المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الأرض يغور فيها، إلى مدى بعيد، لا تصلون إليه، ولا - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٩

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

الفصل: الأرض يغور فيها، إلى مدى بعيد، لا تصلون إليه، ولا

الأرض يغور فيها، إلى مدى بعيد، لا تصلون إليه، ولا تنتفعون به، ولكن بلطفنا، ورحمتنا، ننزل عليكم الماء العذب الفرات، ونسكنه في الأرض، ونسلكه ينابيع فيها، لتسقوا به الزرع، والثمار، وتشربوا منه أنتم ودوابكم وأنعامكم.

وفي هذا تهديد شديد، لما يدل عليه، من قدرته سبحانه على إذهابه، وتغويره، حتى يهلك الناس بالعطش، وتهلك مواشيهم، ومثله قوله:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30)} .

‌19

- ثم بيّن سبحانه ما يتسبب عن إنزال الماء، فقال:{فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ} ؛ أي: فأخرجنا لكم من الأرض به؛ أي: بسبب ذلك الماء، الذي أنزلناه من السماء {جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ}؛ أي: بساتين فيها نخيل، وأعناب، إنما ذكرهما الله سبحانه لكثرة منافعهما، فإنهما يقومان مقام الطعام، ومقام الإدام، ومقام الفواكه، رطبًا ويابسًا، وقال ابن جرير: اقتصر سبحانه، على النخيل والأعناب؛ لأنها الموجودة بالطائف والمدينة، وما يتصل بذلك، وقيل: لأنها أشرف الأشجار ثمرةً وأطيبها منفعةً، وطعمًا ولذَّةً {لَكُمْ فِيهَا}؛ أي: في تلك الجنات {فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ} من أنواع شتى، تتفكهون بها، وتتطعمون منها، زيادةً على ثمرات النخيل، والأعناب: كالزيتون والرمان، والتفاح والموز، وغيرها.

وقد اختلف أهل الفقه في لفظ الفاكهة، على ماذا يطلق؟ اختلافًا كثيرًا، وأحسن ما قيل: إنها تطلق على الثمرات التي يأكلها الناس، وليست بقوت لهم، ولا طعام، ولا إدام، واختلف في البقول، هل تدخل في الفاكهة أم لا؟ {وَمِنْهَا}؛ أي: ومن تلك الجنات حبوبها وثمارها {تَأْكُلُونَ} تغذيًا، أو ترزقون، وتحصلون معايشكم من قولهم: فلان يأكل من حرفة يحترفها، ومن تجارة يتربح بها.

‌20

- {وَشَجَرَةً} بالنصب عطف على جنات، وتخصيصها (1) بالذكر من بين سائر الأشجار، لاستقلالها بمنافع معروفة، قيل: هي أول شجرة، نبتت بعد الطوفان، وهي شجرة الزيتون، قال في "إنسان العيون": شجرة الزيتون، تعمر ثلاثة آلاف

(1) روح البيان.

ص: 30

سنة؛ أي: وأنشأنا لكم زيتونة {تَخْرُجُ} وتنبت {مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ} هو جبل بين مصر وأيلة نودي عليه موسى عليه السلام {تَنْبُتُ} تلك الشجرة، صفة ثانية لشجرة، والباء في قوله:{بِالدُّهْنِ} للملابسة متعلّقة بمحذوف حال من الشجرة؛ أي: تنبت تلك الشجرة، حالة كونها متلبسة بالدهن، مستصحبة بالدهن، كما قال الراغب معناه: تنبت والدهن موجود فيها بالقوة، ويجوز كون الباء صلة معدية لتنبت، كما في قولك: ذهبت بزيد؛ أي: تنبت الدهن بمعنى: تتضمنه وتحصله، فإن النبات حقيقةً، صفة للشجرة لا للدهن، {وَصِبْغٍ} معطوف على الدهن، جار على إعرابه عطف أحد وصفي الشيء على الآخر؛ أي: إدام {لِلْآكِلِينَ} من قولهم: اصطبغت بالخل؛ أي: تأدمت به؛ أي: تنبت الشجرة بالشيء الجامع بين كونه دهنًا يدهن به، ويسرج منه، وكونه إدامًا يصبغ فيه الخبز؛ أي: يغمس للائتدام ويلون به، كالدبس والخل مثلًا، وأصل الصبغ ما يلون به الثوب، وشبه الإدام به؛ لأن الخبز يكون بالإدام كالمصبوغ به.

والمعنى (1): أي وأنشأنا لكم شجرة الزيتون، التي تنبت في الجبل، بتلك البقعة المباركة، وتثمر زيتونًا تصنع منه الزيوت، التي يدهن بها وتتخذ إدامًا للآكلين.

ذكر تعالى شرف مقر هذه الشجرة، وهو الجبل الذي كلم الله فيه نجيه موسى عليه السلام، ثم ذكر ما فيها من الدهن، والصبغ، ووصفها بالبركة في قوله:{مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} وهي كثيرة بالشام، وقال الجمهور: سيناء اسم الجبل، كما تقول جبل أحد، من إضافة العام إلى الخاص، وقال مجاهد: معنى سيناء مبارك، وقال قتادة معناه: الحسن، والقولان عن ابن عباس، وقيل: سيناء: اسم حجارة بعينها، أضيف الجبل إليها لوجودها عنده، قاله مجاهد أيضًا.

وقرأ الحرميان - نافع وابن كثير - وأبو عمرو والحسن بكسر السين، وهي لغة لبني كنانة، وقرأ عمر بن الخطاب وباقي السبعة بالفتح، وهي لغة سائر العرب، وقرىء {سينا} مقصورًا، وبفتح السين، والأصح أن سيناء اسم بقعة،

(1) المراغي.

ص: 31