المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٤

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌العصر العباسى الثانى

- ‌الفصل الأوّل:الحياة السياسية

- ‌1 - استيلاء الترك على مقاليد الحكم

- ‌2 - تدهور الخلافة

- ‌3 - ثورة الزنج

- ‌4 - ثورة القرامطة

- ‌5 - أحداث مختلفة

- ‌الفصل الثّانى:الحياة الاجتماعية

- ‌1 - طبقات المجتمع

- ‌2 - الحضارة والترف والملاهى

- ‌3 - الرقيق والجوارى والغناء

- ‌4 - المجون والشعوبية والزندقة

- ‌5 - الزهد والتصوف

- ‌الفصل الثالث:الحياة العقلية

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل: نقل ومشاركة وتفلسف

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه

- ‌5 - الاعتزال وانبثاق المذهب الأشعرى

- ‌الفصل الرّابع:نشاط الشعر

- ‌1 - علم الشعراء بأسرار العربية

- ‌2 - ذخائر عقلية خصبة

- ‌3 - التجديد فى الموضوعات القديمة

- ‌4 - نمو الموضوعات الجديدة

- ‌5 - نمو الشعر التعليمى

- ‌الفصل الخامس:أعلام للشعراء

- ‌1 - على بن الجهم

- ‌2 - البحترى

- ‌3 - ابن الرومى

- ‌4 - ابن المعتز

- ‌5 - الصنوبرى

- ‌الفصل السّادس:شعراء السياسة والمديح والهجاء

- ‌1 - شعراء الخلفاء العباسيين

- ‌مروان بن أبى الجنوب أبو السمط

- ‌أبو بكر الصولى

- ‌2 - شعراء الشيعة

- ‌ محمد بن صالح العلوى

- ‌الحمّانى العلوىّ

- ‌المقجّع البصرىّ

- ‌3 - شعراء الثورات السياسية

- ‌ محمد بن البعيث

- ‌4 - شعراء الوزراء والولاة والقواد

- ‌ أبو على البصير

- ‌ أحمد بن أبى طاهر

- ‌ ابن دريد

- ‌5 - شعراء الهجاء

- ‌ الصّيمرى

- ‌الحمدونى

- ‌ابن بسام

- ‌الفصل السّابع:طوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل وشاعراته

- ‌فضل

- ‌2 - شعراء اللهو والمجون

- ‌ الحسين بن الضحاك

- ‌3 - شعراء الزهد والتصوف

- ‌ الحلاّج

- ‌الشبلىّ

- ‌4 - شعراء الطرد والصيد

- ‌5 - شعراء شعبيون

- ‌جحظة

- ‌الخبز أرزىّ

- ‌الفصل الثامن:نشاط النثر

- ‌1 - تطور النثر

- ‌2 - الخطابة والمواعظ والنثر الصوفى

- ‌3 - المناظرات

- ‌4 - الرسائل الديوانية

- ‌5 - الرسائل الإخوانية والأدبية

- ‌الفصل التّاسع:أعلام الكتاب

- ‌2 - الجاحظ

- ‌3 - ابن قتيبة

- ‌4 - سعيد بن حميد

- ‌5 - أبو العباس بن ثوابة

- ‌خاتمة

الفصل: ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ

والمعرفة العقلية الخالصة. ونحن إنما لمسنا السطح فقط لنصور فلسفة الفارابى، وهى فلسفة إسلامية عقلية استمدّت من روحانية الإسلام ومن نظريات العقل ومن أفكار الفلاسفة وخاصة أرسطو وأفلاطون مازجة بين هذه العناصر جميعا، مستخلصة منها فلسفتنا الإسلامية الوسيطة وأصولها السديدة.

‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد والتاريخ

رأينا فى كتاب العصر العباسى الأول مدى التنافس الذى نشب بين علماء البصرة والكوفة فى جمع اللغة وكيف كانوا يرحلون إلى نجد والبوادى ومعهم قوارير المداد وأحمال الصحف ليدوّنوا كلمات اللغة من ينابيعها الأصلية. وقد مضى كثيرون من علماء البلدتين وتلاميذهما ببغداد فى هذا العصر يخرجون إلى البادية ونجد لمشافهة الأعراب والسماع منهم لما يجرى على ألسنتهم من أقوال وأشعار وأضافوا إلى ذلك ما سمعوه من أساتذتهم الأصمعى والمفضل الضبى وأبى زيد وأضرابهم. وأخذ تلاميذهم يحملون عنهم رواياتهم، وسرعان ما تكوّن فى هذا العصر السند. إذ يقول العالم اللغوى مثل الأشناندى أبى عثمان سعيد بن هرون المتوفى سنة 288: عن التوّزى أبى محمد عبد الله بن محمد بن هرون المتوفى سنة 233 عن أبى نصر أحمد ابن حاتم الباهلى عن الأصمعى. ومعروف أن علم الأصمعى حمله مع أحمد بن حاتم جماعة منهم الأثرم أبو الحسن على بن المغيرة المتوفى سنة 231 والزيادى أبو إسحق إبراهيم بن سفيان المتوفى سنة 249 والرياشى العباس بن الفرج المتوفى سنة 257.

وكل أولئك وأضرابهم من رواة اللغويين القدماء كانوا يعتمدون قبل كل شئ على الإملاء، وكان تلاميذهم يحرصون عليه مخافة دخول غلط عليهم فى قراءة النصوص.

ومع ذلك كان منهم من يأخذ أحيانا عن الكتب، وكانوا يميزونه من سواه، خشية أن يكون قد صحّف فيما قرأ، واتسع التصحيف حتى ألف فيه العلماء كتبا مفردة.

وجعلهم الاهتمام بالسند يتأثرون برجال الحديث فى تجريح الرواة وتعديلهم، وكان علماء البصرة فى ذلك أشد تحرجا من علماء الكوفة وبغداد، وبالمثل تأثروا بهم فى تلقيب بعض الروايات بألقاب الجودة والضعف، ويؤثر عن ابن الأنبارى

