الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لا يجد من يؤاكله حتى يمسي، فيضطر إلى الأكل وحده. قال: بعض الشعراء:
إِذَا ما صَنَعْتِ الزَّادَ فَالْتَمِسِي لَهُ
…
أَكِيْلًا فَإِنَّيْ لَسْتُ آكُلُهُ وَحْدِيْ
وأخرج عن عكرمة وأبي صالح، قالا: كانت الأنصار، إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون حتى يأكل الضيف معهم، فنزلت رخصةً لهم.
قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
…
} الآية، أخرج (1) ابن إسحاق والبيهقي في "الدلائل" عن عروة ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما، قالوا: لما أقبلت قريش عام الأحزاب، نزلوا بمجمع الأسيال من رومة بئر المدينة قائدها أبو سفيان، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بنعمى إلى جانب أحد، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، الخبر فضرب الخندق على المدينة، وعمل فيه وعمل المسلمون فيه، وأبطأ رجال من المنافقين، وجعلوا يأتون بالضعيف من العمل، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم، من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين، إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها، يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يستأذنه في اللحوق لحاجته فيأذن له، وإذا قضى حاجته رجع، فأنزل الله في أولئك المؤمنين {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} إلى قوله:{وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .
قوله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا
…
} الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه (2) أبو نعيم في الدلائل من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فأنزل الله:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} فقالوا: يا نبي الله، يا رسول الله.
التفسير وأوجه القراءة
58
- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} رجوع (3) إلى
(1) لباب النقول.
(2)
لباب النقول.
(3)
البيضاوي.
تتمة الأحكام السالفة، بعد الفراغ من الإلهيات، الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيره، والوعد عليها، والوعيد على الإعراض عنها. والمراد به خطاب الرجال والنساء غلب فيه الرجال. واللام في قوله:{ليستأذنكم} لام الأمر، والاستئذان (1) طلب الإذن، والإذن في الشيء إعلام بإجازته، والرخصة فيه؛ أي: يا أيها الذين أمنوا بالله ورسوله من الرجال والنساء، ليطلب منكم الإذن في الدخول عليكم الأناس، الذين ملكت أيديكم من العبيد والإماء الكبار. {وَ} الصبيان {الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ} أي لم يصلوا أوان البلوغ والاحتلام، القاصرون عن درجة البلوغ المعهود. والتعبير عن البلوغ بالاحتلام، لكونه أظهر دلائله، وبلوغ الغلام صيرورته بحال لو جامع لأنزل.
قرأ الجمهور {الحلم} بضمتين. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية وطلحة {الحلم} بسكون اللام وهي لغة تميم، حالة كون الذين لم يبلغوا الحلم كائنين {مِنْكُمْ} أيها الأحرار {ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} ظرف (2) زمان ليستأذن؛ أي: ليستأذنوا في الدخول عليكم ثلاثة أوقات في اليوم والليلة؛ لأنها ساعات غرة وغفلة، أو منصوب على المصدرية؛ أي: ثلاث استئذانات. ورجح هذا الوجه أبو حيان. وعبر بالمرات عن الأوقات؛ لأن أصل وجوب الاستئذان هو بسبب مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين، لا نفس الأوقات.
ثم فسر تلك الأوقات بقوله: {مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ} لظهور أنه وقت القيام عن المضاجع، وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب اليقظة. ومحله النصب، على أنه بدل من ثلاث مرات، بدل تفصيل من مجمل؛ أي: ليستأذنوا ثلاثة أوقات وقتًا من قبل صلاة الصبح. {وَحِينَ تَضَعُونَ} وتنزعون {ثِيَابَكُمْ} التي تلبسونها في النهار؛ أي: ووقتًا حين تخلعون ثيابكم عن أبدانكم لأجل القيلولة، وهي الاستراحة وسط النهار سواء كان معها نوم أم لا.
(1) روح البيان.
(2)
روح البيان.
وقوله: {مِنَ الظَّهِيرَةِ} بيان للحين، وهي شدة الحر عند انتصاف النهار؛ أي (1): حين ذلك الوقت الذي هو الظهيرة. وقيل (من) بمعنى في؛ أي: تضعونها في الظهيرة، أو بمعنى اللام؛ أي: من أجل حر الظهيرة.
والتصريح (2) بمدار الأمر، أعني وضع الثياب في هذا الحين، دون الأول والآخر، لما أن التجرد عن الثياب فيه لأجل القيلولة لقلة زمانها ووقوعها في النهار، الذي هو مظنة لكثرة الورود والصدور، ليس من التحقق والاطراد بمنزلة ما في الوقتين، فإن تحقق التجرد واطراده فيهما أمر معروف لا يحتاج إلى التصريح به.
ثم ذكر سبحانه الوقت الثالث، فقال:{وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ} الآخرة ضرورة، أنه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف، وهو كل ثوب تغطيت به؛ أي: وقتًا بعد صلاة العشاء الآخرة.
