الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2 - تدهور الخلافة
رأينا الترك يسيطرون على أداة الحكم بعد مقتل المتوكل فى السنوات الثمان التى تلته، ثم منذ عصر المقتدر، إذ كانوا هم الحكام الحقيقيين للدولة، ولم يكن للخلفاء حينئذ أى سلطان، ومن أين يأتيهم السلطان والترك يولّونهم ويعزلونهم بل يسفكون دماءهم وكل ما يأتون من الأمر أو يدعون فإنما هو بتدبيرهم؟ وصوّر ذلك بعض الشعراء لعهد الخليفة المستعين (248 - 252 هـ)، فقال (1):
خليفة فى قفص
…
بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له
…
كما يقول الببّغا
فالخليفة حينئذ كان أشبه ما يكون بببّغاء فى قفص يردّد ما يقوله مخاطبه ولا أمر يملكه، فالأمر كله لحاجبيه: وصيف وبغا، حتى إذا دارت فكرة خلعه بذهنيهما خلعاه، ووليّا بعده المعتز بالله (252 - 255 هـ) ويروى أنه لما جلس على سرير الخلافة أحضر أصحابه المنجمين وسألوهم كم يظل خليفة للمسلمين؟ وكم يعيش؟ وكان بالمجلس بعض الظرفاء فقال: أنا أعرف من هؤلاء المنجمين بمقدار خلافته وعمره، فقالوا له: فكم تقول إنه يعيش؟ وكم يملك؟ فقال: طالما أراد الترك ذلك، فلم يبق فى المجلس أحد إلا غلبه الضحك (2). ولم يمكث المعتز فى دست الخلافة سوى ثلاث سنوات إذ سرعان ما خلعه الترك وسفكوا دمه، وولوا بعده المهتدى (255 - 256 هـ) وكان حسن السيرة ورعا تقيّا اطرح الملاهى وحرّم الشراب والغناء، وكأنما آذت الترك سيرته الطاهرة فخلعوه، وولوا المعتمد (256 - 279 هـ)، وكان منهمكا فى اللهو واللذات غير أن أخاه طلحة الذى لقب بالموفق نهض بالأمر من دونه فثبّت الخلافة إلى أبعد حد، وأعاد إليها بحزمه وعزمه وجدّه هيبتها ومكانتها المهدرة، وقد ترك
(1) مروج الذهب 4/ 61.
(2)
الفخرى ص 181.
أخاه عاكفا على ملذاته، واحتمل أعباء الخلافة فى البطولة والحرب والنفوذ من المشكلات الصعاب، بحيث أصبح هو الخليفة الحقيقى، أما أخوه المعتمد فلم يكن له من الخلافة سوى الاسم وصوّر ذلك بنفسه قائلا (1):
أليس من العجائب أنّ مثلى
…
يرى ما قلّ ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا
…
وما من ذاك شئ فى يديه
وتصادف أن توفى الموفق قبل المعتمد بقليل وكان وليّا للعهد، فجعل المعتمد ولاية العهد لابنه المعتضد وكان مثل أبيه بطلا مغوارا، فولى الخلافة بعد عمه المعتمد (279 - 289)، فأكمل لها ما أحاطها به أبوه من العزة والمهابة، فلم يرتفع للترك فى عهده صوت، وكان اسمه-كما مرّ بنا-أبا العباس أحمد فتلقب بالمعتضد بالله، وفيه يقول ابن تغرى بردى:«كان المعتضد شجاعا مهيبا أسمر نحيفا معتدل الخلق ظاهر الجبروت وافر العقل شديد الوطأة من أفراد رجالات بنى العباس وشجعانهم، كان يتقدم إلى الأسد وحده» ، ويقول:«هو آخر خليفة عقد ناموس الخلافة ثم أخذ أمر الخلفاء بعده فى إدبار» (2). وخلفه ابنه المكتفى (289 - 295 هـ) وكان قصير النظر فاتخذ ولى عهده أخاه المقتدر وهو لا يزال صبيّا، فولى بعده الخلافة (295 - 320 هـ)، وسنه ثلاث عشرة، فكأن كل ما أحكمه جده الموفق وأبوه المعتضد قوّضه فى لحظات، فبمجرد أن تسلم مقاليد الحكم وهو غلام عاد للترك سلطانهم وطغيانهم وعاد معهما الخلع وسفك الدماء، وزادوا سمل الأعين.
