الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليه السلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ «1»
، وغير ذلك من الأحاديث فإنها عاضدة بهذا المعنى في الجملة. أما إذا علم أن الموضع موضع اجتهاد لا يفتقر إلى ذينك الأمرين فهم ومن سواهم فيه شرع، سواء. كمسألة العول والوضوء من النوم، وكثير من مسائل الربا التي قال فيها عمر بن الخطاب: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا آية الربا. فدعوا الربا والريبة. أو كما قال:
فمثل هذه المسائل موضع اجتهاد للجميع، لا يختص به الصحابة دون غيرهم من المجتهدين. وفيه خلاف بين العلماء أيضا. فإن منهم من يجعل قول الصحابيّ ورأيه حجة يرجع إليها ويعمل عليها من غير نظر، كالأحاديث والاجتهادات النبوية.
وهو مذكور في كتب الأصول. فلا يحتاج إلى ذكره هاهنا.
فصل في أن كل حكاية في القرآن لم يقع لها ردّ فهي صحيحة
قال الشاطبيّ: كل حكاية وقعت في القرآن، فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها، وهو الأكثر، ردّ لها أو لا، فإن وقع رد فلا إشكال في بطلان ذلك المحكيّ وكذبه.
وإن لم يقع معها رد، فذلك دليل على صحة المحكيّ وصدقه.
أما الأول فظاهر ولا يحتاج إلى برهان. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 91] فأعقب بقوله: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى [الأنعام: 91] الآية. وقال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً.. [الأنعام: 136] الآية، فوقع التنكيت على افتراء ما زعموا بقوله:
بِزَعْمِهِمْ وبقوله: ساءَ ما يَحْكُمُونَ [الأنعام: 136] وقالوا: هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ [الأنعام: 138] إلى تمامه. وردّ بقوله: سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ [الأنعام: 138]
(1)
أخرجه أبو داود، في السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم 4607. ونصه: عن العرباض: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم. ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا. فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا.
فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين. تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» .
ثم قال: وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ
…
[الأنعام: 139] الآية، فنبه على فساده بقوله: سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ [الأنعام: 139]، زيادة على ذلك. وقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ [الفرقان: 4]، فرد عليهم بقوله: فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً [الفرقان: 4]، ثم قال: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
…
[الفرقان: 5- 6] الآية. فرد بقوله: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ
…
[الفرقان: 5- 6]، الآية. ثم قال: وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً [الفرقان: 8]، ثم قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا [الفرقان: 9]، وقال تعالى: وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إلى قوله: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا ثم رد عليهم بقوله: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي [ص: 4- 8]، إلى آخر ما هنالك. وقال: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [البقرة: 116]، ثم ردّ عليهم بأوجه كثيرة ثبتت في أثناء القرآن كقوله:
بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء: 26]، وقوله: بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [يونس: 68] وقوله: سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ
…
[يونس: 68] الآية، وقوله: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ [يونس: 68] ، إلى آخره وأشباه ذلك.
ومن قرأ القرآن وأحضره في ذهنه عرف هذا بيسر.
وأما الثاني- فظاهر أيضا. ولكن الدليل على صحته من نفس الحكاية وإقرارها، فإن القرآن سمي فرقانا وهدى وبرهانا وبيانا وتبيانا لكل شيء، وهو حجة الله على الخلق، على الجملة والتفصيل، والإطلاق والعموم. وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق، ثم لا ينبّه عليه.
وأيضا فإن جميع ما يحكى فيه من شرائع الأولين وأحكامهم ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه، فهو حق يجعل عمدة، عند طائفة، في شريعتنا. ويمنعه قوم، لا من جهة قدح فيه، ولكن من جهة أمر خارج عن ذلك، فقد اتفقوا على أنه حق وصدق كشريعتنا. ولا يفترق ما بينهما إلا بحكم النسخ فقط، ولو نبه على أمر فيه لكان في حكم التنبيه على الأول، كقوله تعالى: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ [البقرة: 75] الآية، وقوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ
…
[المائدة: 41] الآية، وكذلك قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ [النساء: 46] ،