الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكن يتنافسن فى التهادى بالتحف الجميلة وتبعهم الشباب والرجال. وليس ذلك فحسب، فقد كن يتثقفن بثقافات العصر، وعملن على شيوع الثقافة، إذ كان منهن كثيرات يروين الأشعار والأخبار، وينظمن الشعر نظما بديعا.
4 - المجون والشعوبية والزندقة
رأينا فى كتابنا العصر العباسى الأول كيف كانت موجة المجون حادة، وقد انتقلت إلى هذا العصر بحدتها، إن لم تكن زادت حدة فوق حدة، إذ ظل الناس يمعنون فى شرب الخمر واحتساء كئوسها، مدمنين عليها لا يرعوون ولا يزدجرون.
ومعروف أن القرآن الكريم حرّمها، ولذلك أجمع الفقهاء على تحريمها، لمجئ ذلك بنص القران، وما كان محرّما بنصه لا يحلّ منه قليل ولا كثير. أما النبيذ فمسكره محرم أيضا بالقياس، غير أن اجتهاد بعض فقهاء العراق الأحناف أداهم إلى تحليل بعض الأنبذة غير المسكرة كنبيذ التمر والعسل والتين والبرّ وكالزبيب المطبوخ أدنى طبخ. فشرب الناس هذه الأنبذة وشربها الخلفاء، وتجاوزوا ما حلّله الأحناف إلى المسكر المحرم من الأنبذة وغيرها، وفى ذلك يقول ابن الرومى (1):
أباح العراقى النبيذ وشربه
…
وقال حرامان: المدامة والسّكر
وقال الحجازىّ: الشرابان واحد
…
فحلّ لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهما
…
وأشربها لا فارق الوازر الوزر
وابن الرومى يريد بالحجازى الشافعى وبالعراقى أبا حنيفة، وقد استحدث لنفسه مذهبا ثالثا لم يحل فيه الأنبذة المسكرة فحسب بل أحلّ أيضا الخمر، وساد هذا المذهب لا بين أضرابه من الشعراء فحسب بل بين كثير من الناس، وإن كان يجب أن نحتاط بالقياس إلى الخلفاء، وأن نظن أنهم إنما تورطوا فى
(1) ديوان ابن الرومى (اختيار وتصنيف كامل كيلانى) ص 78.
الأنبذة فلم يقفوا عند أنواعها المحللة، بل شربوا أنواعها المسكرة. وكان المتوكل يعقد فى قصوره مجالس كثيرة للمنادمة والشراب، وكان يحب الشرب ومن حوله الورود والرياحين (1) وكان المعتز ابنه يزور الأديرة للشراب (2)، وكان يشرب فى قصوره بين ندمائه والمغنون يغنون بين يديه، كما كان شرب فى البساتين (3). وفرغ المعتمد-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-للهو والشراب، ويقول المسعودى: «كان مشغوفا بالطرب والغالب عليه المعاقرة ومحبة أنواع اللهو والملاهى (4)، وديوان ابن المعتز ملئ بالخمر ودنانها وكئوسها وغبوقها وصبوحها. وكان القاهر مدمنا شرب الخمر (5) كما كان مولعا بالغناء والسماع وجعله ذلك يأمر بأن تباع الجوارى المغنيات على أنهن لا يعرفن الغناء حتى يحصل منهن على من يريد بأرخص الأثمان، وبالمثل حرم الخمر على الناس وكأنه يريد أن يعبها وحده (6)، وكان الراضى عاهد ربه ألا يشرب وظل على ذلك سنتين من خلافته مع إذنه لجلسائه وندمائه بالشرب، ثم وجدوا له رخصة من يمينه فكفّر عنها وعاد إلى الشراب، وآخر الخلفاء المستكفى وكان قد ترك الشراب، فلما ولى الخلافة دعا به توّا وعاد إلى شربه (7).
وعلى هذا النحو كانت قصور الخلافة فى عصور كثير من الخلفاء كأنها مقاصف للشراب والسماع والغناء، وبالمثل كانت قصور الأمراء والوزراء وكبار أصحاب المناصب فى الدولة وعلية القوم، وتورط فيها بعض القضاة عن طريق النبيذ المحلل، كما تورط كثير من علماء اللغة وغيرهم أمثال ابن دريد، كان يعكف عليها عكوفا شديدا، ويقول أبو حفص بن شاهين:«كنا ندخل عليه فنستحى مما نرى من العيدان المعلّقة والشراب وقد جاوز التسعين» (8). وأوغل الشعراء فيها إيغالا. ومن يتصفح كتاب الأغانى لأبى الفرج الأصبهانى يحس أن بعض الناس أدمنوها إدمانا شديدا. وكانوا يعقدون لها المجالس فى المساء والليل والصباح، وآثروا ألا يقل عدد
(1) الديارات ص 160 وانظر فى صبوح. المنتصر أغانى (ساسى) 17/ 130.
