الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخبز أرزىّ
(1)
اسمه نصر بن أحمد، شاعر بصرى، كان أميّا لا يكتب ولا يقرأ، وكان يخبز خبز الأرز فى دكّانه بمربد البصرة يتكسب بذلك معاشه، وفى أثناء عمله كان ينشد أشعاره المقصورة على الغزل، والشباب والناس يزدحمون عليه لاستماع شعره، ويتعجّبون من حاله وأمره، وشعره يذيع فى الناس لقرب مأخذه وسهولته. وعنى بعض معاصريه ممن كانوا ينتابون دكّانه بجمع أشعاره، وجمعوا له ديوانا، وفى معهد المخطوطات بالجامعة العربية نسخة مصورة منه، ويقول المسعودى فيه:«أحد المطبوعين المجوّدين فى البديهة المعروفين بالغزل» . ويقول أيضا:
«أكثر الغناء المحدث فى وقتنا هذا من شعره» . والخبز أرزى بكل ما قدمنا شاعر شعبى بالمعنى الكامل، فهو من بيئة شعبية، صاحب صناعة وحرفة، وهو أمى لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وشعره يدور على كل لسان فى بلدته والشباب والصّبية ينشدونه فى كل مكان والمغنون يغنّون فيه على جميع آلات الطرب. وقدم بغداد فاستقبله أدباؤها وشبابها استقبالا حسنا لما كان قد سبقه إليهم من أشعاره الخفيفة السهلة العذبة. ومن الغريب أن نجد الثعالبى فى اليتيمة يقول إنه كان على وشك إهماله وطىّ أشعاره لسفسفة كلامه، لولا أن وجد من معاصريه من اهتم بجمع ديوانه، فرأى أن يضمّن كتابه «اليتيمة» لمعا من شعره علقت بحفظه، وفى الوقت نفسه رأى الإعراض عن التصفح لباقى شعره وترك الفحص فيه عما لا يصلح لإلحاقه باليتيمة من ملحه. وبذلك فوّت على نفسه عملا أدبيّا ونقديّا جليلا كان يمكن أن يضيفه لكتابه ولا ينقص منه، بل لعله يرفعه درجات، إذ يحتوى مادة شعرية شعبية كان جديرا أن تعرض كاملة، حتى يرى مدى ما حدث من تطور فى اللغة الشعبية البصرية بالقياس إلى الفصحى، سواء فى جوانبها اللغوية أو الأسلوبية، ويرى أيضا مدى ما ظل بينهما من تواصل. ولكن هذا غاب عن
(1) انظر فى الخبز أرزى وحياته وأشعاره اليتيمة 2/ 267 ومروج الذهب 4/ 259 وابن خلكان فى نصر بن أحمد والنجوم الزاهرة 3/ 276 وديوان المعانى 1/ 272، 297 وزهر الآداب 2/ 137 وذيل زهر الآداب ص 149.
ذهنه. وأكبر الظن أنه إنما اختار أشعارا ليس فيها عامية. ومع ذلك فنحن نؤمن بأن الفوارق حينئذ بين العامية والفصحى لم تكن واسعة. ومن ملحه التى رواها له قوله:
خليلىّ هل أبصرتما أو سمعتما
…
بأكرم من مولى تمشّى إلى عبد
أتى زائرا من غير وعد وقال لى
…
أصونك عن تعليق قلبك بالوعد
فما زال كأس الوصل بينى وبينه
…
يدور بأفلاك السعادة والسّعد
فطورا على تقبيل نرجس ناظر
…
وطورا على تعضيض تفاحة الخدّ
وفى كلمة أصونك عن تعليق قلبك ما يصور رقّته وأنه يخشى عليه من تعلق قلبه بالانتظار، والبيتان الثالث والرابع جيدان فى التصوير. ومما روى له الثعالبى أيضا من ملحه قوله:
كم أناس وفوا لنا حين غابوا
…
وأناس جفوا وهم حضّار
عرّضوا ثم أعرضوا واستمالوا
…
ثم مالوا وجاوروا ثم جاروا