وإذا كان المكتفى أخطأ فى أواخر العصر بتولّى أخيه المقتدر للعهد وهو صبى فإن المتوكل اقترف بدوره خطأ عظيما فى أوائل العصر، إذ عقد ولاية العهد لثلاثة من أبنائه (3)، وكان حريّا به أن يتعظ بجده الرشيد وتوليته العهد للأمين والمأمون والقاسم، مما جرّ بلاء كبيرا ذهب ضحيته الأمين وأحرقت بغداد على نحو ما مرّ بنا فى كتاب العصر العباسى الأول. فكان حريّا بالمتوكل ألا يعرّض أبناءه
(1) الديارات الشابشىّ (الطبعة الثانية-مطبعة. المعارف ببغداد) ص 101.
(2)
النجوم الزاهرة 3/ 127 - 128.
(3)
طبرى 9/ 175 ومروج الذهب 4/ 5 والنجوم الزاهرة 2/ 280.
للتنافس على الخلافة، وكان المنتصر أولهم فى الولاية، ويليه المعتز والمؤيد، فأوغر المتوكل صدره حتى أصبح خصما له. وإذا كانت حادثة الرشيد جرّت مقتل ابنه الأمين فإن صنيع المتوكل أدى إلى مقتله وسفك دمه. وكأن المتوكل هو الذى هيأ للترك أن يغلبوا على الخلافة وأن يصبحوا هم أصحاب السلطان الحقيقى يولّون ويعزلون ويسجنون ويقتلون، وتمادوا فى ذلك حتى ردّ الموفق إلى الخلافة مهابتها، وتبعه فى صنيعه ابنه المعتضد، ولكن لم يلبث المكتفى أن هوى بها من حالق، فعاد إلى الترك كل سلطانهم وكل بغيهم وعدوانهم على الخلافة والخلفاء.
وكان من أهم الأسباب فى تدهور الخلافة العباسية أن كثرة الخلفاء انغمست فى اللهو والترف والإقبال على كل متاع مادى من بناء قصور باذخة ومعيشة كفلت لها كل وسائل النعيم وأدواته، وأولهم المتوكل، ونراه لا يبنى لنفسه بسامراء قصرا واحدا، بل قصورا ينفق عليها أموالا طائلة، منها الشاه والعروس والشبداز والبديع والغريب والبرج، ويقال إنه أنفق على القصر الأخير مليونا وسبعمائة ألف دينار. وبنى فى سنة 246 بالماحوزة على بعد ثلاثة فراسخ من سامراء شمالا قصورا عدة، منها الجعفرى والهارونى واللؤلؤة، كلفته ملايين الدنانير (1). ويروى أنه سأل شخصا حين أتمّ بناء الجعفرى كيف قولك فى دارنا هذه؟ فأجابه بقوله: إن الناس بنوا الدور فى الدنيا وأنت بنيت الدنيا فى دارك (2)، وهو سفه وخرق، فالخليفة لا يفكر إلا فى نفسه وملذاته، وكأن ليس هناك جيوش تعدّ للحرب بأسلحتها وعددها الكثيرة، وكأن ليس هناك رعية يقوم الخليفة على مصالحها، فيبنى لها المستشفيات ويوفر لها الغذاء والكساء، بل الرعية تكدح وتشقى وتذوق مرارة الشقاء والكدح لينعم الخليفة ويلهو ويبنى القصور ويملأها بالجوارى من كل لون. وتبع الخلفاء المتوكل يقتدون بسيرته السيئة، ما عدا المهتدى والمتقى وكانت مدة خلافتهما قصيرة، وحتى المعتضد الفارس الحازم حزما لا يدانيه حزم يقول عنه المسعودى لم تكن له رغبة إلا فى النساء والبناء، ويذكر أنه أنفق على قصره المعروف بالثريا أربعمائة ألف دينار، وكان مجموعة من الدور والقصور تمتد ثلاثة فراسخ (3)، ثم تكون النكبة الكبرى بتولى المقتدر الخلافة وهو صبى، ويقال إنه كان فى قصره أحد عشر
(1) معجم البلدان فى سامراء والطبرى 9/ 212 ومروج الذهب 4/ 40 والنجوم الزاهرة 2/ 320.
(2)
مروج الذهب 4/ 147.
(3)
مروج الذهب 4/ 145.