(2)
الديارات ص 164 وما بعدها.
(3)
الديارات ص 166 وما بعدها.
(4)
مروج الذهب 4/ 131.
(5)
النجوم الزاهرة 3/ 245.
(6)
ابن الأثير (طبعة أوربا) 8/ 204.
(7)
مروج الذهب 4/ 267.
(8)
النجوم الزاهرة 3/ 241.
الندماء عن ثلاثة، وكان يدور عليهم بها السقاة والساقيات من الغلمان والجوارى وكانوا يزينون مجالس الشراب بالورود والرياحين، كما كانوا يزينون رءوسهم أحيانا بأكاليل الزهر.
وكان كرخ بغداد يكتظ بالمقينين وكانوا منبثين أيضا فى سامراء، وتحولوا بدورهم إلى ما يشبه حانات كبيرة، ففيها الخمر، وفيها القيان المغنيات، وفيها الجوارى الظريفات الأديبات، وكان الشعراء يختلفون إلى هذه الدور أو قل إلى هذه الحانات ومثلهم الناس من حولهم فيعبون من كئوسها ويتمتعون بالسماع ومغازلة الجوارى والقيان.
وكانت البساتين حول سامرّاء وبغداد تمتلئ بحانات الخمر والسماع، وكان الشعراء والناس يختلفون إليها، وقد يختلون بأنفسهم إلى زاوية فى بستان ويتخذون منها لأنفسهم حانة، يشربون فيها على أزهار الرياض وأبصارهم تتملّى بجمال الجوارى وآذانهم تتمتع بالسماع، وكثيرا ما يصور الشعراء هذا المتاع المضاعف بجمال الطبيعة وجمال المرأة ونشوة الخمر من مثل قول البحترى (1):
اشرب على زهر الرياض يشوبه
…
زهر الخدود وزهرة الصّهباء
من قهوة تنسى الهموم وتبعث ال
…
شّوق الذى قد ضلّ فى الأحشاء
وكان من يعملون بالحانات من الأجانب سواء الرجال والنساء، ويقول الجاحظ:
«من تمام آلة الخمار أن يكون ذميّا وأن يكون اسمه آذين أو مازيار أو أزدانقاذار أو ميشا أو شلوما ويكون أرقط الثياب مختوم العنق» (2) وتختلط فى النص أسماء فارسية ونصرانية ويهودية. أما الجوارى فكن من القيان الأجنبيات غالبا، وكانت تعجّ بهم حانات البساتين وحانات الكرخ ودور المقينين، والشباب والشعراء يختلفون إليهن، وكن من أجناس مختلفة، وقلما كن يشعرن بشئ من الكرامة أو يستشعرن شيئا من التحفظ والاحتشام، بل لقد كن يتفنن فى الحيل التى يجذبن بها الرجال، وكن يستكثرن من الخلان بطرق غير مستقيمة، فدفعن إلى
(1) الديوان 1/ 6.
(2)
البيان والتبيين (طبع مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر) 1/ 92.
كثير من الفجر والمجون، وكل شئ من حولهن يغريهن على هذا السلوك الآثم، وصوّر ذلك الجاحظ، فقال:«كيف تسلم القينة من الفتنة أو يمكنها أن تكون عفيفة، وإنما تكتسب الأهواء وتتعلّم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهى إنما تنشأ من لدن مولدها إلى أوان وفاتها فيما يصدّ عن ذكر الله من لهو الحديث. . . وبين الخلعاء والمجان ومن لا يسمع منه كلمة جدّ، ولا يرجع منه إلى ثقة ولا دين ولا صيانة مروءة. وتروى الحاذقة منهن أربعة آلاف صوت (أغنية) فصاعدا يكون الصوت فيما بين البيتين إلى أربعة أبيات، وعدد ما يدخل فى ذلك من الشعر إذا ضرب بعضه ببعض عشرة آلاف بيت، ليس فيها ذكر الله إلا عن غفلة ولا ترهيب من عقاب ولا ترغيب فى ثواب، وإنما بنيت كلها على ذكر. . . القيادة والعشق والصبوة والشوق والعلمة، ثم لا تنفك من الدراسة لصنعتها منكبة؟ ؟ ؟ عليها تأخذها من المطارحين الذين طرحهم كله تجميش وإنشادهم مراودة» (1). وكان الزوار ينالون منهن ما يريدون ما داموا يقدمون للمقيّن هداياهم النفيسة، وكن بدورهن يتخذن من بينهم المعشوقين، فما يزلن يغمزن هذا بعين وذاك بعين، وما يزلن يقمن من حولهن الشباك، وكثير من الشعراء والشباب يتعثرون فيها، وكثيرون كانوا يصلون إلى قلوبهن، وهن لا يحتشمن ولا يتحرّجن، ودائما يقمن حفلات الغناء والموسيقى والرقص.