ص: 142

الكوفى المتوفى سنة 328 قوله: «الكلمات قسمان: كلمات متواترة وآحاد، فأما المتواترة فلغة القرآن وما تواتر من السنّة وكلام العرب، وهذا قطعى يفيد العلم، وأما الآحاد فما تفرّد بنقله بعض أهل اللغة ولم يوجد فيه شرط التواتر (1)» . وكانوا يجمعون فيما يملونه أشتاتا من بعض أقوال العرب وأشعارهم وأقاصيصهم، ومما يصور ذلك مجالس ثعلب الكوفى المتوفى سنة 291. وأحيانا كانوا يؤلفون الكتاب فى أقوال وأشعار وأمثال حيثما اتفق مثل مجالس ثعلب، وأحيانا يجمعون كلمات فى موضوع واحد مثل كتاب المذكر والمؤنث ليعقوب بن السكيت الكوفى المتوفى سنة 243 وكتاب النخل وكتاب الطير لأبى حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستانى البصرى المتوفى سنة 250. وكان طبيعيّا أن تظهر حينئذ معاجم تحصى كلمات اللغة إحصاء دقيقا دالة على معانيها، ولم يلبث أن تداول الورّاقون معجم العين المنسوب إلى الخليل حتى إذا كان ابن دريد محمد بن الحسن البصرى المتوفى سنة 321 وجدناه يؤلف معجمه اللغوى الكبير: الجمهرة فى اللغة، وعلى الرغم من نقد القدماء له وقول نفطويه الكوفى معاصره المتوفى سنة 328 إنه ليس أكثر من تحريف لمعجم العين للخليل يعدّ عملا باهرا. ودفعتهم فكرة تعليم اللغة للناشئة إلى أن يجمعوا كثيرا من الألفاظ والعبارات الغريبة فى طائفة من الموضوعات والمعانى ويؤلفوا فيها كتابا مثل كتاب الألفاظ لابن السكيت، وهو يحتوى كثيرا من أبيات الرجز المسرفة فى الغرابة ومن الألفاظ المهجورة، وهو جانب يميز اللغويين الكوفيين إذ كانوا يكثرون من رواية الغريب المهجور فى مصنفاتهم. وعنوا فى هذا العصر أشد العناية بجمع دواوين الشعر القديم جمعا علميّا، عماده التوثق والتحقيق، وهو عمل يعدّ متمما لما نهض به فى العصر الماضى المفضل الضبى والأصمعى وابن الأعرابى، وكانوا يضيفون إلى الدواوين غالبا شروحا للتوضيح، ويشتهر فى هذا المجال محمد بن حبيب البصرى وثعلب الكوفى والسكرى أبو سعيد الحسن بن الحسين البصرى تلميذ الرياشى وأصغر تلاميذ الأصمعى المتوفى سنة 275 وكان شديد الطموح، فلم يكتف بجمع دواوين طائفة كبيرة من الشعراء، بل مضى يجمع دواوين القبائل، ويقال إنه جمع منها نيفا وثمانين، لم يبق الزمن منها إلا قطعا من ديوان هذيل

(1) المزهر (طبعة الحلبى) 1/ 114.

ص: 143

نشرت فى خمس مجموعات أربع منها فى أوربا وواحدة طبعت فى دار الكتب المصرية، ودائما نراه يذكر ما اختلف فيه أئمة البصريين والكوفيين فى رواية أبيات وألفاظها المختلفة. وصنفوا كثيرا من المختارات الشعرية، وكان مما صنفوه فى العصر الماضى المعلقات والمفضليات والأصمعيات، أما فى هذا العصر فمن أهم ما صنفوه من كتب الاختيارات جمهرة أشعار العرب لأبى زيد محمد بن أبى الخطاب القرشى، ولا تعلم سنة وفاته بالضبط، ولكن الوسائط فى مقدمته لكتابه بينه وبين علماء القرن الثانى جيلان أو ثلاثة مما يؤكد أنه عاش فى أواخر القرن الثالث الهجرى، ومختاراته تضم تسعا وأربعين قصيدة موزعة على سبعة أقسام، فى كل قسم سبع قصائد، والقسم الأول خاص بالمعلقات، وتغلب القصائد الجاهلية على المجموعة، وتمتاز بالقصائد الطويلة. ويعنى ابن الأنبارى بشرح مفصل على المفضليات يسوق فيه الفروق بين الروايتين البصرية والكوفية لأبيات هذه المجموعة الكبيرة. وعنى حينئذ شاعران بعمل ديوانين للحماسة هما أبو تمام والبحترى، وكأن اللغويين جعلوا فكرة الاختيار من الشعر القديم والحديث تعمّ فى جميع البيئات. وظهرت عندهم بقوة فكرة عمل مختارات من الشعر والنثر تقرّ بهما من أفهام الشباب والناشئين عامة، فصنع المبرد كتابه «الكامل» وبه مختارات كثيرة ذلّلها ويسرّها لشداة الأدب واللغة. وكأنما أحسّ الجاحظ وابن قتيبة، كما مر بنا، أن غاية اللغويين من هذا التيسير والتذليل لا تزال أبعد من أن يحققوها، لأن فكرة التعليم اللغوى من أجل اللغة قبل كل شئ لا تزال غالبة عليهم، فألف الجاحظ البيان والتبيين ليدخل على هذه الفكرة الأفكار الجمالية والبلاغية، وألف ابن قتيبة كتابه عيون الأخبار ليدخل بدوره عليها الأفكار الفارسية واليونانية، مازجا بينها مزجا يثير رغبة الناشئة والشباب فى قراءته، وألف بجانبه مصنفه «أدب الكاتب» ليضرم فى قلوبهم الحمية للفصحى وتنقية اللغة مما لابسها أو يكاد يلابسها من الشوائب الأعجمية والعامية. وألّفت فى العصر كتب كثيرة (1) تصوّر ما يلحن فيه العامة، منها ما هو لأحمد بن حاتم الذى مر ذكره أو لأبى حاتم السجستانى أو للمازنى أبى عثمان بكر بن محمد البصرى المتوفى سنة 249 أو للمفضل بن سلمة

(1) انظر كتاب الفهرست ص 89، 91، 93، 115.

ص: 144

الكوفى المتوفى سنة 290 ونيف بقصد جذب الشباب والمتأدبين إلى دوائر الفصحى. وللغاية نفسها ألف ثعلب كتابه «الفصيح» جامعا فيه كثيرا من الصياغات الفصيحة الناصعة، كما ألف عبد الرحمن بن عيسى الهمذانى المتوفى سنة 327 (1) مصنّفه «الألفاظ الكتابية» وهى عقود نظم فيها دررا من الصياغات البليغة الزاخرة بحيوية دافقة: وعلى غرارها ما جمعه قدامة بن جعفر المتوفى سنة 337 فى كتابه «جواهر الألفاظ» وبذلك بثّ اللغويون فى نفوس كثيرين مشاركتهم فى تحبيب العربية للناشئة والشباب المتأدبين بوسائل كثيرة. ومنها وسيلة لم نتحدث حتى الآن عنها، ونقصد ما حاوله بعض اللغويين من اتخاذ بعض القصص وسيلة تعليمية، إذ كانوا يقصون بعض حكايات عن الأعراب، مدمجين فيها بعض ألفاظ غريبة كى يسهل على الناشئة حفظها، وممن اشتهر باتخاذ هذه الوسيلة التعليمية ابن دريد إذ ألف أربعين أقصوصة قصيرة-كان يسمى كلا منها حديثا- (2) لغرض التعليم اللغوى وتبسيطه وتيسيره، وبذلك أوحى لبديع الزمان أن يؤلف فيما بعد مقاماته مبتغيا بها الوجهة التعليمية نفسها.

ومن يرجع إلى كتابنا «المدارس النحوية» يطلع فى وضوح على نشاط النحاة فى العصر، فقد كانت المدرستان البصرية والكوفية قائمتين، وأخذت المدرسة البغدادية طريقها إلى الظهور بأخرة من العصر. وإلى المدرسة البصرية يرجع الفضل فى إقامة صرح النحو العربى بكل ما يتصل به من قواعد، لا فى هذا العصر بل فى العصر السابق له، وخاصة منذ الخليل بن أحمد، فهو الذى صاغه فى صورته العامة المعروفة بأبوابه وعوامله ومعمولاته وكل ما سند بناءه من سماع وتعليل وقياس قويم.