ألف غلام خصى من الروم والصقالبة والسودان، ويقال أيضا إنه أتلف من الأموال ثمانين مليونا من الدنانير (1) غير ما بدّده من الجواهر الثمينة التى كانت تحتفظ بها خزائن الدولة منذ خلفائها الأولين.
وطبيعى أن يقضى هذا السفه على هيبة الخلافة وأن يستذلها الترك وخاصة حين يطلبون للجيش رواتبه فيجدون الخزينة خالية الوفاض. وقد فسد حينئذ الحكم فسادا شديدا، إذ كان الوزراء يرتشون ومثلهم الولاة على الأقاليم وكبار الكتاب، بل إنهم جميعا كانوا يختلسون أموال الخراج والضرائب وما كان يصير إلى الدولة من البلدان المختلفة، وقد بدأ هذا الوباء بأخرة من العصر العباسى الأول فى زمن الواثق إذ صادر فى سنة 229 للهجرة كتّاب الدواوين واستخلص منهم نحو مليونى دينار (2)، وكلما تقدمنا فى العصر العباسى الثانى اتسع الخرق ولم يعد من الممكن رتقه، ولذلك مظهر واضح هو كثرة المصادرات لأموال الوزراء والكتّاب، إذ نرى المتوكل يصادر أموال ابن الزيات وزير آبائه، ويصادر أموال كاتبه عمر بن الفرج الرّخّجىّ.
ويقال إنه أخذ من أمواله ما قيمته مائة وعشرون ألف دينار وأخذ من أخيه نحو مائة وخمسين ألفا (3)، ونكب كاتبا ثانيا استوزره مدة قليلة يسمى أبا الوزير واستخلص منه مائتى ألف دينار (4)، ونكب كاتبا ثالثا من كتاب التوقيع يسمى نجاح بن سلمة وأخذ منه ومن ابنه مائة وأربعين ألف دينار (5)، ونكب القاضى أبا الوليد محمد بن أحمد بن أبى دؤاد واستخلص منه مائة وستين ألف دينار (6)، ونكب يحيى بن أكثم قاضى قضاته واستخلص منه خمسة وسبعين ألف دينار (7).
وأثرى قواد الترك فى السنوات التى تلته ثراء فاحشا وأثرى كثير من الوزراء، ونرى المعتمد يصادر أموال وزيره إسماعيل بن بلبل ويسفك دمه كما يصادر أموال وزيره سليمان بن وهب وابنه عبيد الله ويستخلص منهما تسعمائة ألف دينار (8).
ومعنى ذلك أن الوزراء ومثلهم الكتّاب والولاة كانوا يختلسون أموال الدولة والأمة، ويخيّل إلى الإنسان أنه لم يعد هناك موظف كبير فى الدولة لا يقترف
(1) النجوم الزاهرة 3/ 234.
(2)
طبرى 9/ 125.
(3)
طبرى 9/ 158 ومروج الذهب 4/ 19.
(4)
الفخرى ص 177.
(5)
طبرى 9/ 215.
(6)
مروج الذهب 4/ 14.
(7)
طبرى 9/ 197.
(8)
النجوم الزاهرة 3/ 40.
هذه الجريمة النكراء. وكان الولاة يرشون الوزراء ليظلوا فى ولاياتهم، وبلغت الرشوة أحيانا مائتى ألف دينار غير ما يرافقها من التحف والهدايا (1)، وحتى رجال الحسبة كانوا يرتشون ويختلسون الأموال، فى أثناء مراقبتهم للتجار وحركة البيع والشراء فى الأسواق على نحو ما يروى عن أحمد بن الطيب بن مروان السرخسى الفيلسوف، إذ خان الأمانة فى ولايته الحسبة ببغداد، وكان جملة ما أخذه مائة وخمسين ألف دينار (2)، ولا نبالغ إذا قلنا إنه كان يتورط فى هذا الاختلاس وما يطوى فيه من الرشوة أكثر موظفى الدولة، وخاصة من كانوا منهم يقومون على جباية الضرائب وأموال الخراج، وكثيرا ما كانوا يعذّبون أصحاب الضياع والأعيان وذوى الوجاهة بالضرب والسّحب على الوجوه والرسف فى القيود وصبّ الزيت على رءوسهم أو النقط وتعليقهم فى الجدر من أيديهم وأرجلهم، حتى يستخرجوا منهم كل ما يريدون من أموال، ويصور ذلك ابن المعتز فى أرجوزته (3) الّتى أرّخ فيها خلافة المعتضد وأعماله الجليلة مبينا كيف كانت تجبى أموال الخراج قبله فى قسوة بل فى عنف بل فى أهوال من التعذيب والتنكيل، يقول:
فكم وكم من رجل نبيل
…
ذى هيبة ومركب جليل
رأيته يعتل بالأعوان
…
إلى الحبوس وإلى الديوان
وجعلوا فى يده حبالا
…
من قنّب يقطّع الأوصالا
وعلّقوه فى عرى الجدار
…
كأنه برّادة فى الدار
وصفّقوا قفاه صفق الطّبل
…
نصبا بعين شامت وخلّ
وصبّ سجّان عليه الزّيتا
…
فصار بعد بزّة كميتا
ويمضى ابن المعتز فيذكر أنهم ما يزالون يعذّبون المرء بصنوف العذاب حتى لا تبقى فيه قدرة على المقاومة، فيتوسل إليهم أن يعرضوه على التجار كى يقرضوه بعض أموالهم، أو حتى يبيعهم بعض عقاره، وأن يؤجلوه لذلك خمسة أيام، وبعد لأى يجعلونها أربعة، ويأتيه أصحاب الربا الفجرة، فيقرضونه واحدا
(1) الفخرى ص 178.