واستحالت الأديرة فى هذا الجو الماجن إلى دور للعبث واللهو، وهيأ لها ذلك أنها كانت تقدّم لرّوادها الخمور المعتقة. وكانت متناثرة فى ضواحى بغداد وسامراء وغيرهما من مدن العراق، فحوّلها الشعراء والناس إلى مجالس للخمر والمجون، وأكثروا من التغنى بها ووصف متاعهم بخمورها ونشوتها وسقاتها من الرهبان والراهبات، حتى لتؤلّف فى ذلك كتب مستقلة مثل كتاب «الديارات» للشابشتى وهو يكتظ بأشعار ابن المعتز وغيره، وله يذكر لياليه بالمطيرة إحدى متنزهات سامرّاء وبالكرخ وحاناته وبدير السوسى وراهباته (2):
(1) انظر ثلاث رسائل للجاحظ نشر فنكل ص 71 وما بعدها.
(2)
الديارات ص 149.
يا ليالىّ بالمطيرة والكر
…
خ ودير السّوسىّ بالله عودى
كنت عندى أنموذجات من الجنّ
…
ة لكنها بغير خلود
وكانت هناك أيام سنوية يخرج فيها أهل سامراء وبغداد وغيرهما من مدن العراق للهو والقصف والمجون وهى أيام الأعياد: أعياد الإسلام وأعياد الفرس وأعياد النصارى، وكانت تشبه كرنفالات ضخمة يلهو الناس فيها لهوا مباحا وغير مباح ويتفرجون على القصّاص والحكّائين وأصحاب المساخر الهزليين، أما أعياد الإسلام فهى أعياد رأس السنة الهجرية وعيد الفطر وعيد الأضحى. وفى ديوانى البحترى وابن المعتز إشارات لهما مختلفة (1)، وأما أعياد الفرس فمن أهمها عيد النيروز فى أول الربيع، وهو أول السنة الفارسية، وينوه الشعراء بذكره كثيرا كقول البحترى يهنئ المعتمد به وبلحظات سروره (2):
لا تخل من عيش يكرّ سروره
…
أبدا ونيروز عليك معاد
وكانوا يكثرون من التهادى فيه، ويروى أن المتوكل كان يهدى فيه هدايا متنوعة فيها تماثيل من عنبر وورود حمراء (3). وكانو يخرجون فيه إلى المتنزهات والبساتين يقصفون ويمرحون ويلهون ملاهى مختلفة. ومن أعياد الفرس عيد المهرجان فى أول الشتاء، وفيه يقول البحترى (4):
وكأن الأيام أوثر بالحس
…
ن عليها ذو المهرجان الكبير
ولابن الرومى قصيدة طويلة يهنئ فيها عبيد الله بن عبد الله بن طاهر به، وقد حشد فيها كثيرا من فنون اللهو فيه (5)، وكان للفرس عيد يسمى عيد السّذق كانوا يوقدون فيه النيران على الجبال والتلال، ويظلون يجمعون لها الأحطاب أياما، ومن أشهر ما كان فى هذ العيد احتفال مرداويج الديلمى أمير الجبل فى غربى إيران به، ويقال كان فى السماط الذى صنعه فيه ألف رأس من البقر (6).
(1) انظر ديوان البحترى 2/ 1071، 1096 وديوان ابن المعتز ص 181، 247.
(2)
ديوان البحترى 2/ 734.
(3)
الديارات ص 57.
(4)
الديوان 2/ 887.
(5)
ديوان ابن الرومى (نشر كيلانى) ص 82.
(6)
مسكويه 5/ 479 وأبو الفدا فى عام 323 وابن الأثير 8/ 222.