وإنما خص (3) سبحانه هذه الثلاثة الأوقات؛ لأنها ساعات الخلوات، ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يجوز أن يراه أحد من العبيد والصبيان، فأمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات. وغير العبيد والصبيان يستأذن في جميع الأوقات.
ثم أجمل سبحانه هذه الأوقات بعد التفصيل، فقال:{ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ} كائنة، {لَكُمْ} أيها المؤمنون والمؤمنات بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه الثلاثة المذكورة ثلاث عورات لكم؛ أي: ثلاثة أوقات يختل فيها عادةً ستر عورات لكم. أو المعنى هذه ثلاث خلوات لكم. كما في "تنوير المقياس"، والعورة: الخلل الذي يرى منه ما يراد ستره. وسميت الأوقات المذكورة عورات مع أنها ليست نفس العورات، بل هذه أوقات العورات، على طريق تسمية الشيء باسم ما يقع فيه، مبالغة في كونه محلًا له.
(1) الفتوحات.
(2)
روح البيان.
(3)
الخازن.
قرأ (1) ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، وحفص عن عاصم {ثلاث عورات} برفع الثاء المثلثة من ثلاث.
والمعنى: هذه الأوقات هي ثلاث عورات؛ لأن الإنسان يضع فيها ثيابه، فربما بدت عورته. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم {ثلاث عورات} بنصب المثلثة. قال أبو علي وجعلوه بدلًا من قوله:{ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} والأوقات ليست بعورات، ولكن المعنى أنها أوقات ثلاث عورات، فلما حذف المضاف أعرب بإعراب المحذوف.
وقرأ (2) أبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن جبير والأعمش {عَوْرَاتٍ} فتح الواو وهي لغة هديل بن مدركة وبني تميم.
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون الأحرار والحرائر في تمكينهم من الدخول عليكم {وَلَا عَلَيْهِمْ} أي: ولا على المماليك والخدم والصبيان {جُنَاحٌ} أي: حرج وإثم في الدخول عليكم بغير استئذان لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر، والاطلاع على العورات، ولعدم تكليف الصبيان. {بَعْدَهُنّ} أي: بعد مضي هذه الأوقات الثلاثة. فرفع الحرج عن الفريقين جميعًا؛ أي: بعد (3) كل واحدة من تلك العورات الثلاث، وهي الأوقات المتخللة بين كل وقتين منهن، فالاستئذان لهؤلاء مشروع فيها، لا بعدها. ولغيرهم في جميع الأوقات. وهذه الجملة مستأنفة، مقررة للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة. ويجوز أن تكون في محل رفع صفةً لثلاث عورات على قراءة الرفع فيها. والمعنى: من ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.
ثم بين العلة في ترك الاستئذان في هذه الأوقات، بقوله:{طَوَّافُونَ} وهو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هم يعني المماليك والصبيان جوالون {عَلَيْكُمْ} أيها الأحرار والحرائر للخدمة طوافًا كثير، يذهبون ويجيؤون. والطواف: الدوران
(1) زاد المسير.
(2)
البحر المحيط.
(3)
روح البيان.
حول الشيء. ومنه الطواف بالبيت. كما سيأتي في مباحث الصرف. ومنه أيضًا الحديث في الهرة: "إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات"؛ أي: هم خدمكم فلا بأس أن يدخلوا عليكم في غير هذه الأوقات بغير إذن؛ أي: يدخلون عليكم في المنازل غدوة وعشية بغير إذن، إلا في تلك الأوقات الثلاثة. والجملة مستأنفة مبينة للعذر المرخص في ترك الاستئذان.
ومعنى {بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} أي: بعضكم يطوف، أو طائف، وهم المماليك والصغار على بعض، وهم الأحرار والكبار. وهذه (1) الجملة بدل مما قبلها، أو مؤكدة لها.
والمعنى: أن كلا منكم يطوف على صاحبه، العبيد على الموالي، والموالي على العبيد؛ أي: هم يطوفون عليكم للخدمة، وأنتم تطوفون عليهم للاستخدام. ولو كلفهم الاستئذان في كل طوفة؛ أي: في هذه الأوقات الثلاثة وغيرها .. لضاق الأمر عليهم. فلذا رخص لكم في ترك الاستئذان فيما وراء هذه الأوقات.
وقرأ ابن أبي عبلة (2): {طوافين} بالنصب على الحال من ضمير عليهم. وقال الحسن: إذا بات الرجل خادمه معه، فلا استئذان عليه، ولا في هذه الأوقات الثلاثة. والإشارة في قوله:{كَذَلِكَ} إلى مصدر الفعل الذي بعده، والكاف صفة لمصدر محذوف.