(2)
مروج الذهب 4/ 170.
(3)
انظر الديوان (طبعة دار صادر ببيروت) ص 481.
يعشرة، ويكتبون عليه صكّا بأنه باع ضيعته، وينزل على إرادتهم، حتى يخلص من هذا التعذيب الذى لا يطاق بدفع ما يريده أرباب الخراج. ويقول ابن المعتز إن المعتضد أزال هذا التعذيب وقمع هذا الظلم الصارخ، ولكنه كان قمعا إلى أجل محدود، إن كان حقّا قمعه أو استطاع قمعه. ويصور لنا ابن المعتز كيف كان هؤلاء الجباة يبتزون أموال التجار أصحاب الجواهر والأموال العريضة، وخاصة من كانت له معاملات منهم مع الدولة، فقد كانوا يدّعون عليه أن للسلطان عنده ودائع يجب أن يردها، وكانوا لا يزالون يتفنّنون فى تعذيبه:
حتى إذا ملّ الحياة وضجر
…
وقال ليت المال جمعا فى سقر
أعطاهم ما طلبوا فأطلقا
…
يستعمل المشى ويمشى العنقا
والعنق مشية سريعة، وكأنه يخشى أن يردوه إلى التعذيب، فهو يطير طيرانا. وويل لمن كان يرث عن أبيه ميراثا ضخما، فقد كانوا يحاولون الاستيلاء على ميراثه بطرق شتى، إذ يسجنونه، ويطلبون إليه أن يثبت أنه ابن المتوفى، وما يزالون يضربونه ويلكمونه ويصعفونه، يقول ابن المعتز:
وأسرفوا فى لكمه ودفعه
…
وانطلقت أكفّهم فى صفعه
ولم يزل فى أضيق الحبوس
…
حتى رمى إليهم بالكيس
وكأننا لم نعد بإزاء دولة تحكم بقوانين الشريعة الإسلامية، وإنما أصبحنا بإزاء لصوص ومختلسين وقطاع طرق. وما إن يجثم عصر المقتدر على صدر الأمة حتى يفسد الحكم فسادا لا حد له، وقد استوزر اثنى عشر وزيرا منهم من وزر له المرتين والثلاث، أولهم ابن الفرات، ويروى أنه حاسب كتّاب العطاء فوجد لهم خيانة بلغت نحو مائة ألف دينار (1)، ولم يلبث المقتدر أن صادره فى سنة 299 واستولى على أمواله وإقطاعاته، فاجتمع له نحو سبعة ملايين من الدنانير (2)، ومع الشك فى أمانته على هذا النحو نراه يعود إلى الوزارة حتى إذا توفى فى سنة 312 وجد له من الدنانير ما يزيد على عشرة ملايين (3). وولى الوزارة بعد إقالته الأولى منها
(1) صلة تاريخ الطبرى لعريب ص 25.
(2)
عريب ص 26.
(3)
النجوم الزاهرة 3/ 212.