أمّا أعياد النصارى فكان تقريبا لكل دير عيد يخرج فيه الناس إليه للهو والمجون والهزل، وكانت لهم أعياد عامة، منها عيد الميلاد وكانوا يكثرون فيه من إيقاد الشموع والنيران (1)، ومنها عيد الشعانين أو عيد الزيتونة وهو يقع فى يوم الأحد الذى يسبق عيد الفصح من كل سنة، وكان النصارى يتقلدون فيه الصلبان ويتوشحون بالمناديل المنقوشة ويحملون بأيديهم الخوص والزيتون. وكان الدير الأعلى فى الموصل يحتفل بهذا العيد احتفالا كبيرا. ومن أعيادهم عيد الفصح، وعندهم أن عيسى قام فيه بعد الصلب بثلاثة أيام، وكان يحتفل به دير سمالو شرقى بغداد، ولا يبقى أحد من أهل الطرب واللهو إلا قصده للقصف والمجون، وفيه يقول محمد بن عبد الملك الهاشمى (2):
ولربّ يوم فى سمالو تمّ لى
…
فيه السرور وغيّبت أحزانه
فتلاجبت بعقولنا نشواته
…
وتوقّدت بخدودنا نيرانه
حتى حسبت لنا البساط سفينة
…
والدّير ترقص حولنا حيطانه
وكان يقام فى أكتوبر عيد للقديسة أشمونى فى قطربّل، وهى قرية فى شمالى بغداد كانت أشبه بحانة الخمارين، وكان الناس يذهبون من بغداد وسامراء إلى هذا العيد عن طريق الدواب أرضا والسفن فى دجلة بحرا، متنافسين فيما يظهرونه هناك من زيهم وزينتهم ومباهين بما يعدّونه لقصفهم، وكانوا يضربون فى شط القرية وديرها وحاناتها وأكنافها الخيم والفساطيط وتعزف عليهم القيان وهم يحتسون كئوس الخمر، وبالمثل كانوا يصنعون فى عيد دير الزندورد بالجانب الشرقى لبغداد، وفيه يقيل جحظة (3):
دير تدور به الأقداح مترعة
…
من كفّ ساق مريض الطّرف وسنان
والعود يتبعه ناى يوافقه
…
والشّدو يحكمه غصن من البان
ولا شك فى أن كل ما قدمنا أعدّ لانتشار المجون والخلاعة فى سامراء وبغداد،
(1) ابن الأثير 8/ 222 وأبو الفدا فى عام 323.
(2)
الديارات ص 14.
(3)
الديارات ص 338.
إذ كانت الخمر فى كل مكان ومعها القيان والجوارى المبتذلات، فكان طبيعيّا أن يعم كثير من الشعر الصريح، بل المفرط فى إباحيته وفى التعبير عن الغرائز الجسدية.
ولم يكن كل ما فى المدينتين العراقيتين الكبيرتين المجون وآثامه، بل كان هناك تقى كثير ونسك وعبادة، وهو ما حماهما من السقوط. على أن هؤلاء المجان والخلعاء تورطوا فى آفة مزرية، هى آفة الشغف بالغلمان المرد، وهى آفة ورثوها عن العصر العباسى الأول. على أن من أصحاب هذا الغزل المزرى من ارتفعوا به عن أدران المادة، وجعلوه غزلا أفلاطونيّا نقيّا، وسنفصل القول فى ذلك فى أثناء حديثنا عن شعراء الغزل، على نحو ما هو معروف عن الفقيه محمد بن داود الأصفهانى وتعلقه بمحمد بن جامع الصيدلانى. ولا بد أن نذكر أن كثيرين من الفقهاء وعلماء الدين والوعاظ كانوا لا يزالون يشدّدون النكير على المجون وما اتصل به من خمور ومن سماع، وبتأثيرهم حاول-كما قدمنا-المهتدى أن يحمل الناس على الجادة، فحرم الشراب ونهى عن القيان والسماع إليهن، غير أن العامة والخاصة استطالوا حكمه واحتال عليه الأتراك حتى قتلوه بعد سنة واحدة من خلافته، وصنع صنيعه بأخرة من العصر المتقى، ولكنه لقى سريعا المصير نفسه. ويذكر ابن الأثير أنه فى عام 323 للهجرة دبّر الحنابلة ببغداد حملة شعواء على المجون وفتشوا دور القواد والعامة، وكانوا كلما وجدوا نبيذا أراقوه أو آلة للغناء حطموها أو مغنية ضربوها، وحرّموا على الرجال رفقة الصبييان والغلمان (1).
وظلت مستعرة فى هذا العصر نيران الشعوبية على نحو ما كانت مستعرة فى العصر العباسى الأول، إذ مضى كثيرون يشيدون بفضائل الشعوب القديمة وحضارتها ومدنيتها، وفى مقدمتها الفرس بسياساتهم وآدابهم والروم بعلومهم وفلسفاتهم والهند بسحرها ومعارفها الرياضية وغير الرياضية. وانضم إلى هذه الدعوة كثيرون من أبناء الشعوب الأخرى، من النبط والسريان وغيرهما، منوهبن جميعا بما كان بديارهم من علوم وآداب وفنون وعمارة. وكأنما ذهبت أدراج الرياح مناداة الإسلام بهدم الفوارق العصبية بين القبائل والفوارق الجنسية بين الشعوب، وكأنما كان هؤلاء الشعوبيون يبتغون أن يحدثوا صدعا لا يلتئم ولا يمكن رأبه بين أفراد الأمة، وقد لجّوا فى
(1) ابن الأثير 8/ 229 وما بعدها.