وأتمّ سيبويه صنيعه فى مصنفه «الكتاب» الذى عدّه النحاة آية كبرى لا سابقة لها ولا لاحقة. وخلفه الأخفش الأوسط، ففسح للغات والقراءات الشاذة محتجّا لها ومدافعا دفاعا سديدا. وفى هذه الأثناء استطاع الكسائى وتلميذه الفرّاء أن يشيدا فى الكوفة مدرسة نحوية، تعتمد على صورة النحو البصرى العامة وتستقل بطوابع تميزها، من حيث بسط القياس وقبضه ومن حيث الاتساع فى الرواية ومن

(1) راجع مقدمة الألفاظ الكتابية (طبعة بيروت سنة 1885).

(2)

زهر الآداب للحصرى 1/ 307.

ص: 145

حيث وضع بعض المصطلحات الجديدة، ومن حيث تلقيب بعض العوامل والمعمولات، وعنى الفرّاء خاصة بإنكار بعض القراءات الشاذة.

وعلى هذه الشاكلة لا ينتهى العصر العباسى الأول، حتى تكون المدرستان البصرية والكوفية تميّزتا تميزا تامّا، وكان أهم الأئمة البصريين فى هذا العصر المازنى والمبرد، أما المازنى فهو بكر (1) بن محمد الملقب بأبى عثمان المتوفّى كما مر آنفا سنة 249 وهو تلميذ الأخفش الأوسط، وكان لسنا قوى الحجة، وله مناظرات مأثورة مع ابن السكيت وغيره من الكوفيين أفحمهم فيها بأدلته القاطعة، وعاش يدرس لطلابه وتلاميذه كتاب سيبويه، وله حوله تعليقات وشروح عدة، منها تفاسير كتاب سيبويه والديباج فى جوامعه، وصنف فى علل النحو كتابا، وعنى بالتصريف عناية واسعة جعلته يخصه بكتاب التصريف، ولابن جنى عليه شرح مبسوط سماه «المنصف» . وفى كتاب «المدارس النحوية» طائفة من آرائه فى النحو احتفظ بها النحاة فى مصنفاتهم، وهو أول من أعطى علم التصريف صيغته النهائية فى كتابه السالف ذكره، ويقول فى مطالعه بعد ذكره أمثلة الأسماء والأفعال المجردة والمزيدة: «إنما كتبت لك فى صدر هذا الكتاب هذه الأمثلة (الأبنية) لتعلم كيف مذاهب العرب فيما بنت من الأسماء والأفعال، فإذا سئلت عن مسألة فانظر هل بنت العرب على مثالها، فإن كانت بنت فابن مثل ما بنت. . .

وسأصنع لك من كل شئ من هذا الباب رسما تقيس عليه ما كان مثله (2)». وهو يعدّ أول من فتح بقوة باب التمارين غير العملية فى الصرف، إذ نراه يبنى من ضرب على مثال جعفر أو على مثال سفرجل وما إلى ذلك من أبنية غير مستعملة فى اللغة (3). وكان يتشدد فى الأخذ بالقياس، مما جعله يردّ-على هدى الفرّاء- بعض القراءات التى تشذ على قواعد النحو ومقاييسه (4). وأنبه تلاميذه المبرد محمد (5) ابن يزيد الأزدى إمام نحاة البصرة لزمنه المتوفى سنة 285 وهو آخر أئمتهم المهمين،

(1) انظر فى ترجمة المازنى تاريخ بغداد 7/ 93، وإنباه الرواة 1/ 246 ومعجم الأدباء 7/ 107.

(2)

راجع المنصف على التصريف 1/ 95.

(3)

انظر المنصف 1/ 173 وما بعدها.

(4)

المدارس النحوية (طبع دار المعارف) ص 119.

(5)

راجع فى ترجمة المبرد تاريخ بغداد 3/ 380 وإنباه الرواة 3/ 241 ومعجم الأدباء 19/ 111.

ص: 146

وفيه يقول ابن جنى: «كان يعدّ جيلا فى العلم، وإليه أفضت مقالات أصحابنا (البصريين) وهو الذى نقلها وحرّرها وأجرى الفروع والعلل والمقاييس عليها (1)» وكان يشرح لتلاميذه كتاب سيبويه وكتب الأخفش والمازنى وله مصنفات كثيرة، منها كتاب الكامل فى اللغة والأدب الذى أشرنا إليه فيما أسلفنا من حديث وكتاب المقتضب فى النحو المطبوع فى القاهرة بتحقيق محمد عبد الخالق عضيمة، وهو كتاب نفيس، وطبع له كتابه «الفاضل» ونسب عدنان وقحطان، وسقطت من يد الزمن مصنفات له كثيرة. وأهميته فى تاريخ النحو البصرى إنما ترجع-كما لاحظ ابن جنى-إلى أنه حرّر مسائل النحو البصرى وقواعده، وإلى أنه اشتق من أصوله فروعا كثيرة، وإلى أنه بسط فيه كثيرا من العلل والمقاييس التى لم يسبق إليها، وقد نفذ إلى كثير من التعريفات والآراء المبتكرة فى العوامل المحذوفة والمضمرة والملفوظة، وبالمثل فى المعمولات ومواقعها فى الإعراب، واستكثر من العلل كثرة مفرطة، فكل رأى لا بد له من علة أو علل تسنده، كما استكثر من القياس، مع اعتداده بالسماع عن العرب ومع حس أدبى دقيق فى التذوق اللغوى. وله تلاميذ كثيرون، لعل أهمهم الزجاج إبراهيم بن السرىّ المتوفى سنة 310 وهو امتداد له فى عنايته بكتاب سيبويه وفى تصنيفه لبعض الكتب النحوية وفى محاولته النفوذ إلى بعض الآراء المبتكرة مع العناية بالتعليل والقياس. ومن تلاميذه المهمين ابن السراج أبو بكر محمد بن السرىّ المتوفى سنة 316 وقد عكف على المنطق حتى أتقنه، وعاش يقرأ لتلاميذه كتاب سيبويه وفى مقدمتهم السيرافى وأبو على الفارسى، وله كتاب الأصول عنى فيه عناية واسعة بعلل النحو ومقاييسه، انتزعه من كتاب سيبويه، وأثر دراسته للمنطق واضحة فيه وفى تقاسيمه.

وإذا تركنا المدرسة البصرية إلى المدرسة الكوفية وجدنا لها إماما مشهورا فى هذا العصر هو ثعلب (2) أبو العباس أحمد بن يحيى المتوفى سنة 291 وقد قرأ على شاكلة أستاذيه الكسائى والفراء كتاب سيبويه وكتب الأخفش، وأضاف إلى ذلك زادا كبيرا حصّله من الشعر القديم ودواوينه ومن القراءات والحديث النبوى. وذكر

(1) سر صناعة الإعراب لابن جنى 1/ 130.

(2)

انظر فى ثعلب تاريخ بغداد 5/ 204 وإنباه الرواة 1/ 138 ومعجم الأدباء 5/ 102.