الخاقانى، وكان سيئ السيرة، فأخذ يبيع الولايات غير مراع للأمة عهدا ولا ذمة، ويقال إنه ولّى على الكوفة فى يوم واحد تسعة عشر واليا آخذا من كل واحد منهم رشوة حسبما تيسر، وفيه يقول بعض معاصريه (1):
وزير لا يملّ من الرّقاعه
…
يولّى ثم يعزل بعد ساعه
إذا أهل الرّشا صاروا إليه
…
فأحظى القوم أوفرهم بضاعه
ونعجب أن تدرّ إقطاعات الوزير فى عهد المقتدر مائة وسبعين ألف دينار سنويّا (2)، ولا يكفيه هذا الراتب الضخم ويختلس ويسرق أموال الدولة والأمة حتى يصبح من ذوى الملايين. وبذلك نفهم كيف كان بعض الوزراء حينئذ يبذل فى سبيل حصوله على الوزارة خمسمائة (3) ألف دينار، مؤملا أن يستردها فى أسرع وقت. ويروى أن حامد بن العباس حين وزر للمقتدر أهداه بستانا أنفق عليه مائة ألف دينار وفرشه باللبود الخراسانية (4). واستوزر المقتدر بعده ابن الفرات ثانية، فاستخلص منه مليونا وثلثمائة ألف، ويقال إنه كان ينفق على موائده يوميّا مائتى دينار (5)، فى حين كان المستكفى ينفق بأخرة من العصر على مائدته كل يوم خمسين ألف درهم (6). وكان الولاة يستنّون سنة الوزراء فى نهب الأموال واختلاسها (7).
وبهذه الصورة كانت أموال الدولة تختلس وتنهب، ينهيها ويختلسها الولاة والكتّاب والوزراء، ينعمون ويترفون، والشعب يتمرّغ فى البؤس والحرمان والشقاء، وكأنما تعطلت أداة الحكم، بل لقد فسد فسادا لا يقف عند حد. وكان مما زاد فى هذا الفساد غلبة النساء على الحكم، فكن كثيرا ما يصرّفنه بحسب أهوائهن، وكن يقتنين الجواهر الباهظة الأثمان والضياع والعقارات والأموال الطائلة، حتى يقال إن المستعين مات وفى خزائن الدولة نحو نصف مليون دينار، على حين كان فى خزائن أمه مليون دينار كاملة (8)، وكانت أم المعتز أكثر منها جشعا، ويقال إن
(1) الفخرى ص 198 وعريب ص 29 - 30.
(2)
الهمدانى ص 51.
(3)
الفخرى ص 202.
(4)
الهمدانى ص 22.
(5)
الهمدانى ص 36.
(6)
الهمدانى ص 148.
(7)
النجوم الزاهرة 3/ 183 وعريب ص 31 والهمدانى ص 13.
(8)
طبرى 9/ 284.
قواد الترك طلبوا من ابنها قبل قتله خمسين ألف دينار، فلم يجدها فى خزائن الدولة، ففزع إليها يطلب منها أن تقرضه هذا المبلغ، حتى يفدى نفسه به من القتل، فأنكرت أن يكون عندها مال، وخلع ابنها وقتل بعد أيام، وصادر أموالها حاجبه صالح بن وصيف، وملأه العجب حين وجد فى خزانة لها مليونا من الدنانير، غير جواهر قدّرت قيمتها بمليونى دينار. ولما رأى وصيف ذلك قال: قبّحها الله، عرّضت ابنها للقتل فى خمسين ألف دينار يدفعها رواتب للجيش، وعندها هذا كله فى خزانة واحدة من خزائنها (1). وثالثة الدواهى الطامة شغب أم المقتدر، وهى أم ولد رومية، كانت تمسك بيديها زمام الأمر والنهى فى الدولة، وكانت تستعين بقهرمانتها ثمل، وأقعدتها فى الرّصافة كل يوم جمعة للنظر فى المظالم، فكانت تكتب بأحكامها على رقاع الناس بحضرة الفقهاء والقضاة (2). وأثرت شغب حتى كان دخلها فى العام من غلات ضياعها مليون دينار (3)، ويقال إنها غضبت على إحدى وصيفاتها، فاستخلصت ثمل منها مليونا من الدنانير (4)، كأن مليون دينار فى أيدى نساء القصر وجواريه شئ عادى تتملكه أى وصيفة، وكان المقتدر متلافا فأنفق أموال الدولة على النساء وأهداهن جواهرها وتحفها النفيسة، من ذلك إهداؤه الدرة اليتيمة-التى ظل آباؤه يحتفظون بها حقبا طوالا-لبعض حظاياه، وكانت زنتها ثلاثة مثاقيل. وأهدى حظية ثانية سبحة جوهر لم ير مثلها، قيمتها ثلثمائة ألف دينار، وأهدى حظية ثالثة فصّ ياقوت اشتراه الرشيد بثلثمائة ألف دينار، ويقال إنه أنفق على ختان أبنائه ستمائة ألف دينار (5) وكأن كل ذلك وقع فى يد معتوه، فهو ينثره يمينا وشمالا. واستولى قواد الترك لعهده على كثير من الإقطاعات والضياع، ويقال إن إقطاعات يانس الموفقى المتوفى سنة 311 كانت تغلّ له سنويّا ثلاثين ألف دينار (6). وكانت قهرمانة شريرة هى علم الشيرازية تستولى على كل أمور الدولة لعهد المستكفى (7).