تصوير ما كان عليه الجاهليون-وعرب البوادى لعصرهم-من العيش الخشن ومن الغلظة والأطعمة اليابسة الجافة، وكيف أن العرب كانوا-ولا يزال كثيرون منهم- بدوا رعاة أغنام وإبل، وأين هم من ملك الأكاسرة والقياصرة؟ وأين هم من الحضارة الفارسية الرومية؟ وأين هم من علوم الروم والفرس؟ وكان كثير من العلماء قد كتب فى إفاضة عن مثالب القبائل فى القديم، فاستغل الشعوبيون ذلك واتخذوا منه أسلحة لدعوتهم، وحتى فضائل العرب من مثل الكرم والشجاعة حاولوا طمسها.
ناقضين لها نقضا.
وتصدّى الجاحظ وابن قتيبة لهذه النزعة الآثمة وردّا عليها ردّا عنيفا، أما الجاحظ فعقد فى كتابه «البيان والتبيين» بابا طويلا سماه «كتاب العصا» صوّر فيه طعن الشعوبية على العرب فى خطابتهم، إذ كانوا يشيرون فيها بالعصى والمخاصر، كما كانوا يتكئون على القسىّ، مما يصرف-فى رأى الشعوبيين-الخاطر ويشغل الذهن فى أثناء الخطابة. وزعموا أن الخطابة ليست ميزة ينفرد بها العرب دون سواهم، إذ هى فى جميع الأمم حتى الزنج. وزعموا-فيما زعموا-أن الفرس أخطب من العرب وأن لهم فى صناعة البلاغة كتبا متوارثة. وطعنوا على العرب أيضا فى أسلحتهم الحربية الساذجة بالقياس إلى أسلحة الفرس والروم وما عرفا به من التنظيمات الحربية وآلات الحرب الضخمة من مثل المجانيق والعرّادات. وكل ذلك نازعهم فيه الجاحظ فى عنف شديد، ولكى يبلغ كل ما كان يريد من إفحامهم ومقاومتهم جعل كتابه «البيان والتبيين» ردّا مفحما عليهم، إذ خصصه لعرض الثقافة العربية الخالصة فى صورها المختلفة من الخطابة والشعر والأمثال، كى يروا رؤية العين ما فى هذه الثقافة من قيم بلاغية وجمالية، فينتهوا عن مزاعمهم ويثوبوا إلى سندهم؟ ؟ ؟ . وأما ابن قتيبة فألف فى الرد عليهم مبحثا سماه (1)«كتاب العرب أو الرد على الشعوبية» وهو فى مطالعه يذكر أن من أشد الشعوبيين عدارة للعرب قوما من كتّاب الدواوين امتعضوا لآداب أقوامهم، حتى اعتزى أو انتسب نفر منهم إلى أشراف العجم وأساورتهم، داخلين بذلك فى باب فسيح من الدعوى
(1) انظر هذا الكتاب فى رسائل البلغاء لمحمد كرد على (طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر) ص 344 وما بعدها.
والنسب المتهم لا حجاب عليه ولا مدافع عنه، ويقول إنهم كانوا يزرون على الحكم والأمثال العربية ويتبجّحون بما يروون عن الفرس واليونان من آداب وعلوم. ولم يكتف بعنفه عليهم فى هذا المبحث الطريف، فقد عنف بهم فى مقدمة كتابه «أدب الكاتب» مصورا قصورهم عن النهوض بوظيفتهم الأدبية فى الدواوين لنقص ثقافتهم العربية، وحاول محاولة طريفة فى كتابه «عيون الأخبار» أن يجمع بين تلك الثقافة والثقافات الأجنبية ليبين أنها كلها ضرورية ولا تعارض بينها بوجه من الوجوه مما قضى على الشعوبية قضاء مبرما على نحو ما سنصوّر ذلك فى الفصول التالية.
ومن أهم الكتّاب الذين كانوا يستشعرون هذه النزعة الحمقاء سعيد بن حميد بن البختكان، وكان من أبناء دهاقين الفرس وزعم أنه من سلالة ملوكهم، وله فى الشعوبية والتعصب لقومه كتب مختلفة، منها كتاب فضل العجم على العرب وافتخارها (1).