لا تلمهم على التجنّى فلو لم
…
يتجنّوا لم يحسن الإعتذار
والأبيات زاخرة بجناسات وطباقات تدل على أنه كان يفقه صنعة الشعر وصناعة البديعيين فيها فقها حسنا. فوقوا تقابل «جفوا» وغابوا تقابل حضّار او بين كل كلمتين متعاقبتين فى البيت الثانى جناس وطباق محكمان، وحسن التعليل واضح فى البيت الأخير. والكلمات عذبة حلوة خفيفة. ومن ملحه قوله:
رأيت الهلال ووجه الحبيب
…
فكانا هلالين عند النّظر
فلم أدر من حيرتى فيهما
…
هلال الدّجى من هلال البشر
ولولا التورّد فى الوجنتين
…
وما راعنى من سواد الشّعر
لكنت أظن الهلال الحبيب
…
وكنت أظن الحبيب القمر
والخيال جميل، وأحاله إلى طرفة نفيسة حقا بتلك الحيرة التى انتابته فلم يدر أين هلال الدّجى وأين هلال البشر، ثم أخذ يتأمل، وبعد أناة طويلة لاحظ
تورّد الوجنتين وسواد الشعر فعرف أين الهلال وأين الحبيب وإلا ظل غارقا فى حيرته. ومن ملحه:
قد كان لى فيما مضى خاتم
…
فاليوم لو شئت تمنطقت به
وذبت حتى صرت لو زجّ بى
…
فى مقلة النائم لم ينتبه
وهى مبالغة واضحة فيما أصابه من ضنا بسبب حبه وشقائه فيه وعذابه.
فحتى المبالغة التى كانت قد أخذت تشيع بين الشعراء نجدها عنده، وكأنه توفّر على الشعر فى عصره وقبل عصره حتى استقامت له ملكته، وحتى تمثّله بجميع مقوماته وخصائصه. وكان خفيف الروح فكها مما جعله محبوبا عند أهل البصرة فى حياته وبعد مماته. ومن طريف ماله قوله فى قلة الطعام على مائدة أحد أصدقائه:
ولعمرى كان الخوان ولكن
…
لم يكن ما يكون فوق الخوان
وجفان مثل الجوابى ولكن
…
ليس فيهن ما يرى بالعيان (1)
فإذا ما أدرت فيها بنانى
…
لم أجد ما أمسّه ببنان
إننى ما ضغ على غير شئ
…
غير صكّ الأسنان بالأسنان
ترجع الكفّ وهى أفرغ منها
…
عند مدّى لها فدأبى وشانى
والأبيات تدل على روح الدعابة عنده وأنه كان جميل المحضر عذب الفكاهة خفيف الظل على نفوس مواطنيه وعارفيه وعلى الشباب البصرى خاصة مما جعلهم يتعلقون به تعلقا شديدا. ويبدو أنه نظم بجانب مقطوعاته التى كان ينشدها فى خبزه للأرز قصائد طويلة، فقد أشار من ترجموا له إلى قصيدة طويلة طنانة استهلّها بقوله:
بات الحبيب منادمى
…
والسّكر يصبغ وجنتيه
وواضح مما أنشدناه له أنه كان عذب الشعر رقيقه وهو شعر شعبى بالمعنى الدقيق، فقد نظمه صانع من صناع الشعب، لم يكن يحترف صنع الشعر للتكسب
(1) الجوابى: أحواض الماء
به وعرضه على الخلفاء وغير الخلفاء ليمنحوه الجوائز المالية الضخمة، فهو ليس ممن يقدمون شعرهم للطبقة الأرستقراطية إنما هو شاعر شعبى يقدّم أشعاره للجمهور، متبغيا إرضاءه بتصويره لأحاسيسه فى الغزل، وباتخاذه لغته السهلة التى لا تجد فى فهمها أى عسر أو مشقة. وقد لبّى نداء ربه سنة 330 للهجرة، ويقول المسعودى أشيع أن الوزير البريدى غرّقه لأنه كان هجاه، وقيل: بل فرّ من البصرة إلى هجر والبحرين وتوفى هناك، ومهما يكن فقد حزنت البصرة وشبابها لوفاته، وظلت ذكراه ماثلة لأهلها طويلا.