وعلى هذا النحو لم يعد الخلفاء يحكمون منذ عهد المقتدر المشئوم، فقد أصبح
(1) طبرى 9/ 395 والنجوم الزاهرة 3/ 193.
(2)
عريب ص 50 والنجوم الزاهرة 3/ 193.
(3)
النجوم الزاهرة 3/ 239.
(4)
الهمدانى ص 31.
(5)
الهمدانى ص 65 والفخرى ص 192 والنجوم الزاهرة 3/ 234.
(6)
عريب ص 80.
(7)
الهمدانى ص 143.
الترك والنساء والجند هم الذين يصرّفون أمور الدولة، وعمّ الفساد وانتشرت الدسائس والمؤامرات، وفسدت أداة الحكم فسادا شديدا، حتى لنجد أبا جعفر بن شيرزاد حاكم بغداد نيابة عن توزون لعهد الخليفة المتقى يؤمّن لصّا فاتكا هو حمدى، ويشترط عليه أن يدفع له شهريّا خمسة عشر ألف دينار، فى حين يكبس هو بيوت الناس بالمشاعل والشموع وينهب منها ما يريد من الأموال والجواهر.
ويستظهر ابن تغرى بردى أن هذا اللص هو الذى سمّى عند العامة فى سالف الأعصار أحمد الدنف، وقصته فى ألف ليلة وليلة مشهورة (1).
وهيّأ ذلك منذ أوائل العصر لا إلى نهب الأموال والجواهر فحسب، بل إلى نهب الأقاليم والولايات، فإذا أسرة طاهر بن الحسين قائد المأمون تقيم لنفسها فى خراسان إمارة تظل بها حتى سنة 259 غير أن صلتهم بالدولة ظلت حسنة وظلوا يرسلون لها الضرائب، وكان منهم نفر يتولون شرطة بغداد حتى بعد انتهاء حكمهم لخراسان وما وراء النهر. وفى سنة 247 للهجرة استطاع يعقوب بن الليث الصفار أن يقيم الإمارة الصفارية فى إقليم بلوخستان شرقى إيران، ومدّ حدودها حتى شملت كرمان إلى الجنوب من إيران كما شملت أفغانستان والسند، واستولى على ما بيد محمد بن طاهر آخر الحكام الطاهريين فى خراسان. وتوفى يعقوب لسنة 265 فخلفه أخوه عمرو حتى سنة 287 إذ قضى عليه السامانيون حكام ما وراء النهر. وحدث فى سنة 255 أن أهدى المعتز بايكباك حاجبه مصر فولّى عليها أحمد بن طولون فاستقلّ بها ومدّ حكمه إلى الشام، وخلفه على الإقليمين ابنه خمارويه، وزواج ابنته بوران من المعتضد مشهور. وظلت تلك الإمارة الطولونية فى أبناء أحمد بن طولون وأحفاده حتى سنة 292 إذ عادت فى عهد المكتفى إلى حظيرة الدولة، فولّى عليها عيسى النوشرى، وتبعه ولاة مختلفون إلى أن وليها محمد ابن طغج الإخشيد ولايته الثانية سنة 323 فأسس بها الإمارة الإخشيدية التى ظلت تلى شئون مصر حتى تسلّمها منها المعز الفاطمى سنة 358. وإمارة السامانيين فى خراسان وما وراء النهر أطول هذه الإمارات عمرا، فقد بدأت حوالى سنة 261 وظلت إلى ما بعد هذا العصر حتى سنة 389 وكانت العلاقة بينها وبين الخلافة
(1) النجوم الزاهرة 3/ 281.