{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} ؛ أي: يبين الله سبحانه وتعالى لكم أيها المؤمنين، الآيات الدالة على الأحكام تبيينًا كائنًا مثل تبيين هذه الآيات المذكورة هنا؛ أي: ينزلها مبينة واضحة الدلالات عليها. لا أنه تعالى بينها بعد أن لم تكن كذلك. {وَاللَّهُ} سبحانه وتعالى {عَلِيمٌ} أي: مبالغ في العلم بجميع المعلومات جليلها ودقيقها، فيعلم أحوالكم. {حَكِيمٌ} في جميع أفاعيله فيشرع لكم ما فيه صلاح أمركم معاشًا ومعادًا.
(1) الشوكاني.
(2)
البحر المحيط.
وحاصل معنى الآية: أي لا يدخل (1) أيها المؤمنون، في بيوتكم عبيدكم، وإمائكم، ثلاث مرات في ثلاثة أوقات من ساعات ليلكم ونهاركم إلا بإذن قبل صلاة الفجر؛ لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب اليقظة وكل ذلك مظنة انكشاف العورة، وحين تخلعون ثيابكم التي تلبسونها وقت الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء؛ لأنه وقت خلع ثياب اليقظة، ولبس ثياب النوم. وخص هذه الأوقات الثلاثة، لأنها ساعات الخلوة، ووضع الثياب والالتحاف باللحاف. وهكذا حكم حال الذين لم يبلغوا الحلم من أطفالكم، ثم علل طلب الاستئذان بقوله:{ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ} ؛ أي: لأن هذه الأوقات الثلاثة ثلاث عورات لكم، يختل فيها التستر عادة.
وبعد أن بين حكم هذه الأوقات الثلاث، بين حكم ما عدا ذلك، فقال:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} أي: ليس عليكم معشر أرباب البيوت، ولا على الذين ملكت أيمانكم من العبيد والإماء، ولا على الذين لم يبلغوا الحلم من أطفالكم حرج، ولا إثم في غير هذه العورات الثلاث.
والخلاصة: لا حرج ولا إثم على الناس أن يدخل عليهم مماليكهم البالغون وصبيانهم الصغار بغير استئذان بعد هذه الأوقات الثلاث. أما من بلغ الحلم فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا بإذن على كل حال.
ثم علل الإباحة في غيرها بقوله: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} ؛ أي: هؤلاء المماليك والصبيان الصغار يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة وعشية بغير إذن؛ لأنهم يخدمونهم، أو لاحتياج الأقارب إليهم. كما أن السادة والأقارب يطوفون على ذوى قراباتهم ومماليكهم إذا عرضت لهم حاجة إليهم.
ثم بين فضله على عباده في بيان أحكام دينهم لهم. فقال: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: ومثل ذلك التبيين لتلك الأحكام يبين لكم
(1) المراغي.
أيها المؤمنون شرائع دينكم وأحكامه، والله عليم بما يصلح أحوال عباده. حكيم في تدبير أمورهم، فيشرع لهم ما يصلح أحوالهم في المعاش والمعاد.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس، ترك الناس ثلاث آيات، فلم يعملوا بهن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الآية. وقوله في النساء:{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} الآية. وقوله في الحجرات: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} .
وعن عكرمة عن ابن عباس، أن رجلين من أهل العراق، سألاه عن الاستئذان في العورات الثلاث، التي أمر الله بها في القرآن، فقال: إن الله ستير يحب الستر، كأن الناس ليس لهم ستور على أبوابهم. وحجال في بيوتهم، فربما فجأ الرجل خادمه، أو ولده، أو يتيمه في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات، ثم بسط الله عليهم الرزق فاتخذوا الستور، واتخذوا الحجال، فرأوا أن ذلك قد كفاهم، من الاستئذان الذي أمروا به.
ففيه (1) دليل على أن الحكم إذا ثبت لمعنى، فإذا زال المعنى، زال الحكم، فالتبسط في اللباس والمعاش والسكنى، ونحوها مرخص فيه، إذا لم يؤد إلى كبر واغترار. قال عمر رضي الله عنه: إذا وسع الله عليكم، فوسعوا على أنفسكم. ويقال: اليسار مفسدة للنساء، لاستيلاء شهواتهن على عقولهن. وفي الحديث:"إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". يعني: إذا أتى الله عبده نعمته من نعم الدنيا، فليظهرها من نفسه، وليلبس ثيابًا نظيفةً، يليق بحاله، ولتكن نيته في لبسه إظهار نعمة الله عليه، ليقصده المحتاجون لطلب الزكاة والصدقات، وليس لبس الخلق مع اليسار من التواضع.
وفي الآية رخصة في اتخاذ العبيد والإماء للخدمة، لمن قام بحقهم. وبيان أن حق الموالي عليهم الخدمة. ودلت الآية على أن من لم يبلغ، وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع. وينهي عن ارتكاب القبائح، فإنه تعالى أمرهم بالاستئذان في
(1) روح البيان.