ص: 147

مترجموه له مصنفات كثيرة فى النحو واللغة والقراءات والأمثال والمنتخبات الشعرية والنثرية، وقد وصلنا منها «الفصيح» الذى عرض له فى غير هذا الموضع والذى ابتغى به تقويم ألسنة المبتدئين. وطبع له كتابه «المجالس» وهو إملاءات لمختارات شعرية ونثرية تكتظ بالنحو والأشعار الغريبة والشاذة والقراءات والأمثال والأخبار والأقوال المنثورة. وصنع طائفة كبيرة من الدواوين القديمة. ومن يرجع إلى كتابه المجالس وما تناثر فى كتب النحاة له من آراء يجده يطبق تطبيقا دقيقا آراء أستاذه الفراء وأستاذيهما جميعا الكسائى وكل ما أصّلاه لمدرستهما الكوفية من أصول فى النحو ومن مصطلحات وألقاب جديدة وما كانا يأخذان به أنفسهما من التوسع فى الرواية عن العرب والاعتداد بالشواذ اللغوية. وله كتاب مطبوع يسمى قواعد الشعر، وسنتعرض له فى حديثنا عن البلاغة والنقد. وله-مثل المبرد منافسه- تلاميذ كثيرون، لعل أهمهم أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارى المتوفى-كما مر بنا- سنة 328، وتضاف إليه مصنفات كثيرة فى غريب الحديث وعلوم القرآن وفى اللغة وكتابه الأضداد فيها مطبوع وأيضا فى النحو. وعنى مثل أستاذه بإخراج الدواوين الشعرية القديمة، وسبق أن تحدثنا عن شرحه للمفضليات، وهو ملئ بمعارفه الواسعة فى اللغة والأشعار والأخبار. وكان-فيما يظهر-مثقفا ثقافة منطقية، فدعم النحو الكوفى بكثير من العلل السديدة.

وتنشأ بأخرة من العصر المدرسة البغدادية متميزة بمنهجها القائم على الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية مع النفوذ إلى كثير من الآراء المبتكرة، وقد تداولها جيلان: جيل مبكر كانت تغلب عليه النزعة الكوفية من أمثال ابن كيسان، وجيل تال كانت تغلب عليه النزعة البصرية من أمثال الزجاجى. ولكى تتضح المدرسة وهاتان النزعتان نقف قليلا عند ابن كيسان والزجاجى. أما ابن كيسان (1) فهو أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان المتوفى سنة 299 وهو تلميذ ثعلب والمبرد؛ وأهلّه ذلك لكى ينتخب من آرائهما آراءه النحوية، ولم يكتف بذلك فقد حاول النفوذ إلى بعض الآراء الجديدة، وكان فى أول أمره كوفيّا، فعنى ببسط

(1) انظر فى ابن كيسان تاريخ بغداد 1/ 335 وإنباه الرواة 3/ 57 ومعجم الأدباء 17/ 137.

ص: 148

العلل لآراء الأئمة الكوفيين، تسعفه فى ذلك ثقافة منطقية عميقة، وجعله ذلك يصطبغ بصبغة كوفية، حتى بعد استقلاله عن تلك المدرسة، وقد ألف فيها وفى المدرسة البصرية كتابه «اختلاف البصريين والكوفيين» وله وراءه كتب فى النحو والتصريف، وكتاب مهم فى علل النحو قال القدماء إنه كان يقع فى ثلاثة مجلدات، ولعله هو الذى عرض فيه احتجاجاته لآراء المدرسة الكوفية. ويعرض كتاب المدارس النحوية ما اختاره من آراء المدرسة البصرية وكذلك من آراء المدرسة الكوفية، ثم ما نفذ إليه من آراء اجتهادية انفرد بها من دون غيره من أئمة المدرستين. وهو بذلك مثل دقيق من أمثلة المدرسة البغدادية التى كانت تمزج بين آراء المدرستين السالفتين وتحاول أن تتخذ لنفسها آراء جديدة فريدة. والزجاجى (1) هو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحق المتوفى سنة 337 تلميذ الزجاج البصرى، وله مصنفات كثيرة، طبع منها كتاب الجمل وهو مختصر فى النحو كانت له شهرة مدوّية فى العصور الوسطى وشرح شروحا لا تكاد تحصى، وطبع أيضا له أماليه الوسطى مع تعليقات للشنقيطى، ومجالس العلماء وهى مناظرات بينهم فى مسائل لغوية ونحوية، وكتاب الإيضاح فى علل النحو، وقد عرض فيه علل النحو عند البصريين والكوفيين ملاحظا أن ابن كيسان وأضرابه من الجيل البغدادى الأول هم الذين وضعوا للنحو الكوفى أكثر علله واحتجاجاته، وقد يضيف من عنده وجوها من العلل، يدعم بها العلل الكوفية والبصرية جميعا. وهو بالمثل فى النحو ينتخب من آراء الطرفين ويضيف آراء جديدة، وإذا كان ابن كيسان تتضح عنده نزعة كوفية فالزجاجى على العكس تتضح عنده نزعة بصرية، إذ كثيرا ما يقف مع البصريين مناضلا مدافعا، وكأنه كان إرهاصا لغلبة النزعة البصرية على النزعة الكوفية فى المدرسة البغدادية، على نحو ما سيتضح فيما بعد عند أبى على الفارسى وابن جنى.

ونشطت فى العصر الأنظار البلاغية، وفى كتابنا «البلاغة تطور وتاريخ» ما يصور مراحل نشأتها فى العصر العباسى الأول ونموها فى هذا العصر، فقد مضى كثيرون من الكتّاب مثل ابن المقفع ومن الشعراء مثل بشار يبدون بعض

(1) انظر فى الزجاجى إنباه الرواة 2/ 160 والأنساب للسمعانى الورقة 272 ونزهة الألباء (طبعة الحلبى) ص 306.

ص: 149

ملاحظات بلاغية على ما يكسب الكلام حسنا وجمالا حتى إذا ظهر مسلم بن الوليد اتخذ ما اكتشفه الأدباء من محسنات مذهبا وأطلق عليه لأول مرة اسم البديع، وكان يشمل وجوه حسن بيانية وبديعية، وأخذ اللغويون من أمثال الأصمعى وأبى عبيدة فى هذه الأثناء يبدون بعض ملاحظات على وجوه الحسن فى الكلام، وألف الأصمعى كتابا فى التجنيس وسجل بعض ألوان هنا وهناك مثل الطباق والالتفات، فى حين عنى أبو عبيدة معاصره-وخاصة فى كتابه «مجاز القرآن-ببيان بعض الخصائص البلاغية مثل التقديم والتأخير والتشبيه والكناية والاستعارة. وأخذ المتكلمون-وخاصة المعتزلة-يعنون بالبحث فى وجوه البلاغة، وجعلهم ذلك يحاولون التعرف على ما عند الأمم الأجنبية منها وأضافوا إليه كثيرا من ملاحظاتهم. ومضى اللغويون والأدباء طوال القرن الثالث للهجرة يحاولون التعرف على مواطن الجمال والبلاغة فى الكلام، ونثر ابن قتيبة فى كتابه: «تأويل مشكل القرآن» ملاحظات متنوعة عن الخصائص البيانية والأسلوبية، على حين ألم المبرد فى كتابه «الكامل» بالكناية والتشبيه، وفصّل القول فيهما تفصيلا جيدا، وانسابت من ذلك كله مسارب إلى كتاب قواعد الشعر لثعلب. غير أن هذه الجهود كلها ليست شيئا بالقياس إلى ما نثره الجاحظ المعتزلى المتكلم المتوفى سنة 255 فى كتابيه «البيان والتبيين» و «الحيوان» وهو يتحدث طويلا عن فكرة مطابقة الكلام لمقتضى الحال التى شاعت فيما بعد عند البلاغيين، ويتسع فى الحديث عن الإيجاز والإطناب ومواضعهما وعن أصوات الكلام وموسيقاه ومواقع الألفاظ ومواضعها التى لا تعدوها وعن السجع والازدواج والاقتباس، وحلل الاستعارة بأقسامها المختلفة تحليلا بديعا، وألم بالتشبيه وبكثير من فنون البديع واستنبط فنّا جديدا منها هو المذهب الكلامى. وبذلك كان يعدّ المؤسس الحقيقى لمباحث البلاغة العربية.

