الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ لما ذكر تعالى حسن طريقة الأنبياء المتقدمين، ولم يدع لهم متمسكا من جهتهم، أتبع ذلك الإشارة إلى أن الدين دائر مع أمره في كل زمان. وأنه لا ينفعهم إلا ما يستجدّونه بحكم ما تجدد من المنزل المعجز لكافة أهل الأرض، أحمرهم وأسودهم
…
أي فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة. فلها ما كسبت. وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم. ولا تسألون إلا عن عملكم.
قال الراغب: إعادة هذه الآية من أجل أن العادة مستحكمة في الناس، صالحهم وطالحهم أن يفتخروا بآبائهم ويقتدوا بهم في متحرياتهم لا سيما في أمور دينهم.
ولهذا حكى عن الكفار قولهم إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: 22] . فأكد الله تعالى القول في إنزالهم عن هذه الطريقة. وذكر في أثر ما حكى من وصية إبراهيم ويعقوب بنيه بذلك، تنبيها أن الأمر سواء على ما قلت أو لم يكن. فليس لكم ثواب فعلهم ولا عليكم عقابه. وفي الثاني لما ذكر ادعاءهم اليهودية والنصرانية لآبائهم أعاد أيضا تأكيدا عليهم تنبيها على نحو ما قال: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [الإسراء: 13]، وقوله لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: 286] ، وقوله وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: 164] ولما جرت به عادتهم وتفردت به معرفتهم: كل شاة تناط برجليها.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : آية 142]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142)
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها
روى البخاريّ في صحيحه «1» عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت. وأنه صلى أول صلاة صلاها، صلاة العصر وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة. فداروا، كما هم، قبل البيت.
وروى مسلم «2» : عن البراء رضي الله عنه نحو ما تقدم ولفظه: صلينا مع رسول
(1) أخرجه البخاريّ في: التفسير، سورة البقرة، 12- باب سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ
…
(2)
أخرجه مسلم في: المساجد ومواضع الصلاة، حديث 12.
الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، ثم صرفنا نحو الكعبة.
وروى الشيخان «1» ابن عمر قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن. وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. (اللفظ لمسلم) .
والأحاديث في تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة متوافرة. وفيما ذكرنا كفاية.
وقد أعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن فريقا من الناس سينكرون تغيير القبلة وسماهم سفهاء، جمع سفيه. وهو الخفيف الحلم والأحمق والجاهل. قال ابو السعود: أي الذين خفّت أحلامهم واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن التدبر والنظر.
انتهى. ومعنى قوله ما وَلَّاهُمْ أي أيّ شيء صرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، أي ثابتين على التوجه إليها، وهي بيت المقدس. ومدار الإنكار، إن كان القائلون هم اليهود، كراهتهم للتحويل عنها لأنها قبلتهم. وإن كان غيرهم، فمجرد القصد إلى الطعن في الدين والقدح في أحكامه. وقد روي عن ابن عباس: أن القائلين هم اليهود، وعن الحسن أنهم مشركو العرب. وعن السدّيّ أنهم المنافقون.
قال الراغب: ولا تنافي بين أقوالهم فكلّ قد عابوا، وكلّ سفهاء.
(تنبيه) ظاهر قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ إلخ أنه إخبار بقولهم المذكور.
ثم إن الإخبار قبل وقوعه. وفائدته توطين النفس وإعداد ما يبكتهم، فإن مفاجأة المكروه على النفس أشق وأشد. والجواب العتيد لشغب الخصم الألد أردّ، مع ما فيه من دلائل النبوة حيث يكون إخبارا عن غيب، فيكون معجزا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ جواب عن شبهتهم. وتقريره أن الجهات كلها لله ملكا. فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة. بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها قبلة، فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى أخرى. وما أمر به فهو الحق يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فيه تعظيم أهل الإسلام وإظهار عنايته تعالى بهم وتفخيم شأن الكعبة. كما فخمه بإضافته إليه في قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [الحج: 26] .
(1) أخرجه البخاريّ في: الصلاة، 32- باب ما جاء في القبلة. وأخرجه مسلم في: المساجد ومواضع الصلاة، حديث 13.