ويبدو أن الجاحظ وابن قتيبة جميعا استطاعا أن يقضيا قضاء مبرما على الشعوبية فقلما نسمع بعدهما بشعر شعوبى أو بمن ألف فى الشعوبية وانتصر لها. وقد أشرنا فى كتاب العصر العباسى الأول إلى أن بعض الباحثين أدخل فى هؤلاء الشعوبيين من يقولون بالتسوية بين العرب وغيرهم، ويجب أن ينحوا عن هذه الجماعة الضالة، لأنهم كانوا فى الواقع ينادون بنظرية الإسلام وما دعا إليه من المساواة بين جميع الأفراد فى الأمة عربا وغير عرب، مساواة تشمل جميع الحقوق والواجبات بحيث لا يفضل مسلم صاحبه إلا بالتقوى والعمل الصالح كما جاء فى الذكر الحكيم:
{(يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)} . وأيضا كما جاء فى خطبة حجة الوداع:
«أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربى على عجمى فضل إلا بالتقوى» ، وبذلك يتضح أن التسوية بين الشعوب هى نظرية الإسلام، فلا عربى يفضل أعجميّا ولا أعجمى يفضل عربيّا من حيث النسب والقومية، إذ ليست العروبة ولا العجمة فى الإسلام ميزة تعلى من شأن صاحبها، فالناس جميعا سواسية. وإذن فمن
(1) الفهرست لابن النديم ص 185.
الخطأ أن نحمل القائلين بالتسوية على الشعوبيين أو على القول بالشعوبية، إنما الشعوبيون هم الذين يعلون الأعاجم على العرب وينادون بعدم التسوية حانقين حنقا شديدا على كل ما هو عربى، بل إن الضغينة لتأكل قلوبهم أكلا فإذا هم يودون لو ثأروا لآبائهم من العرب حين أزالوا ملكهم ونقضوا عروشهم فردوهم إلى ديارهم على أعقابهم مدحورين. وممن كان يذهب هذا المذهب فى الحماقة والجهالة والعداوة للعرب المتوكلى الشاعر المنسوب إلى المتوكل لأنه كان من ندمائه، إذ يقول فى شعوبية حاقدة ذميمة (1):
أنا ابن الأكارم من نسل جمّ
…
وحائز إرث ملوك العجم
وطالب أوتارهم جهرة
…
فمن نام عن حقّهم لم أنم
فقل لبنى هاشم أجمعين
…
هلموا إلى الخلع قبل النّدم
وعودوا إلى أرضكم بالحجاز
…
لأكل الضّباب ورعى الغنم
فإنى سأعلو سرير الملوك
…
بحدّ الحسام وحرف القلم
وواضح أن قلب المتوكلى يضطرم حقدا وضغينة على العرب، حتى ليظن نفسه أنه من أبناء جم أو جمشيد الملك الفارسىّ القديم وأنه قد وكل إليه أخذ الثأر أو الأثآر من هؤلاء الذين قوضوا ملك آبائه، وإنه ليتجه إلى حكام الأمة من بنى هاشم مهددا لهم متوعدا ومنذرا أن يبادروا إلى خلع أنفسهم والعودة إلى موطنهم الأصلى فى الحجاز، ليعيشوا كما كان يعيش آباؤهم معيشة غليظة خشنة يأكلون فيها اليرابيع والضباب، ويرعون الأغنام، على نحو ما يرعى ويأكل نازلة القفر والفلوات، وكأنه نسى أن بنى هاشم من قريش سكان مكة فى القديم وأنهم لم يكونوا رعاة ولا أهل جفاء وخيام، ولكنها الشعوبية العمياء الرّعناء.
ولعل أسوأ ما أدت إليه هذه الشعوبية الحمقاء الزنادقة والزنادقة الذين كانوا يبغضون العرب وكل ما اتصل بهم من إسلام وغير إسلام. ويوضح ذلك الجاحظ قائلا: «إن عامة من ارتاب بالإسلام إنما كان أول ذلك رأى الشعوبية والتمادى فيه وطول الجدال المؤدى إلى الضلال، فإذا أبغض شيئا أبغض أهله، وإن أبغض تلك اللغة أبغض تلك الجزيرة، وإذا أبغض تلك الجزيرة أحبّ من أبغض تلك
(1) ضحى الإسلام (الطبعة السابعة) 1/ 65.