وأخذت تتضح منذ مطالع العصر بيئات (1) ثلاث تتناول كل منها البلاغة تناولا متميزا، وهى بيئة اللغويين المحافظين وبيئة المتفلسفين والمترجمين المجددين وبيئة المعتزلة المعتدلين، أما البيئة الأولى فكانت تحاول بكل ما استطاعت

(1) انظر فى هذه البيئات كتاب البلاغة تطور وتاريخ (طبع دار المعارف) ص 62 وما بعدها.

ص: 150

أن تفرض المثال العربىّ القديم، فهو النموذج الذى يحسن أن يحاكى، وكل ما سواه غثّ سقيم، وأخذت تتجه إلى ملاحظات نحوية ولغوية مدرسية على نحو ما يتضح فى كتاب الموشح للمرزبانى. وأما البيئة الثانية بيئة المتفلسفة والمترجمين فكانت مجددة مسرفة فى التجديد، إذ رأت من الواجب أن تتخذ الفلسفة اليونانية ومعايير اليونان البلاغية أصولا فى تقويم البلاغة العربية، مما جعل البيئة اللغوية تعلن النكير عليها وكان يقف معها أصحاب البلاغة العربية الخالصة وكانوا أكثر نفرا وأنصارا لما قلناه فى غير هذا الموضع من أنه سادت فى العصر نزعة محافظة غلبت فيه على كل شئ وكان طبيعيا أن تغلب على الذوق الأدبى العام. وكان المتكلمون-وفى مقدمتهم المعتزلة- يقفون موقفا معتدلا بين الطرفين المتعارضين، إذ يقرءون ما لدى الأجانب من مقاييس بلاغية ويقرنونه إلى أنظار العرب فى البلاغة، بل إنهم يخضعونه للذوق العربى الأصيل ومقاييسه على نحو ما يتضح عند الجاحظ فى كتابه البيان والتبيين، وبذلك التحموا بالبيئة اللغوية المحافظة. وكان حريا بالمتفلسفين ورفقائهم من المترجمين أن يثوبوا إلى رشدهم وينضموا إلى المتكلمين فى موقفهم السديد، ولكن المسألة لم تكن مسألة عقلية أو منطقية يحتكم فيها إلى المنطق والعقل، بل كانت مسألة شعوبية، فهى التى أمدّتهم فى هذا الموقف بوقود جزل من الخصام والجدال والحجاج، وكانوا لا يزالون يدّعون أن كل ما شغف به الشعراء لهذا العصر من محسنات بيانية وبديعية إنما مرده إلى البلاغة اليونانية، ولذلك تصدى لهم ابن المعتز فى كتابه «البديع» يثبت أن فنونه التى يلهجون بها فنون عربية خالصة، إذ تتعمق فى القدم حتى العصر الجاهلى، وكل ما لا محدثين من أمثال بشار وأبى تمام إنما هو الإكثار منها، وهو إكثار جعلهم-كما يقول-يحسنون فيها تارة، وتارة يسيئون إساءة شديدة. ومضى فى الكتاب يدرس فنونه الأساسية، وهى عنده خمسة، الاستعارة والتجنيس والطباق ورد الأعجاز على ما تقدمها والمذهب الكلامى، وإنما خص هذه الفنون بالدراسة لأنها كانت موضع الأخذ والرد بين أصحاب الفلسفة وأصحاب البلاغة العربية الخالصة. على أنه لم يلبث أن ضم إليها ثلاثة عشر فنا بسطها بسطا، وهى الالتفات والاعتراض والرجوع والخروج من معنى إلى معنى وتأكيد المدح بما يشبه الذم وتجاهل العارف والهزل يراد به الجد وحسن التضمين والتعريض

ص: 151

والكناية والإفراط فى الصفة أو المبالغة وإعنات الشاعر نفسه فى القوافى أو ما سمى فيما بعد باسم لزوم ما لا يلزم وحسن الابتداءات. ويمكن أن نضم إلى هذا المبحث المفصل فى البديع وفنونه مبحثا لابن طباطبا المتوفى سنة 322 فى كتابه «عيار الشعر» جعل موضوعه التشبيه، مفصلا القول فى أنواعه تفصيلا دقيقا.

ولم تقف البيئة الفلسفية مكتوفة الأيدى أمام ابن المعتز وكتابه البديع، فقد تجرّد منهم كثيرون لنقل كتابى الشعر والخطابة لأرسطو، واشتهر نقل متّى بن يونس لأولهما ونقل إسحق بن حنين لثانيهما. ولم يلبث قدامة المتوفى سنة 337 الذى اشتهر حينئذ بثقافته الفلسفية أن حاول صنع تشريع لبلاغة الشعر العربى مستضيئا من حين إلى حين بما كتبه أرسطو فى كتابه الشعر، وسمّى صنيعه «نقد الشعر» . ولن نعرض الآن لما فى الكتاب من نقد فسنعرض له عما قليل، إنما نعرض لما فيه من حديث عن المحسنات البديعية، وقد حاول جاهدا أن يبدّل ويعدل فى بعض المصطلحات التى وضعها ابن المعتز معارضة له، وكأنه إنما ألّف كتابه محادّة لكتاب البديع، واستطاع أن يضيف إلى محسنات ابن المعتز الثمانية عشر ثلاثة عشر محسنا جديدا أهمها الترصيع والغلو وصحة التقسيم وصحة المقابلات وصحة التفسير والتتميم والمبالغة والإشارة والإرداف والتمثيل. وبعضها يتداخل مع محسنات ابن المعتز. وكتاب ثان أنتجته بيئة المتفلسفة هو كتاب البرهان فى وجوه البيان لإسحق ابن سليمان بن وهب، وكان معاصرا لقدامة، ويتضح فيه أنه يريد أن يخضع البلاغة العربية للبلاغة اليونانية وما كتبه فيها أرسطو عن الشعر والخطابة بأقوى مما حاول قدامة، حتى لنراه يضيف إلى انتفاعه بكتابى أرسطو السالفين كتابيه فى المنطق والجدل، مازجا ذلك بمباحث المتكلمين وفقهاء الشيعة، وكأنما تستعجم البلاغة عنده، وقد حاول أن يطبق بعض ما ذكره أرسطو من وجوه البلاغة، ولكنه فاته فى كثير من الأحوال أن يحسن هذا التطبيق، واقترح بعض ألقاب ومصطلحات جديدة لم يكتب لها الذيوع كما كتب لنظائرها عند قدامة وابن المعتز، ويبدو أن أصحاب البلاغة العربية التالين ضاقوا به وبكتابه، فلم يذكروه ولم ينقلوا عنه. وكان ذلك سببا فيما بعد، لأن ينصرف الناس عن هذه البلاغة الأعجمية وأذواق أصحابها المتفلسفين، وأن يستميلهم المتكلمون المعتدلون ببحوثهم البلاغية،

ص: 152

حتى ليسيطروا ببحوثهم على العصور والأجيال التالية.

