المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

إليها عقول البشر. والسر الغيب؛ أي: يعلم الغيب الكائن فيهما. - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٩

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

الفصل: إليها عقول البشر. والسر الغيب؛ أي: يعلم الغيب الكائن فيهما.

إليها عقول البشر. والسر الغيب؛ أي: يعلم الغيب الكائن فيهما. وجملة قوله: {إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} . تعليل لتأخير العقوبة؛ أي: إنكم وإن كنتم مستحقين لتعجيل العقوبة بما تفعلونه من الكذب على رسوله، والظلم له، فإنه لا يعجلها عليكم بذلك؛ لأنه كثير المغفرة والرحمة؛ أي (1): إنه تعالى أزلًا وأبدًا مستمر على المغفرة والرحمة، فلذلك لا يعجل على عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته عليها، واستحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صبًا. وفيه إشارة إلى أهل الضلالة من الذين نسبوا القرآن إلى الإفك، لو رجعوا عن قولهم وتابوا إلى الله، يكون غفورًا لهم رحيمًا بهم، كما قال تعالى:{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} .

واعلم: أن الله تعالى أنزل القرآن على وفق الحكمة الأزلية في رعاية مصالح الخلق؛ ليهتدي به أهل السعادة، وليضِلَّ به أهل الشقاوة، وينسبوه إلى الإفك، كما قال تعالى:{وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} والقرآن لا يدرك إلا بنور الإيمان. والكفر ظلمة. وبالظلمة لا يرى إلا الظلمة، فبظلمة الكفر؛ أي: الكفار القرآن النوراني القديم كلامًا مخلوقًا ظلمانيًا من جنس كلام البشر، فكذلك أهل البدعة .. لما رأوا القرآن بظلمة البدعة، رأوا كلامًا مخلوقًا ظلمانيًا بظلمة الحدوث، وظلموا أنفسهم بوضع القرآن في غير موضعه من كلام البشر. وفي الحديث:"القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، فمن قال بكونه مخلوقًا فقد كفر بالذي أنزله". نسأل الله العصمة والحفظ من الإلحاد وسوء الاعتقاد.

‌7

- ولما فرغ سبحانه من ذكر ما طعنوا به على القرآن .. ذكر ما طعنوا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر هنا أن المشركين ذكروا خمس صفات للنبي صلى الله عليه وسلم، تمنع النبوة في زعمهم. {وَقَالُوا}؛ أي: وقال المشركون من أشراف قريش، كأبي جهل وعتبة وأمية وعاص وأمثالهم. وذلك حين اجتماعهم عند ظهر الكعبة. {ما} استفهامية، بمعنى إنكار الوقوع ونفيه، في محل الرفع على الابتداء خبرها قوله:{لهَذَا الرَّسُولِ} وجدت اللام مفصولة عن الهاء في المصحف، واتباعه سنة.

(1) روح البيان.

ص: 482

وفي الإشارة هنا تصغير لشأن المشار إليه وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسموه رسولًا استهزاء وسخرية؛ أي: أيُّ سبب حصل لهذا الذي يدعي الرسالة؟ حال كونه {يَأْكُلُ الطَّعَامَ} كما نأكل - والطعام كل ما يتناول من الغذاء - {و} حالة كونه {يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} لطلب المعاش كما نمشي - وهو الموضع الذي يجلب إليه المتاع للبيع ويساق - أنكروا أن يكون الرسول بصفة البشر، يعني إن صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا، ولم يؤت ميزةً دوننا.

وما هذا (1) منهم إلا لضعف عقولهم، وقصور إدراكهم، فإن الرسل لم يمتازوا بأمور حسية، بل بصفات روحية، وفضائل نفسية، فطرهم الله تعالى عليها. توجب صفاء عقولهم وطهارة نفوسهم يرشد إلى ذلك قوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} .

قال بعضهم (2): ليس بَمَلكٍ، ولا مَلِكٍ، وذلك؛ لأن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون، والملوك لا يتسوقون ولا يبتذلون، فعجبوا أن يكون مثلهم في الحال، ولا يمتاز من بينهم بعلو المحل والجلال لعدم بصيرتهم وقصور نظرهم على المحسوسات، فإن تمييز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية، وإنما هو بأحوال نفسانية، فالبشرية مركب الصورة. والصورة مركب القلب. والقلب مركب العقل. والعقل مركب الروح. والروح مركب المعرفة، والمعرفة قوة قدسية صدرت عن كشف عين الحق.

وفي "التأويلات النجمية" يشير إلى أن الكفار صم بكم عمي، فهم لا يعقلون؛ لأنهم نظروا إلى الرسول بنظر الحواس الحيوانية، وهم بمعزل من الحواس الروحانية والربانية. فما رأوا منه إلا ما يرى من الحيوان، وما رأوه بنظر يرى به النبوة والرسالة، ليعرفوه أنه ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين.

وقالوا أيضًا: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} ، {لَوْلَا}: حرف تحضيض بمعنى هلا؛

(1) المراغي.

(2)

روح البيان.

ص: 483