الجزيرة، فلا تزال الحالات تنتقل به حتى ينسلخ من الإسلام، إذ كانت العرب هى التى جاءت به، وهى السلف والقدوة» (1). ومرّ بنا فى العصر العباسى الأول أن الزندقة إنما كان يوصم بها أولا من يتابعون مانى فى عقيدة النور والظلمة وما اتصل بها من مبادئ، بالضبط كما كانت تطلق عند الفرس. والزنادقة المعتنقون لهذه الأفكارهم الذين كانوا يحاكمون زمن المهدى وابنه الرشيد، ثم اتسع مدلولها فشملت كل من اعتنق نحلة فارسية من نحل المجوس كنحلة المزدكية وما دعت إليه من التحلل الخلقى والإباحية المسرفة، واتسعت أوسع من ذلك فشملت كل إلحاد بالدين الحنيف أو بالديانات مطلقا وكل مجاهرة بالعصيان والإثم والفسق. ومر بنا أيضا فى العصر العباسى الأول كيف أن المتكلمين-وفى مقدمتهم المعتزلة-تجردوا لجدالهم ونقض أقوالهم وآرائهم الخبيثة، وعقدوا لذلك مناظرات كانوا يفحمونهم فيها إفحاما شديدا، على نحو ما صوّر ذلك الجاحظ عن النظّام فى كتابه الحيوان، وألّفوا أيضا الكتب والرسائل الطوال.
ولم تهدأ حركة الإلحاد والزندقة فى هذا العصر التالى، بل لقد اشتد أوارها، إذ تحول كثيرون منهم إلى التشكيك فى النبوات عامة، وكان من أشدهم نفر بدءوا حياتهم فى صفوفهم المعتزلة، وما زالوا يبطنون الإلحاد حتى افتضح أمرهم وانكشف سرهم، وفى طليعتهم أبو عيسى الوراق المتوفى سنة 247 للهجرة (2) وكان فى أول أمره معتزليّا، وأحسّ المعتزلة فيه إلحاده فطردوه عنهم، فتحول شيعيّا رافضيّا، وينعته الخياط بأنه كان مانويّا يؤمن بأزلية النور والظلمة وقدم العالم (3)، ويبدو أنه أنكر النبوات وأن له فى ذلك بعض الرسائل (4). وقد أثر تأثيرا واسعا فى تلميذه أبى الحسين أحمد بن إسحق الرّاوندى (5) المولود فيما بين سنتى 205 و 215
(1) الحيوان 7/ 220.
(2)
مروج الذهب 4/ 23.
(3)
كتاب الانتصار (طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر) ص 152.
(4)
انظر مجموعة من النصوص غير المنشورة متعلقة بتاريخ التصوف فى الإسلام لماسينيون (طبع باريس 1929) ص 82.
(5)
انظر فى ابن الراوندى وأستاذه أبى عيسى الوراق كتاب من تاريخ الإلحاد فى الإسلام لعبد الرحمن بدوى (نشر مكتبة النهضة المصرية) وانظر فى ترجمة ابن الراوندى ووفاته مروج الذهب 4/ 23 وابن خلكان ومعاهد التنصيص (طبعة بولاق) 1/ 76 ومرآة الجنان لليافعى 2/ 144، 237 والنجوم الزاهرة 3/ 175 وشذرات الذهب لابن العماد 2/ 235 ومقدمة نيبرج لكتاب الانتصار وتاريخ أبى الفدا فى عام 293.
وكان يعتنق فى أول الأمر الاعتزال وصنّف عددا من الكتب فى مناصرته ونشره بين الناس، ثم تحول عنه إلى التشيع على مذهب الرافضة مثل أستاذه أبى عيسى وصار أعنف خصوم المعتزلة فى القرن الثالث الهجرى، بل لقد تمادى فى ذلك حتى كفر بالدين وجميع الديانات وألف فى ذلك كتبا مختلفة يسميها صاحب الفهرست باسم الكفريات. ولما ارتفع اسمه إلى مسامع الحكام خشى مغبة ذلك وأن يرمى به فى غياهب السجون فاختبأ فى منزل أبى عيسى بن لاوى اليهودى الأهوازى، وله صنّف بعض كفرياته، وما زال مختبئا بمنزله حتى توفى على ما يقول المسعودى وابن خلكان حوالى سنة 250 للهجرة وقال ابن الجوزى وابن تغرى بردى إنه توفى سنة 298 ويرجح التاريخ الثانى ما يذكره ابن الأنبارى فى نزهة الألباء بترجمة المبرد عن كتابه المقتضب وأنه لم يكتب له الرواج، لأن ابن الراوندى الملحد رواه.
