الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الدخان
مكية
إلا قوله: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ)
وهى سبع أو تسع وثلاثون آية وثلاث ركوعات
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
(حم
(1)
وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21)
فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)
* * *
(حم وَالْكِتَابِ المبينِ)، الواو للعطف، إن كان حم مقسمًا بها بإضمار حرف القسم، والجواب قوله:(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ)، أي: الكتاب المبين، (فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ)، قال تعالى:(إنا أنزلناه في ليلة القدر)[القدر: 1] أنزل فيها جملة واحدة من اللوح إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم أنزل مفصلاً بحسب الوقائع، وعن بعض: هي ليلة النصف من شعبان، (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ): محذرين بإنزال الكتاب، مستأنفة تبين
فائدة الإنزال، (فيهَا): في تلك الليلة، (يفْرَقُ): يفصل ويثبت (كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ): محكم لا يبدل من الأرزاق والآجال وجميع أمرهم إلى [السنة]، الآية، قال تعالى:(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)[القدر: 4]، (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا)، نصب على الاختصاص، أي: أعني به أمرًا حاصلاً من عندنا، أو حال من كل، أو من ضمير حكيم، (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ)، إلى الناس يتلو عليهم آياتنا، بدل من إنا كنا منذرين، أي: أنزلنا القرآن، لأن من عادتنا إرسال الرسل، (رَحْمَةً مِّن ربِّكَ)، مفعول له، وقيل " إنا كنا " علة ليفرق، ورحمة مفعول به، أي: يفصل الأمور فيها، لأن من شأننا إرسال الرحمة، وفصل الأمور من باب الرحمة، (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، للأقوال والأحوال، والرب لا بد أن يكون كذلك، (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنينَ): في إقراركم بأن الله خالق السماوات والأرض، تعرفون مضمون ما ألقى إليكم من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتعترفوا به، فإن الكفرة معترفون بأن خالق الأشياء هو الله، أو معناه إن كنتم مريدين اليقين فاعلموا ذلك، (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ)، في الدنيا، رد لكونهم موقنين، (فَارتقِبْ): انتظر لهم، (يَوْمَ)، مفعول به لارتقب، (تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ): هو الدخان الموعود، الذي هو من علامة قرب القيامة البين الواضح، الذي يراه كل أحد، وإليه ذهب حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما وكثير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم مع الأحاديث من
الصحاح والحسان، (يغشَى النَّاسَ): يحيط بهم، أما المؤمن فيصيبه كالزكام، وأما الكافر فهو كالسكران، يخرج من منخريه وأذنيه ودبره، (هَذَا عَذَابٌ أَلِيم رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ)، أي: قائلين هذا عذاب إلى مؤمنون، (إِنَّا مُؤْمِنُونَ)، وعد بالإيمان إن كشف عنهم، كأنه قيل: إن تكشف فإنا مؤمنون، (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى): من أين لهم التذكر؟ (وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ)، قال بعضهم: يعلمه غلام أعجمي، (مَّجنونٌ)، وقال بعضهم: مجنون، يعني: لا يتأتى منهم التذكر بهذا السبب، فإنه قد جاءهم أسباب أعلى من هذا، وما التفتوا إليها، (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا): زمانًا قليلاً يكشف الله تعالى الدخان، قيل: بعد أربعين يومًا فيرتدون، ولا يفون بوعدهم، (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ): في الكفر، ولا يلزم أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم بالكلية، ثم عادوا إليه، قال تعالى حكاية عن شعيب:(قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا)[الأعراف: 89] ولم يكن شعيب قط على ملتهم، قال قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله تعالى، (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى)، هو يوم القيامة، (إِنَّا مُنْتَقِمُونَ)، منهم، والعامل في " يوم "
فعل دل عليه " إنا منتقمون "، لأن إن مانع من عمله فيما قبله، أو بدل من " يوم تأتي "، وعن ابن مسعود رضي الله عنه وبعض آخر من السلف أن المراد من الدخان الظلمة التي في عام القحط من قلة الأمطار، وكثرة الغبار، أو ما يرى الجائع كهيئة الدخان من المجاعة من ضعف بصره، حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتجئوا وقالوا: ادع الله تعالى لئن يكشف عنا لنؤمن لك، فدعا وكشف ولم يؤمنوا، فانتقم الله تعالى منهم يوم بدر، وهو البطشة الكبرى، (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ): قبل قريش، (قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ)، على الله، (أَنْ أَدُّوا)، أن مفسرة، (إِلَيَّ عِبَادَ اللهِ): بني إسرائيل، وأرسلوهم معي ولا تعذبوهم، (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ)، على الوحي، (وَأَن لَا تَعْلُوا): لا تتكبروا، (عَلَى اللهِ)، بترك طاعه، (إِنى آتِيكُم بِسُلْطَانٍ مبِين): حجة ظاهرة على صدق قولي، (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ): التجأت إلى الله تعالى، (أَن تَرْجُمُونِ): تقتلوني، أو تشتموني فإنه الرجم باللسان، (وَإِن لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُون): كونوا بمعزل مني، لا تتعرضوا إلى بسوء، (فَدَعَا رَبَّهُ)، شاكيًا بعد ما كذبوه، (أَنَّ هَؤُلاءِ)، أي: بأنَّهم، (قَوْمٌ مجْرِمُونَ فَأَسْرِ
بِعِبَادِي)، أي: قال الله تعالى، إذا كان الأمر كذلك فأسر ببني إسرائيل، (لَيْلاً): قبل الصبح، (إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ): يتبعكم القبط، (وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا)، أي: اتركه حين قطعته، وعبرت ساكنًا كهيئته، ولا تأمره بأن يرجع إلى ما كان، وذلك لما جاوز أراد أن يضرب بعصاه، حتى يعود كما كان ليصير حائلاً بينهم وبين فرعون، فأمر الله تعالى أن يتركه على حاله، (إِنَّهُمْ جُندٌ مغْرَقُونَ كَمْ تَرَكُوا)، كثيرًا تركوا، (مِن جَنَّات وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ)، في مصر وقراه، (وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ): متنعمين، (كَذَلِكَ): مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها، (وَأَوْرَثناهَا)، عطف على الفعل المحذوف، (قَوْمًا آخَرِينَ)، بني إسرائيل، (فمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ)، لكل مؤمن باب في السماء ينزل منه رزقه، ويصعد فيه عمله، فإذا مات أغلق بابه فقد بكا عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض بكت عليه وليس لقبط عمل صالح فما بكت، وكلام بعض السلف: على أن بكاء الباب المذكور لكل مسلم، وأما بكاء السماء مطلقًا فما بكت منذ كانت الدنيا إلا على اثنين يحيى بن زكريا، وحسين بن عليٍّ عليهما السلام (1) لما قتلا احمرت السماء وبكت، وقيل: مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم، قالت العرب في موت عظيم: بكته الريح وأظلمت له الشمس، (وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ): ممهلين لتوبة وغيرها.
* * *
(1) هذا من كلام زيد بن زياد، وهو يفتقر إلى ما يؤيده.