المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ … } الآية، سبب نزول هذه - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٩

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

الفصل: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ … } الآية، سبب نزول هذه

قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ

} الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن السكن في "معرفة الصحابة"، عن عبد الله بن صبيح عن أبيه، قال: كنت مملوكًا لحويطب بن عبد العزى، فسألته الكتاب، فنزلت {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ

} الآية.

قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ

} الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب جميعًا عن أبي معاوية واللفظ لأبي كريب حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: كان عبد الله بن أبي بن سلول يقول لجارية: له اذهبي فابغينا شيئًا. فأنزل الله عز وجل: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

وأخرج مسلم أيضًا من طريق آخر تنتمي إلى الأعمش عن أبي سفيان بهذا الحديث. وفيه أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة فكان يكرههما على الزنا، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} الآية.

وأخرج الحاكم من طريق أبي الزبير، عن جابر قال: كانت مسيكة لبعض الأنصار فقالت: إن سيدي يكرهني على البغاء، فنزلت: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ

} الآية.

وأخرج البزار والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: كانت لعبد الله بن أبي جارية تزني في الجاهلية، فلما حرم الزنا، قالت: لا والله، لا أزني أبدًا، فنزلت:{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} .

التفسير وأوجه القراءة

‌30

- ولما ذكر سبحانه حكم الاستئذان، أتبعه بذكر حكم النظر على العموم، فيندرج فيه غضّ البصر من المستأذن. كما قال صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإذن من أجل

ص: 299

البصر". فقال: {قُلْ} يا محمد {لِلْمُؤْمِنِينَ} وخص (1) على غيرهم لكون قطع ذرائع الزنا التي منها النظر هم أحق من غيرهم بها، وأولى بذلك ممن سواهم. وقيل: إن في الآية دليلًا على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات كما يقوله بعض أهل العلم ومقول القول أمر قد حذف لدلالة جوابه عليه، تقديره: قل لهم: غضوا. {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ؛ أي: يكفوا أبصارهم عن الحرام. والغض (2) إطباق الجفن، بحيث يمنع الرؤية. ومنه قول جرير:

وَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ

فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابَا

وقول عنترة:

وَأَغُضُّ طَرْفِيْ مَا بَدَتْ لِيْ جَارَتِيْ

حَتَّى تُوَارِيْ جَارَتِيْ مَأْوَاهَا

و (من) في قوله: {مِنْ أَبْصَارِهِمْ} زائدة، أو تبعيضية. وإليه ذهب الأكثرون؛ لأن الغالب أن الاحتراز عن النظرة الأولى لا يمكن؛ لأنها تقع بغير قصد، فوقع العفو عنها. سواء قصدها، أو لم يقصدها ، ولا يجوز أن يكرر النظر إلى الأجنبية. لقوله صلى الله عليه وسلم:"يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة". وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحل النظر إليه.

ومعنى {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} : أنه يجب عليهم حفظها عما يحرم عليهم. وقيل: المراد ستر فروجهم عن أن يراها من لا تحل له رؤيتها، ولا مانع من إرادة المعنيين فالكل يدخل تحت حفظ الفرج. والفرج الشق بين الشيئين، كفرجة الحائط. والفرج ما بين الرجلين، وكنى به عن السوءة، وكثر حتى صار كالصريح فيه.

وأتى بمن التبعيضية (3) في جانب الأبصار دون الفروج، مع أن المأمور به حفظ كل واحد منهما عن بعض ما تعلقا به. فإن المستثنى من البصر كثير، فإن الرجل يحل له النظر إلى جميع أعضاء أزواجه، وأعضاء ما ملكت يمينه. وكذا لا

(1) الشوكاني.

(2)

الشوكاني.

(3)

روح البيان.

ص: 300

بأس عليه في النظر إلى شعور محارمه، وصدورهن، وأيديهن، وأعضائهن، وسوقهن وأرجلهن وكذا لا بأس عليه في النظر من أمة الغير حال عرضها للبيع، ومن الحرة الأجنبية إلى وجهها وكفيها وقدميها. في رواية القدم بخلاف المستثنى من الفرج فإنه شيء نادر قليل، وهو فرج زوجته وأمته. فلذلك أطلق لفظ الفرج، ولم يقيد بما استثنى منه لقلته، وقيد غضّ البصر بحرف التبعيض.

والمعنى (1): {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ؛ أي: قل أيها الرسول للمؤمنين، كفوا أبصاركم عما حرم الله عليكم، ولا تنظروا إلا إلى ما يباح لكم النظر إليه، فإن وقع البصر على محرم من غير قصد، فليصرفوا أبصارهم عنه سريعًا. كما رواه مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري. وروى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: "يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة". كما مر. وفي "الصحيح" عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "إياكم والجلوس على الطرقات". قالوا: يا رسول الله، لا بدّ لنا من مجالسنا نتحدث فيها. فقال صلى الله عليه وسلم:"إن أبيتم فاعطوا الطريق حقه". قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غضّ البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر".

والحكمة في ذلك (2): أن في غض البصر سدًا لباب الشر، ومنعًا لارتكاب المآثم والذنوب. ولله در أحمد شوقي حيث يقول:

نَظْرَةٌ فَابْتِسَامَة فَسَلَامُ

فَكَلَامٌ فَمَوْعِدٌ فَلِقَاءُ

{وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} بمنعها من عمل الفاحشة، أو بحفظها من أن أحدًا ينظر إليها. وقد جاء في الحديث:"احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك".

(1) المراغي.

(2)

المراغي.

ص: 301