وسقطت كتب ابن الراوندى فى العصور التالية من أيدى الزمن، فلم يصلنا منها شئ، ولكن وصلتنا شذور ومقتطفات فى كتب بعض من ردوا عليه أو من ترجموا له، من ذلك كتاب المجالس المؤيدية لهبة الله الشيرازى داعى دعاة الفاطميين لعصر المستنصر إذ جلب اقتباسات (1) من كتابه «الزمردة فى دفع النبوات» وفيها نراه يردّ إنكار النبوات إلى البراهمة الهنود تضليلا حتى يبعد التهمة عن نفسه، وكأنه إنما يتكلم بلسانهم، وهو يستهلّ كلامه بأن الله أنعم على الإنسان بالعقل ليميز الحسن من القبيح والخير من الشر، وإذن فلا داعى للرسل، لأنهم إما أن يؤكدوا هذا التمييز العقلى الذى يغنى عنهم فيه العقل، وإما أن يبطلوه أو ينقضوه وحينئذ تكون نبوتهم عبثا ولا حاجة للإنسان بها، ويقول إن الرسول عليه السلام أتى بما ينافر العقول من مثل الصلاة وشعائر الحج ومناسكه، وينفى المعجزات النبوية، ويزعم أن فصاحة القرآن ليست معجزة وخاصة بالقياس إلى العجم الذين لا يدركون الفصاحة العربية. ويردد نفى المعجزات النبوية وأن الملائكة نصروا رسول الله فى غزوة بدر وأنه أسرى به إلى بيت المقدس، ويمضى فى لغو من هذا النوع، ونرى ابن الجوزى ينقل فى كتابه المنتظم شذرات (2) أخرى من مصنفه الزمردة،
(1) انظر فى هذه الاقتباسات وتحليلها، كتاب من تاريخ الإلحاد فى الإسلام 75 - 188.
(2)
راجعها فى كتاب من تاريخ الإلحاد فى الإسلام ص 111.
يبدو أن ابن تغرى بردى نقلها عنه، من ذلك أنه كان يقول:«إنا نجد فى كلام أكثم بن صيفى الحكيم الجاهلى أحسن من {(إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ)} و {(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)} وإن الأنبياء وقعوا (اهتدوا إلى) بطلسمات تجذب كما أن المغناطيس يجذب الحديد أما قوله صلى الله عليه وسلم لعمار: تقتلك الفئة الباغية (كان مع على بن أبى طالب فى صفين وقتله جيش معاوية): فإن المنجم-فى رأيه-يقول مثل هذا إذا عرف المولد وأخذ الطالع. ويقول ابن الجوزى: «كان ابن الراوندى وأبو عيسى محمد بن هرون الوراق الملحد يتراميان بكتاب «الزمرد» ويدعى كل واحد منهما على الآخر أنه تصنيفه، وكانا يتوافقان على الطعن فى القرآن (1)».
أما كتابه الكفرى الثانى الذى خصّ به الرد على القرآن فهو كتاب «الدامغ» ، ويقال إنه صنف هذا الكتاب إرضاء لليهودى الذى كان يؤويه، وهو فيه ينكر إعجاز القرآن كما مر بنا فى حديث داعى الدعاة الفاطمى، ويزعم أن فى كلام الجاهليين ما هو أفصح منه وأبلغ، ويقول ابن الجوزى إنه بدأ فيه بالطعن فى القرآن وبلاغته حتى لقد زعم-بهتانا وزورا كبيرا-أن به أخطاء لغوية.
ولعل فى ذلك ما يصور-من بعض الوجوه-الهجمات العنيفة التى كان يصوّبها الملحدون فى القرن الثالث الهجرى إلى الإسلام والقرآن الكريم بل إلى الديانات عامة. ومن هنا نفهم السر فى أن الخليفة المعتمد حلّف الورّاقين لسنة 279 ألاّ يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة (2)، فقد كان من المتفلسفة والمتكلمين من يبطنون الإلحاد (3) والزندقة ويدخلونهما على ما يصنفون من الكتب. وكان أهمّ من نقض على ابن الرّاوندى كفرياته معاصره أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد المعروف بالخياط. وقد نشر له المستشرق نيبرج كتابه «الانتصار والرد على ابن الراوندى الملحد ما قصد به من الكذب على المسلمين والطعن عليهم» ، وكذلك عنى بالرد عليه معاصره أبو على (4) محمد بن عبد الوهاب
(1) من كتاب تاريخ الإلحاد فى الإسلام ص 113.
(2)
طبرى 10/ 28 وابن تغرى بردى 3/ 80.
(3)
الفهرست ص 487.
(4)
يقول ابن الجوزى إنه نقض خمسة كتب له فى مقدمتها الزمردة والدامع. انظر من تاريخ الإلحاد فى الإسلام ص 162 ويورد الكتاب هنا من نقضوا كتابه فى تفصيل وإسباب.