وإذا كانت البلاغة خطت خطوات واسعة فى سبيل تحولها إلى علم فى هذا العصر فكذلك النقد خطا بدوره خطوات كثيرة نحو تقنين مسائله، ولا بد من ملاحظتين قبل الحديث فيه، أولاهما أن أكثر الكتب التى عرضنا لها فى البلاغة عرضت له، وثانيتهما أن البيئات اللغوية والاعتزالية والفلسفية التى تحدثنا عنها فى البلاغة هى نفسها التى حاولت أن تشرّع النقد وأن تضع له معاييره ومقاييسه. وأولى هذه البيئات البيئة اللغوية المحافظة، وقد هاجم الجاحظ ذوقها فى غير موضع من كتاباته (1)، ولعله كان يأخذ عليها اهتمامها بالغريب فى الأشعار ونسيانها أو إهمالها جوانب الجمال والبلاغة فيها، مما جعله يؤلف كتابه «البيان والتبيين» على نحو ما مرّ بنا فى غير هذا الموضع. ومن المحقق أن روحها كانت محافظة، ولكن من المحقق أيضا أنها هى التى نقدت الشعر القديم لأول العهد به، وهى التى ميزت وثيقه من منحوله، مع كثير من الأحكام واللفتات النقدية الجديدة، ولعل كتاب طبقات فحول الشعراء لابن سلام المتوفى سنة 231 خير ما يصور عمل هذه البيئة المحافظة حتى عصره، ونراه يعرض فيه قضية الانتحال فى الشعر القديم عرضا علميّا رائعا، موضحا عبث القبائل والرواة المختلفين به ومدى ما دخله من فساد، ثم تقدم يضع الشعراء فى طبقات حسب جودتهم الفنية، راويا لكل منهم كثيرا مما صححته البصرة له وخاصة فى العصر الجاهلى. ونمضى إلى العصر العباسى الثانى فنلتقى بثعلب وكتابه «قواعد الشعر» وهو كتيّب مدرسى جافّ وزّع فيه الشعر توزيعا نحويّا على أربعة أنواع: أمر ونهى وخبر واستخبار، وتحدث عما تجرى فيه من أغراض الشعر ومن التشبيه، وعرض لبعض ملاحظات نقدية سطحية، وليس فى الكتاب نظرية نقدية، إنما هى لمحات سريعة، وقد سمى الطباق الأضداد وسمى الجناس المطابق، وتابعه فى التسمية الأخيرة قدامة. والكتاب لا يضيف إلى النقد العربى شيئا ذا قيمة يمكن الوقوف عنده. وفى الحق أن البيئة اللغوية أخذت تتخلف فى مجال النقد، على نحو ما تخلفت فى مجال الدراسات البلاغية، إذ لم يعد يلقانا فيها سوى ملاحظات طائرة كأن نجد عند المبرد فى كتابه «الكامل» كلمة هنا أو هناك

(1) البيان والتبيين 3/ 324

ص: 153

عن صحة المعنى أو جزالة اللفظ أو رداءته أو عوار الفكرة أو استغلاقها أو ضرورة الشعر والموسيقى، وشركه فى مثل هذه الملاحظات كثير من اللغويين بحيث نراهم يخصصون كتبا فى أخطاء الشعراء مثل كتاب أخطاء أبى تمام فى الألفاظ والمعانى لأحمد بن عبيد الله بن عمار المتوفى سنة 319.

وإذا كانت البيئة اللغوية لم تستطع أن تتطور مع روح العصر فى نقدها، بل ظلت به عند نقد لغوى جاف لا يكوّن نظرية ولا ما يشبه نظرية فإن بيئة المعتزلة استطاعت أن تتمثل فى نقدها روح العصر مع المحافظة على روح العربية والتقاليد الموروثة، ومر بنا فى الحديث عن البلاغة أنها كانت توازن بين معايير البلاغة اليونانية ومعاييرها العربية وأنها لم تحاول أن تعلى الأولى على الثانية، إنما حاولت أن تفيد منها بدون أن تطغى على الفكر العربى وبيانه وبلاغته. ويمكن أن يلاحظ ذلك بوضوح عند بشر بن المعتمر المعتزلى المشهور وقرينه أو معاصره الجاحظ، أما بشر فنراه فى الصحيفة التى دوّنها له الجاحظ فى البيان (1) يدعو إلى الملاءمة بين الكلام وأحوال السامعين ونفسياتهم، وهى فكرة مطابقة الكلام لمقتضى الحال التى كانت شائعة عند اليونان فى أحاديثهم عن البلاغة والنقد، كما يدعو إلى البعد عن التكلف واستكراه المعانى والألفاظ وتجنب الغريب المتوعر فى الألفاظ والتراكيب، وينفذ إلى فكرة طريفة هى أن شرف المعنى لا يرجع إلى أنه من معانى الخاصة أو من معانى العامة، فكلّ فى موضعه شريف، ومدار الشرف على الملاءمة بين الكلام ومقامه، ويدعو فى قوة إلى تبسيط الأسلوب وجعله فى لغة وسطى بين لغة البدو الجافة الخشنة وبين لغة العامة المسفّة المبتذلة. ويخلفه الجاحظ، وتستعر نار المتفلسفة والشعوبية جميعا، فينادى بأن مدار الجمال فى القرآن الكريم إنما يعود إلى نظمه الذى تنقطع الرقاب دون محاكاته، ويمدّ فى قوة ملاحظة بشر عن اللغة الوسطى، حتى يتلاءم مع الحداثة ومع روح العصر، فالألفاظ يجب ألا تكون ساقطة عامية ولا غريبة وحشية، ويجب أن يلائم الخطيب بين كلامه والسامعين فلا يورد خطيب على الجماهير اصطلاحات المتكلمين، وللإيجاز موضع وللإطناب موضع

(1) البيان والتبيين 1/ 135 وانظر البلاغة تطور وتاريخ ص 43.

ص: 154

لا فى الألفاظ وحدها، بل أيضا فى الأساليب، ويلاحظ أن للأديب شاعرا أو ناثرا معجمه اللغوى الخاص، وهى ملاحظة دقيقة، وعرض طويلا للفظ وفصاحته وجزالته ورقته وتناسبه مع ما قبله وما بعده فى الكلام حتى لكأن واشجة من الرحم تربط بينه وبين الأسرة اللفظية التى يسلك فيها. وأنكر الترادف ذاهبا إلى أن لكل لفظة معناها الخاص الذى يفترق قليلا أو كثيرا عن معنى أو معانى مرادفها، وعاب مرارا التكلف وفرق بينه وبين التنقيح. وجعله إعجابه باللفظ المونق يشيد به مضائلا من المعانى وقيمتها، وكأنما كان يريد أن يسقط إلى الأبد ما تقوله الشعوبية عن كثرة المعانى فى الآداب الأعجمية؛ وكذلك ما تقوله البيئة المتفلسفة عن المعانى الفلسفية اليونانية، إذ هى تحمل أفكارا صحيحة، ولكن ينقصها جمال الصياغة وحسن السبك والرصف والنظم. ومع إعجابه بالشعر العربى القديم كان يعجب بالشعر الحديث، حتى ليفضّل أبا نواس على كل من سبقه من الشعراء (1). وهو معنى ما نقول من اعتدال المعتزلة وأنهم كانوا يوازنون بين القديم والحديث وبين معايير النقد العربى واليونانى ملائمين بين ذلك كله نافذين إلى نقد عربى عباسى حديث.

