الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يطالب فيه المعتبر بشاهد موافق إلا ما يطالبه المربي، وهو أمر خاص، وعلم منفرد بنفسه، لا يختص بهذا الموضع، فلذلك يوقف على محله. فكون القلب جارا ذا قربى، والجار الجنب هو النفس الطبيعيّ، إلى سائر ما ذكر، يصح تنزيله اعتباريا مطلقا. فإن مقابلة الوجود بعضه ببعض في هذا النمط، صحيح وسهل جدا عند أربابه غير أنه مغرّر بمن ليس براسخ أو داخل تحت إيالة راسخ، وأيضا، فإن من ذكر عنه مثل ذلك من المعتبرين لم يصرح بأنه المعنى المقصود المخاطب به الخلق، بل أجراه مجراه، وسكت عن كونه هو المراد. وإن جاء شيء من ذلك وصرح صاحبه أنه هو المراد فهو من أرباب الأحوال الذين لا يفرقون بين الاعتبار القرآنيّ والوجوديّ.
وأكثر ما يطرأ هذا لمن هو، بعد، في السلوك سائر على الطريق، لم يتحقق بمطلوبه.
ولا اعتبار بقول من لم يثبت اعتبار قوله من الباطنية وغيرهم. وللغزالي في مشكاة الأنوار، وفي كتاب الشكر من الإحياء، وفي كتاب جواهر القرآن في الاعتبار القرآني وغيره، ما يتبين به لهذا الموضع أمثلة. فتأملها هناك والله الموفق.
ثم قال الشاطبيّ: فصل
وللسنة في هذا النمط مدخل. فإن كل واحد منهما قابل لذلك الاعتبار المتقدم الصحيح الشواهد، وقابل أيضا للاعتبار الوجوديّ، فقد فرضوا نحوه في
قوله عليه السلام «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة» «1»
إلى غير ذلك من الأحاديث. ولا فائدة في التكرار إذا وضح طريق الوصول إلى الحق والصواب.
9- قاعدة في أن الشريعة أمية، وأنه لا بد في فهمها من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم
.
قال الشاطبيّ في الموافقات: هذه الشريعة المباركة أمية، لأن أهلها كذلك، فهو أجرى على اعتبار المصالح. ويدل على ذلك أمور.
أحدها: النصوص المتواترة اللفظ والمعنى كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: 2] .
(1)
أخرجه البخاري، في بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء، عن أبي طلحة.
ونصه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل»
. [.....]
وقوله: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ [الأعراف: 158] . وفي
الحديث: «بعثت إلى أمة أمية» «1»
، لأنهم لم يكن لهم علم بعلوم الأقدمين. والأمي منسوب إلى الأم وهو الباقي على أصل ولادة الأم، لم يتعلم كتابا ولا غيره. فهو على أصل خلقته التي ولد عليها، وفي
الحديث: «نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب. الشهر هكذا وهكذا وهكذا» «2» .
وقد فسر معنى الأمية في الحديث: أي ليس لنا علم بالحساب، ولا الكتاب، ونحوه قوله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: 48] . وما أشبه هذا من الأدلة المبثوثة في الكتاب والسنّة، الدالة على أن الشريعة موضوعة على وصف الأمية. لأن أهلها كذلك.
والثاني: أن الشريعة التي بعث بها النبي الأميّ إلى العرب خصوصا، وإلى من سواهم عموما، إما أن تكون على نسبة ما هم عليه من وصف الأمية، أو لا. فإن كانت كذلك، فهو معنى كونها أمية أي منسوبة إلى الأميين، وإن لم تكن كذلك، لزم أن تكون على غير ما عهدوا. فلم تكن لتنتزل من أنفسهم منزلة ما تعهد، وذلك خلاف ما وضع عليه الأمر فيها. فلا بد أن تكون على ما يعهدون. والعرب لم تعهد إلا ما وصفه الله به من الأمية، فالشريعة إذا أمية.
والثالث: أنه لو لم يكن على ما يعهدون لم يكن عندهم معجزا، ولكانوا يخرجون عن مقتضى التعجيز بقولهم: هذا على غير ما عهدنا. إذ ليس لنا عهد بمثل هذا الكلام، من حيث إن كلامنا معروف مفهوم عندنا، وهذا ليس بمفهوم ولا معروف. فلم تقم الحجة عليهم به. ولذلك قال سبحانه: وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ، ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ.. [فصلت: 44] فجعل لهم الحجة على فرض كون القرآن أعجميا، ولما قالوا: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: 103] . ردّ الله عليهم بقوله: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
(1)
أخرجه الترمذي، في أبواب القراءات، باب ما جاء أنزل القرآن على سبعة أحرف. عن أبيّ بن كعب قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل فقال: يا جبريل! إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط. قال: يا محمد! إن القرآن أنزل على سبعة أحرف
. (2)
صحيح البخاريّ في الصوم باب قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لا نكتب ولا نحسب. عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا» يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.