى على هذا النمط (2):

«دخل محمد بن واضح دار المأمون، وخلفه أكثر من خمسمائة راكب، كلهم راغب إليه وراهب منه، وهو إذ ذاك يلى عملا من أعمال السّواد (الأرض المزروعة) فى العراق. فدعا به المأمون فلما حضر بين يديه قال:

يا أمير المؤمنين أعفنى من عمل كذا وكذا، فإنه لا قوة لى عليه، فقال له المأمون:

قد أعفيتك. واستعفى من عمل آخر. وهو يظن أنه لا يعفيه. فأعفاه، حتى خرج من كل عمل فى يده فى أقل من ساعة، وهو قائم على قدميه. فخرج وما فى يده شئ من عمله، فقال المأمون لسالم الحوائجى: إذا خرج فانظر إلى موكبه وأحص من بقى معه-وكان المأمون قد رآه من مستشرف له حين أقبل-فخرج سالم وراء محمد بن واضح وقد استفاض الخبر بعزله عن عمله. فنظر فإذا هو لا يتبعه أحد إلا غلام له بغاشية (3). فرجع سالم إلى المأمون فأخبره، فقال: ويلهم

(1) المحاسن والأضداد ص 128.

(2)

المحاسن والمساوى 1/ 273.

(3)

غاشية: غطاء.

ص: 548

لو تجمّلوا له ريثما يرجع إلى بيته كما خرج منه، ثم تمثل فيهم:

ومن يجعل المعروف فى غير أهله

يلاق الذى لاقى مجير أمّ عامر (1)

ثم قال: صدق رسول الله وكان للصدق أهلا حين قال: لا تنفع الصنيعة إلا عند ذى حسب أو دين».

ويفيض هذا الكتاب كما تفيض مسوّدته: «المحاسن والأضداد» بكثير من أحوال العصور العربية السياسية والاقتصادية والحضارية، وخاصة العصر العباسى، ونرى البيهقى يفتح فيه-كما أشرنا إلى ذلك فى غير هذا الموضع-فصلا طويلا عن أصناف (2) المكدين وأفعالهم وهو فيه ينقل عن الجاحظ وما كتبه عنهم فى مصنّفه البخلاء، وقد عرض فيه حيلهم وتجوالهم فى البلدان ونوادرهم، فمن ذلك (3):

«أنه أتى سائل دارا يسأل منها، فأشرفت عليه امرأة من غرفة. فقال لها:

يا أمة الله بالله أن تصدّقى علىّ بشئ، قالت: أى شئ تريد؟ قال: درهما، قالت: ليس عندى، قال: فدانقا (جزءا من درهم)، قالت: ليس عندى، قال: ففلسا (جزءا من دانق)، قالت: ليس عندى، قال: فكسوة، قالت: ليس عندى، قال: فكفّا من دقيق، قالت: ليس عندى. قال:

فزيتا. . . حتى عدّ كل شئ يكون فى البيوت، وهى تقول ليس عندى، فقال لها: فما يجلسك عندك، مرى، اسألى معى».

وواضح أننا لا نعثر فى المادة الأدبية التى يحتويها هذا الكتاب وسالفه على شئ من السجع أو التكلف لألوان البديع أو لأى زخرف أو تنحيق، فهى مادة سهلة.

ليس فيها أى حليات لفظية ولا غير لفظية، وليس فيها أى صعوبات لغوية، وهى لذلك تعدّ مادة شعبية، أو قل إن الكتابين مصنفان كبيران من الأدب الشعبى فى العصر، وضعهما أديب ممتاز فى شكل مناظرات ومحاورات، حتى يشوّق إلى قراءتهما. ولم يكتف بهذا التشويق العام، فقد أدخل فى الأخبار والأقاصيص عناصر كثيرة منه تدفع العامة والخاصة إلى الشغف بقراءة الكتابين.

(1) أم عامر: الضبع.

(2)

المحاسن والمساوى 2/ 413.

(3)

المحاسن والمساوى 2/ 417.

ص: 549