وأفاد ابن قتيبة من نظرات الجاحظ النقدية إفادة واسعة، مع أنه لم يكن من المعتزلة بل كان من أهل السنة، ولكنه اشترك معه كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع فى الرد العنيف على الشعوبية، ونراه يكتب مقدمة طويلة لكتابه الشعر والشعراء يضمنها كثيرا من آرائه النقدية، وتارة يوافق الجاحظ فى بعض آرائه وتارة يخالفه، فمما وافقه فيه رفض معيار القدم والحداثة فى الحكم على الشعراء فلا ينظر إلى متقدم بعين الجلالة ولا إلى متأخر بعين الاحتقار، بل يوزن كل منهما بموازين الجودة الفنية الدقيقة. ووافقه فى فكرة الطبع والتكلف، واستعار قبسا من فكرته عن المطابقة بين الكلام وأحوال النفس استضاء به فى بيان الدوافع النفسية التى تبعث على قول الشعر كالطمع والغضب والشوق والطرب، كما استعار قبسا من فكرة

(1) الحيوان 2/ 27 وانظر فى تحليلنا لآرائه كتاب البلاغة: تطور وتاريخ ص 46 وما بعدها وكتابنا «النقد» (طبع دار المعارف) وقد أشرنا فيه إلى حديثه عن السرقات، وهو أول من فتح بابها على مصراعيه للنقاد، وقد أخذوا فى أواخر هذا العصر يخصون بعض الشعراء بمباحث مستقلة فيها مثل كتاب سرقات أبى نواس ليموت ابن المزرع المتوفى سنة 334 وسرقات البحترى لأحمد بن أبى طاهر المتوفى سنة 280.

ص: 155

بشر بن المعتمر عن الأديب ألا يقبل على عمله إلا إذا كان مستعدا له استعدادا كاملا، فتحدث عن العلاقة بين الشاعر والأوقات التى يستحبّ فيها نظم الشعر.

وخالف الجاحظ فى قصر الجمال الفنى على اللفظ فجعله شركة بينه وبين المعنى، فقد يحسن اللفظ والمعنى معا وقد يقبحان معا، وقد يحسن أحدهما ويقبح الآخر.

وكل ذلك كان يبشر بأن ابن قتيبة لن يرتد إلى الوراء وخاصة أنه سوّى بين القدم والحداثة فى الشعر ولكنه عاد فطلب إلى الشاعر ألا يحيد عن منهج المتقدمين فى نظام القصيد. ونلتقى فى أواخر العصر بناقد يتأثر بالجاحظ فى كثير من آرائه النقدية، كما يتأثر بابن قتيبة فى رده الجمال الفنى إلى اللفظ والمعنى معا، وهو ابن طباطبا صاحب عيار الشعر، ونراه فى مواضع من كتابه يشير إلى تماسك المعانى وارتباط أول الكلام بما يليه، ويشدد فى وحدة السياق وأن تتواصل أبيات القصيدة حتى تغدو بناء محكما بل حتى تغدو كأنها جسد واحد لا يمكن وضع عضو فيه مكان عضو آخر، وكأنما أحسّ ما يردده النقاد فى هذا العصر من فكرة الوحدة العضوية فى القصيدة بحيث يطرد فيها التناسق والالتحام حتى تصبح كلا واحدا، بل حتى كأنها لفظة واحدة ومعنى واحد (1).

ولم نتحدث حتى الآن عن البيئة الثالثة بيئة المتفلسفة فى النقد، ولعل خير من يمثلها قدامة فى كتابه «نقد الشعر» وهو فى مطالعه يصرّح ولا يجمجم بأنه إنما سيعنى بعلم جيّد الشعر ورديئه وأن أحدا لم يسبقه إلى وضع هذا العلم فى العربية. ويجعل الكتاب فى ثلاثة فصول، يخص أولها بتعريف الشعر وبيان أجزائه، والثانى بنعوت الجودة فى الشعر، والثالث بنعوت الرداءة. ويقف عند تعريف الشعر وقفة منطقية يستمد فيها بوضوح من منطق أرسطو وما ذكره عن الحدود والتعريفات وأجزائها، ويبدو هنا أنه لم يفهم نظرية أرسطو فى المحاكاة وأن المعوّل فى الشعر عليها لا على الوزن، وجاءه ذلك من سوء الترجمة لكتاب الشعر عند متى بن يونس فإن كثيرا من معانى الكتاب فى الأصل طمست طمسا، وهو ما جعل قدامة يضطرب فى الإفادة منه على صور شتى. وأجزاء الشعر عند قدامة اللفظ والمعنى والوزن والقافية،

(1) راجع فى تحليل عيار الشعر كتاب البلاغة تطور وتاريخ ص 123.

ص: 156

ويقول إن نعوت الجودة تتصل بكل منها مفردة ومركبة، ونراه يتأثر فى هذا الفصل بنظرية الحدود الوسطى التى شغف بها أرسطو فى حديثه عن الأخلاق، ويفيض فى الفصل الثانى فى الحديث عن نعوت الجودة، ويعرض لأغراض الشعر، ويحاول متأثرا بطريقة أرسطو أن يضع لها قواعد كلية عامة، وهو فى هذه القواعد يستمد كثيرا من كتابى الخطابة والشعر لأرسطو، وكأنه يريد بكل ما يستطيع من قوة أن يخضع البلاغة العربية للبلاغة اليونانية، وخانه التوفيق فى كثير من الأحيان، ولولا ما أضافه إلى ابن المعتز من بعض فنون البديع لتناسى النقاد التالون كتابه ولم يلتفتوا إليه أى التفات (1).

ولا بد أن نلاحظ بصفة عامة أن الذوق الذى كان مسيطرا على النقد والشعر جميعا كان ذوقا محافظا، وكان طبيعيّا أن يرفض نقد المتفلسفة المفرطين فى التجديد. وكان من المنتظر للغويين الذين يمثلون بدقة النزعة المحافظة أن يسيطروا على الحركة النقدية ولكنهم لم يستطيعوا لسبب مهم، وهو أنهم لم ينفذوا إلى وضع نظرية أو أصول من شأنها أن تشيع، ولذلك سيطر المتكلمون الذين استطاعوا أن يضعوا للنقد أصولا ورسوما واضحة، وساعد على سيطرتهم أنهم لم يكونوا يرفضون القديم بل كانوا يوازنون بينه وبين روح العصر كما أسلفنا، وبذلك ظلوا يحافظون للشعر على تقاليده الموروثة.

