المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي يحمده الأولون والآخِرون القائل - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٩

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي يحمده الأولون والآخِرون القائل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي يحمده الأولون والآخِرون القائل في كتابه الكريم: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)} والصلاة والسلام على الرسول الكريم، سيدنا محمد، المصطفى الصادق الأمين، وعلى آله وصبحه أجمعين.

أما بعد: فلما فرغت من تفسير الجزء السابع عشر من القرآن الكريم، بتوفيقه وتيسيره .. أخذت في تفسير الجزء الثامن عشر منه، مستمدًا منه الهداية وكل التوفيق في تفسير كتابه لأقوم الطريق، وها أنا أقول، وقولي هذا: فذلكة في سورة المؤمنين:

‌سورة المؤمنون

سورة المؤمنون مكية كلها عند الجميع، وقيل: إلا ثلاث آيات، وهي قوله:{وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ} إلى آخرها، نزلت بعد سورة الأنبياء، وهي مئة وثماني عشرة آية (1)، وألف وثمان مئة وأربعون كلمة، وأربعة آلاف وثمان مئة حرف، وحرفان.

فضلها: ومن فضائلها: ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي، يُسمع عند وجهه دويٌّ كدوي النحل، فأنزل الله عليه يومًا، فمكث ساعة، ثم سرى عنه، فقرأ:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)} إلى عشر آيات من أولها، وقال:"من أقام هذه العشر آيات .. دخل الجنة" ثم استقبل القبلة، ورفع يديه وقال:"اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم أرضنا وارض عنا"

(1) الخازن.

ص: 7

وأخرج البيهقي من حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:"لما خلق الله الجنة، قال لها: تكلمي، فقالت: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)} ". وأخرجه أيضًا ابن أبى عدي، والحاكم، وأخرج الطبراني في السنة وابن مردويه، من حديث ابن عباس مثله.

وأخرج البخاري في "الأدب المفرد"(1)، والنسائي وابن المنذر، والحاكم، وصححه وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل"، عن يزيد بن بابنوس، قال: قلنا لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان خلقه القرآن، ثم قالت: تقرأ سورة المؤمنون؟ إقرأ {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)} حتى بلغ العشر، فقالت: هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروي: أن أولها وآخرها من كنوز الجنة، من عمل بثلاث آيات من أولها واتعظ بأربع من آخرها، فقد نجا وأفلح.

الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله محمد بن حزم رحمه الله تعالى (2): في سورة المؤمنون آيتان منسوختان:

إحداهما: قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54)} الآية (54) نسخت بآية السيف.

الآية الثانية: قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} الآية (97) نسخت بآية السيف أيضًا.

المناسبة: مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه (3):

1 -

أنه تعالى ختم السورة السابقة بخطاب المؤمنين، وأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وفعل الخيرات، لعلهم يفلحون، وحقق فلاحهم في بدء هذه السورة (2).

(1) الشوكاني.

(2)

ابن حزم.

(3)

المراغي.

ص: 8

2 -

أنه تكلم في كل من السورتين في النشأة الأولى، وجعل ذلك دليلًا على البعث والنشور.

3 -

أن في كل من السورتين قصصًا للأنبياء الماضين وأممهم، ذكرت عبرة للحاضرين والآتين.

4 -

أنه نصب في كل منهما أدلة على وجود الخالق ووحدانيته.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 9

بسم الله الرحمن الرحيم

{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)}

ص: 10

المناسبة

قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)

} الآيات، مناسبة (1) هذه الآيات لآخر السورة التي قبلها ظاهرة؛ لأنه تعالى خاطب المؤمنون بقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا} الآية، وفيه:{لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وذلك على سبيل الترجية، فمناسبة ذلك قوله تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)} إخبارًا بحصول ما كانوا رجوه من الفلاح.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12)

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (2): أنه سبحانه وتعالى لما ذكر أحوال السعداء المفلحين، قفى ذلك بذكر مبدأهم، ومآل أمرهم، وأمر غيرهم من بني الإنسان، وفي هذا إعظام للمنة، وحث على الاتصاف بحميد الصفات، وتحمل مؤونة التكاليف، ثم ذكر أن كل ذلك منته إلى غاية، هي يوم القيامة، الذي تبعثون وتحاسبون فيه على أعمالكم، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشر.

وعبارة أبي حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما ذكر تعالى أن المتصفين بتلك الصفات الجليلة، هم يرثون الفردوس، فتضمن ذلك المعاد الأخروي ذكر النشأة الأولى، ليستدل على صحة النشأة الآخرة.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ

} الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر خلق الإنسان في أطواره المختلفة، واستدل بذلك على قدرته، وتفرده بالتصرف في الملك، والملكوت .. أردفه ببيان ما يحتاج إليه في بقاءه، لما فيه من المنافع، التي لا غنى له عنها.

وعبارة أبي حيان هنا (3): لما ذكر تعالى ابتداء خلق الإنسان، وانتهاء أمره، ذكره بنعمته، انتهى.

قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ

} الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله

(1) البحر المحيط.

(2)

المراغي.

(3)

البحر المحيط.

ص: 11

سبحانه لما ذكر من دلائل قدرته خلق الطرائق السبع .. قفى على ذلك ببيان ما فيها من منافع للإنسان، فمنها ينزل الماء الذي به تنشأ الجنات من النخيل والأعناب، وكثير من أشجار الفاكهة التي تؤكل، وينبت به شجر الزيتون، الذي يؤخد من ثمره الزيت، الذي يتخذ دهنًا للأجسام، وإدامًا في الطعام.

قوله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً

} الآية، مناسبتها لما قبلها: لما ذكر سبحانه بنعمة إنزاله الماء من السماء، الذي به جنات النخيل، والأعناب، والفواكه المختلفة، والزيتون .. أردفها بذكر النعم المختلفة، التي سخرها لنا من خلق الحيوان.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ

}. الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (1): أنه سبحانه لما ذكر أولًا بدء الإنسان، وتطوره في تلك الأطوار، وما امتن به عليه، مما جعله تعالى سببًا لحياتهم، وإدراك مقاصدهم، ذكر أمثالًا لكفار قريش من الأمم السابقة، المنكرة لإرسال الله رسلًا، المكذبة بما جاءتهم به الأنبياء عن الله تعالى، فابتدأ بقصة نوح؛ لأنه أبو البشر الثاني، كما ذكر أولًا آدم في قوله تعالى:{مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} ، ولقصته أيضًا مناسبة لما قبلها إذ قبلها:{وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} فذكر قصة من صنع الفلك أولًا، وأنه كان سبب نجاة من آمن، وإهلاك من لم يكن معه في الفلك، فالفلك من نعمة الله تعالى، وكل هذه القصص يحذر بها قريشًا نقم الله، ويذكرهم بنعمه.

وعبارة المراغي هنا (2): مناسبة هذه الآيات لما قبلها أن الله سبحانه لما عدد ما أنعم به على عباده، في نشأتهم الأولى، وفي خلق الماء لهم؛ لينتفعوا به، وفي خلق الحيوان كذلك .. ذكر هنا أن كثيرًا من الأمم قد أهملوا التدبر والاعتبار في هذا، فكفروا بهذه النعم، وجهلوا قدر المنعم بها، وعبدوا غيره، وكذبوا رسله الذين أرسلوا إليهم، فحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون، وأهلكهم

(1) البحر المحيط.

(2)

المراغي.

ص: 12