ونشطت فى العصر الكتابات التاريخية نشاطا عظيما فمن كتابة فى تاريخ السيرة النبوية إلى كتابة فى الأحداث الإسلامية والأمم والدول، وكتابة فى المدن، وكتابة فى التراجم والطبقات، ومرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول أن ممن عنوا بالسيرة النبوية حينذاك ابن إسحاق وراوى سيرته ابن هشام والواقدى ومحمد بن سعد فى كتابه الطبقات وكذلك المدائنى أبو الحسن على بن محمد المتوفى سنة 234، وله كتب ورسائل كثيرة فى السيرة النبوية وفى تاريخ القبائل والخلفاء بلغت عند ابن النديم نحو 230 مصنفا. ومن أهم المؤرخين للسيرة النبوية فى العصر أبو زرعة (2) عبد الرحمن بن عمرو الحافظ شيخ الشام فى وقته المتوفى سنة 282، وفى مكتبة

(1) انظر فى تحليل نقد الشعر كتاب البلاغة تطور وتاريخ ص 78.

(2)

انظر فى أبى زرعة تاريخ دمشق لابن عساكر 7/ 274 والنجوم الزاهرة 3/ 87.

ص: 157

الفاتح بإستانبول مخطوطة من هذه السيرة. وكتب كثيرون فى الأحداث الإسلامية وفى تاريخ الأمم والدول منهم اليعقوبى الذى مر ذكره بين الجغرافيين وتاريخه فى ثلاثة أجزاء طبع بأوربا وبالنجف فى العراق، ومنهم البلاذرى (1) أحمد بن يحيى بن جابر المتوفى سنة 279، وله كتاب فتوح البلدان المعروف نشره دى خويه بليدن فى القرن الماضى ونشر بالقاهرة مرارا، وله كتاب أنساب الأشراف فى التراجم والتاريخ طبعت منه بعض أجزاء وبعض قطع ويعاد نشره كاملا فى دار المعارف بالقاهرة. وكان يعاصره أبو حنيفة (2) الدينورى المتوفى سنة 282 صاحب كتاب الأخبار الطوال المنشور أولا بليدن، ثم بعد ذلك فى القاهرة، ونراه يستهله بالحديث عن تاريخ الإسكندر والفرس ودولتهم الساسانية، ثم يتحدث عن فتوح العراق وحروب صفّين وتاريخ الأمويين وما كان فيه من مقتل الحسين وأحداث المختار بن أبى عبيد، ثم يوجز فى الحديث عن الخلفاء من عبد الملك إلى المعتصم.

وأتاحت ترجمة تاريخ الأمم القديمة وخاصة الفرس فى العصر العباسى الأول والكتابات الكثيرة عن الرسل والأنبياء لمحمد (3) بن جرير الطبرى المتوفى سنة 310 أن يكتب تاريخه الضخم: «أخبار الرسل والملوك» ، وهو تاريخ للعالم منذ بدء الخليقة حتى عصره، ونراه حين يصل إلى تاريخ الهجرة النبوية ينهج فى الكتاب منهج الحوليات فكل سنة مستقلة بأحداثها حتى إذا تمت أيامها انتقل إلى السنة التالية حتى يصل إلى سنة 302 واتبع طريقة المحدّثين، فكل خبر وكل حادثة تروى مع إسنادها، وتتعدد الروايات ويتعدد الإسناد ليقابل المؤرخ الحصيف بين الروايات مع رواتها ويستخلص منها الخبر الصحيح، وله نشرات مختلفة فى ليدن وفى مصر، وطبعته الأخيرة بدار المعارف محققة ومزودة بفهرس دقيق. ومن أهم المؤرخين فى العصر المسعودى (4) أبو الحسن على بن الحسين المتوفى سنة 345 وله

(1) انظر معجم الأدباء 5/ 89 والنجوم الزاهرة 3/ 83 والفهرست ص 170.

(2)

راجعه فى الفهرست ص 122 ومعجم الأدباء 3/ 26.

(3)

انظر ترجمته فى تاريخ بغداد 2/ 162 ومعجم الأدباء 18/ 40 وتذكرة الحفاظ 2/ 251 وطبقات القراء 2/ 106 وطبقات الشافعية 3/ 120.

(4)

راجع ترجمته فى الفهرست ص 225 ومعجم الأدباء 13/ 90 وتذكرة الحفاظ 3/ 70 والنجوم الزاهرة 3/ 315.

ص: 158

كتب تاريخية مختلفة، وهى تتدفق بحيوية جمّة، إذ أخذ نفسه بالطواف فى البلدان الإسلامية فى الشام وإيران والهند وزنجبار ومصر والبلاد البعيدة الخارجة عن عالم الإسلام حول بحر الخزر وركب المحيط الهندى والهادى إلى الصين فى رفقة التجار، فاتسعت مداركه، ومن أهم كتبه التاريخية مروج الذهب، طبع فى باريس ثم فى مصر وبيروت طبعات مختلفة، وهو يبدأ فيه بتاريخ الخليقة منذ نشأتها ويتحدث عن الأمم القديمة وبلدانها ومشاهداته فيها، ثم يوجز السيرة النبوية، حتى؟ ؟ ؟ إذا انتهى منها أخذ يتحدث عن الخلفاء خليفة حتى المطيع لله سنة 336 وله كتاب التنبيه والإشراف وهو موجز تاريخى، وطبع له بمصر الجزء الأول من كتابه أخبار الزمان.

وبجانب هذه الكتب التاريخية العامة نجد كتبا خاصة ببعض المدن مثل أخبار أهل البصرة لأبى زيد عمر بن شبة المتوفى سنة 264 وتاريخ واسط لأسلم بن سهل بن زياد المتوفى سنة 288 وتاريخ أصبهان لابن منده الأصبهانى المتوفى سنة 301 وتاريخ الموصل لأبى زكريا يزيد بن محمد الأزدى المتوفى سنة 334 وأهم من هذه الكتب جميعا تاريخ بغداد لأحمد بن أبى طاهر الملقب بطيفور المتوفى سنة 280 وهو من مصادر تاريخ الطبرى، وقد نشر كلر Keller الجزء السادس منه. وذكرنا فى كتاب العصر العباسى الأول مدى اهتمام مؤرخى العصر بالأنساب والأيام، وظل ذلك بعدهم مستمرا إذ نرى ابن الأنبارى يعنى فى شرحه للمفضليات بالأيام عناية واسعة، وللزبير بن بكار المتوفى سنة 256 كتاب ضخم فى نسب قريش وأخبارهم، نشر منه بالقاهرة محمود أحمد شاكر مجلدا كبيرا. وألفت فى العصر كتب كثيرة فى رجال الحديث للبخارى وغيره، وانتقل التأليف فى الرجال إلى التأليف فى الشعراء، فألف ابن قتيبة كتابه «الشعر والشعراء» وألف ابن المعتز كتابه «طبقات الشعراء المحدثين» وهما منشوران، وألف يحيى بن على بن يحيى المنجم المتوفى سنة 300 كتابين مفقودين هما البارع فى أخبار الشعراء المولدين والباهر فى أخبار الشعراء المخضرمين من بشار إلى مروان أبى حفصة. وألفت كتب فى الوزراء وكتّاب الدواوين مثل كتاب الوزراء والكتاب لمحمد بن عبدوس الجهشيارى المتوفى سنة 331 وهو مطبوع. وأفردت كتب لأخبار العباسيين وأشعارهم مثل كتاب

ص: 159